حصري لصفحة روايات رولا

.
​كان عندي ٣٨ سنة، حامل في الشهر السابع، وقاعدة على شيزلونج في قرية سياحية من أرقى وأغلى قري الساحل الشمالي، والزحمة محوطانا من كل ناحية.. في اللحظة اللي هي فقدت فيها أعصابها تماماً.
​«أنتي ولا حاجة!» صرخت فيا، وصوتها يرن فوق صوت موج البحر.. «واحدة جربوعة وحامل، مالكيش أصل ولا فصل ولا عيلة تتردي ليها!»
​مية التلج غرقتا الرملة عند رجليا العريانة.

​على بعد خطوات، ست لابسة برنيطة كابيلو كبيرة ومسكّة عصير في إيدها، الكاس وقع منها من الصدمة.

​الويترات اللي شايلين الصواني الفضة اتسمروا في مكانهم. كل دقيقة وكل راس على الشط الخاص ده اتلفتت ناحيتنا.
​«هتمضي على تنازل عن كل الأملاك لصالح العيلة دلوقتي حالا!» فشت فيا بصوت واطي ومخيف، وقربت مني لدرجة إن خيالها غطى على بطني.
​قلت ببرود وهدوء تام: «تؤ.. مش همضي.»
​شالت شنطة البحر الخوص بتاعتي وقامتها رأسًا على عقب على الرملة المبلولة. الصن بلوك، وزبدة الكاكاو، وفيتامينات الحمل بتاعتي اتطوحوا في كل حته.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​«هتسمعي كلام العيلة دي ورجلك فوق رقبتك!» تفّت في وشي، ووشها بقي أحمر زي الطماطم.. «يا إما وعهد الله لأمسح اسمك من المجتمع ودهس عليكي!»
​بعيد على الشط، لمحت جوزي “أدهم” بيجري بـ أقصى سرعة على الرملة ناحيتنا.
​أدهم شغال مهندس استشاري أنظمة أمنية وعسكرية لجهات ثقيلة جداً.. شغلنته اليومية إنه يتعامل مع التهديدات والملفات الخطر، بس في اللحظة دي، كان شكله مجرد زوج مرعوب بيحاول يلحق مراته الحامل اللي بتعيط من الإهانة قدام الناس.
​بس أنا مكنتش بعيط.
​ما نزلتش دمعة واحدة.. ولا اتهزيت.
​بدال كده، فيه “ذاكرة عضلية” جوايا كانت مدفونة من عشرين سنة.. صحيت في ثانية!
​في الثانية الأولى، نفسي اتقطع تماماً.
​في الثانية الثانية، نظرة عينيا بقت ميتة وباردة، ونقلت ثقل جسمي وأنا حامل، وظبطت وقفتي وقفة قتالية ودفاع عن قرب متقنة جداً.
​في الثانية التالثة، مديت إيدي لساعتي الفضة الثقيلة اللي في إيدي الشمال.
​ما زعقتش.. ولا حتى بصيت لها. كل اللي عملته إني دست على زرار متداري في الساعة، ووحوشت بصوت واطي جداً:
​«إيكو-فيكتور-تسعة. إظلام تام. بروتوكول: الشبح.»
​أدهم كان فاضل له حوالي ٣ متر عشان يوصل لي لما سمع الكلمة دي.
​وقف في مكانه زي المصدوم.
​الدم اتهرب من وشو كلياً واللون اختفى.
​أدهم عارف الشفرة دي كويس.. دي مش شفرة أمن عادي ولا حراسات خاصة.. دي شفرة استغاثة دولية بتاعة عمليات الصاعقة والقوات الخاصة السرية جداً!
​بص لي وبقه مفتوح من الذهول والرعب، في نفس اللحظة اللي الشاب اللي كان راكب الجيت سكي على بعد ٥٠ متر في البحر فصل الموتور فجأة.. ومد إيده جوة لايف جاكيت بتاعه!
​يتبع…
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​
​الجزء الثاني: الشبح يسترد حقه
​أدهم كان واقف يبص لي وبقه مفتوح من هول الصدمة، في نفس اللحظة اللي الشاب الوهمي اللي كان راكب الجيت سكي على بعد ٥٠ متر في البحر فصل الموتور فجأة ومد إيده جوة اللايف جاكيت بتاعه. حماتي، اللي مكنتش فاهمة ولا حاسة بأي تغيير في الهواء حولين منها، شاطت إزازة صن بلوك فاضية برجلها ناحية رجلي وربعت إيدها: «أنتي مش بتسمعي يا إيلينا؟!» صرخت وهي بتستعرض قدام الناس كلها.
​الكلمات نزلت زي عادتها—صوت عالي يسمّع الترابيزات اللي حولين منا، وباردة زي المهرطقات. أنا فضلت مكانها بالظبط، رجليا مغروسة في الرملة المبلولة جنمب المية بالتلج اللي اندلقت والإزاز المكسور. فستاني كان ملزق وساقع على رجلي. إيد من إيداي كانت محطوطة على بطني من تحت، مش حركة حماية، مجرد إيد محطوطة وخلاص. شفرة التدمير كانت خلاص طلعت من بوقي من ٥ دقائق.. دلوقتي فاضل الانتظار بس.
​حماتي اتلفتت لـ أدهم كأنها مستنياه يصلح العك ده زي ما بيصلح كل حاجة: «أدهم! بطل وقوف زي الأبله كأنك أول مرة تشوف حد بيدي مراتك على دماغها بالحق! هاتها الأوراق. أوراق التنازل عن أصول العيلة.. دلوقتي حالا! عايزاها تمضي قدام الكاميرات عشان العالم كله يعرف إنها خرجت من المولد بلا حمص!»
​أدهم مكنش بيتحرك. شنطة الأوراق كانت مدلدلة من إيده اليمين، والجلد بتاعها متغرق تراب ورملة. عينيه كانت متثبتة عليا.. كان شبه راجل بيشوف بيته بيتحرق واكتشف متأخر إنه كان عايش في المكان الغلط!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​«أمي..» قالها بصوت بحوح ومكسور: «أنتي عملتي إيه؟»
​ضحكت ضحكة قصيرة وبشعة: «أنا عملت إيه؟! أنا عرفت الجربوعة دي حجمها الطبيعي! واحدة خطافة رجالة حبلت عشان تتسلل لعيلتنا وتاخد اللي مش بتاعها. امضي على الزفت الأوراق دي وغوري من الشط ده قبل ما أخلي الأمن يرميكي برة زي الزبالة!»
​صوابع أدهم اتفتحت.. والشنطة وقعت! هبدت على الرملة هبدة مكتومة، والكونون بتاعها اتفتح والأوراق القانونية اتنطرت نصها على الرملة والهواء بيطير أطرافها. ما مدش إيده يشيلها.. مكنش عارف يشيل عينيه من عليا.
​أول تغيير حصل عند خط المية..
​الشاب اللي كان على الجيت سكي نزل في المية اللي واصلة لركبته. ما مدش إيده يجيب فوطة ولا موبايل. إيده فضلت جوة اللايف جاكيت وهو طالع على الشط، وعينيه بتكسح الكابانا، والناس، والممر اللي وارانا. اتنين من المنقذين (اللايف جاردز) اللي كانوا بيضحكوا مع عيلة جنمب شبكة الفولاي اتلفتوا في نفس اللحظة. واحد رفع معصمه لبوقه واتكلم بصوت واطي في مايك متداري.. والثاني بدأ يتحرك.
​مشى على طول ناحية شلة المباشرين اللي كانوا رافعين موبايلتهم بيصوروا خناقة الأغنية. صوته وصل بالظبط على قد المساحة: «يا جماعة، ياريت نرجع ورا بعيد عن الكابانا.. موضوع شخصي، سيبوا مساحة بعد أذنكم.»
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​راجل لابس قميص مشجر نزل الموبايل بس مكنش عايز يتحرك: «ده شط عام يا كابتن!»
​زميل اللايف جارد ظهر جنمبه في ثانية: «ارجع ورا دلوقتي.»
​ما رفعوش صوتهم.. ما لمسوش حد. بس صف الناس اللي معاهم موبايلات بدأ يتراجع لورا تلقائياً. ست فضلت تصوّر من فوق كتفها لحد ما اللايف جارد الثاني قفل عليها الطريق بجسمه بمنتهى الهدوء والصرامة: «يا فندم.. دلوقتي!»
​حماتي أخيراً أخدت بالها إن اللايف جاردز مش يبصوا لي أنا كأني أنا المشكلة! اتلفتت ناحيتهم وصاباعها المانيكير بيشاور في الهواء: «أنتوا الاتنين! جيتوا في وقتكم! الست دي متعدية على كابانا عيلتي ومسجلة مش نزيلة! اتردوها برة! ويا ريت تلموا الناس دي، دول بيصوروا موضوع عائلي خاص!»
​ولا واحد من اللايف جاردز رد عليها. الأولاني اتكلم في ساعة إيده تاني: «الجمهور متعاون وبيصور.. المحيط البيئي بيتقفل.»
​برشت عينها.. وبعدين وشها خشب: «أفندم؟! أنا بكلمكم! شوفوا شغلكم بدل ما أجيب لكم مدير القرية في ٣٠ ثانية!»
​ولا الهوا.. برضه ما ردوش.
​الويتر بتاع الكابانا اللي كان بيلم الترابيزة اللي جنب البار حط الصينية على الرملة كأنها بقت تقيلة فجأة. هز كتافه مرة واحدة.. والقميص الخفيف بتاع القرية اتفتح من عند الياقة. الجراب اللي تحته كان أسود مط، وحقيقي جداً! عدى من جنمب حماتي من غير ولا كلمة، قريب منها لدرجة إنها اضطرت تعدل وقفتها عشان ما يخبطش فيها. وقف على بعد متر مني، ولف وشه للبرة، ووقف وقفة انتباه واستعداد.. وعينيه متثبتة للي قدامه، بيستنى.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ديت له هزّة راس صغيرة جداً.. ما اتحركش من مكانه.
​دماغ حماتي اتلفتت بسرعة لدرجة إن نظارتها الشمس اتزحلقت على مناخيرها: «أنت بتعمل إيه عندك؟! أنا قايلالك تنظف الإزاز ده! وبعدين قلت لك ارمي الست دي برة! أنت أطرش؟!»
​الويتر فضل يبص للنقطة الميتة اللي قدامه.. حتى ما برمش.
​قربت منه خطوتين وصوتها بدأ يعلى للطبقة اللي بتستعملها مع العمال اللي بتعتبرهم تحت جزمتها: «أنا بدفع في ويك إند واحد أكتر من اللي بتعمله في سنة! لما أكلمك تسمع الكلام! نظف.. ده!»
​برضه.. ما اتحركش.
​شخص تاني لابس بولوه القرية ظهر على الممر اللي جاي من المبنى الرئيسي. نفس الوقفة الهادية.. نفس العيون الميتة. وقف نفسه بين الكابانا وبين تجميعة الموبايلات اللي فاضلة. بتاع الجيت سكي كان بقا على الرملة دلوقتي، المية بتنقط من شورت، وإيده مستقرة جنمب وسطه.
​أدهم أخيراً جمع شوية كلام.. طلعوا بصوت واطي ومكسور: «إيلينا.. مين الناس دول؟!»
​ما رديتش عليه.. فضلت باصة لحماتي. كانت بدأت تحس إن جو الهواء بيتغير. ضحكت تاني، بس الضحكة المرة دي كانت أرفع وأضعف: «آه.. فهمت! القرية بعتت أمن خاص عشان حد كسر كاس إزاز! يا سلام على الدراما! طب كويس.. خرجوا الست دي برة القرية خالص.. دي مالمهاش مكان هنا، وعمرها ما كان ليها مكان!»
​اتلفتت لـ أدهم وفرقعت صوابعها عند الشنطة المرمية: «اشيل الزفت ده! خليها تمضي! عايزاها تمضي قدام شهود عشان ما ترجعش تسحف تاني وتقول مكنتش فاهمة!»
​أدهم ما شالهاش.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​وطت هي بنفسها، مسكت الفولدر وقامت حدفاه في وشي. الأوراق جوة كانت بلت أطرافها من المية المندلوقة: «امضي! دلوقتي حالا! التنازل اللي بيحمي أملاك أدهم من أشكالِك! امضي واختفي من حياتنا!»
​بصيت للفولدر.. وبعدين لوشها. صوتی طلع واطي بس واصل لها ولـ أدهم بوضوح: «كان المفروض تبعدي اللي في بطني عن الوساخة دي.»
​وشها اتلوى: «اللي في بطنك؟! البتاع اللي أنتي شايلاه ده مش—»
​ما لحقتش تكمل الجملة.
​قائد المجموعة التكتيكية نزل من الممر اللي جاي من ناحية الفندق الرئيسي. كان بيمشي بأسلوب خلى الباقيين يوسعوا له السكة تلقائياً. طوال، ج*ثّة، لابس بنطلون تكتيكي أسود مش بتاع شواطئ خالص.. لا فيه شارة ولا فيه ابتسامة. في إيده اليمين كان شايل تابلت أسود تقيل من النوع المصفح بتاع المواقع الميدانية، والشاشة بتاعته كانت منورة.
​عدى من المساحة اللي بين الويتر واللايف جاردز. عدلوا وقفتهم من غير ما يكلمهم، وضيّقوا الدايرة. الناس اللي معاهم موبايلات نزلوا أجهزتهم أكتر، وشوية بدأوا ينسحبوا لورا لوحدهم.
​حماتي شافته وشفطت بطنها، الارتياح ظهر على وشها لنص ثانية: «أخيراً! حد شكله مسؤول هنا! الست دي عاملة شوشرة وهي مش نزيلة هنا أساساً.. ارموها برة دلوقتي!»
​القائد ما بطّأش خطوته.. ما بصش للإزاز المكسور، ولا بص لـ أدهم اللي كان متسمر جنب الورق. وقف قدام حماتي مباشرة، قريب لدرجة إنها اضطرت ترفع رأسها لفيوق عشان تحط عينها في عينه.
​رفع التابلت بإيد واحدة وخبطه في صدرها! الخبطة خلتها تمسكه بإيديها الاتنين غصب عنها عشان ما يقعش في الرملة. الشاشة نورت في وشها بأرقام وبيانات بتتحرك.
​«بصي على الشاشة.»
​قالها القائد بنفس النبرة المفيهاش أي نوع من خدمة العملاء. حماتي بصت للتابلت تلقائياً وصوابعها المانيكير بتتزحلق على الجراب المطاط وهي بتشوف صورتها في قاعدة بيانات فيدرالية رسمية!
​اسمها، تاريخ ميلادها، وعنوانها الأخير مكتوبين بالكامل بالكتلة البيضاء على خلفية سوداء. وتحتها، خطوط الحسابات المالية بتتسحب في نفس اللحظة (Real-time). فضلت باصة للشاشة ٣ ثواني كاملين قبل ما عقلها يستوعب.
​«إيه الزفت ده؟!» هسست بصوت واطي.
​أول رصيد حساب نزل من ٢.٤ مليون دولار لـ ١.٩ مليون قدام عينها! وبعدين لـ ١.٢ مليون.. الأرقام كانت بتكرّ وتنزل!
​قعدت تفرك في الشاشة بصاباعها وهي بتحاول تفتح أبلكيشن البنك بتاعها. الرسائل الحمراء نزلت على دماغها: فشل الاتصال.. الحساب غير متاح موقتاً.. تم تفعيل إنذار الاحتيال. حولت على أبلكيشن تاني بتاع حسابات الأوفشور.. نفس النتيجة! بانرات حمرا.. الحساب مقفول! حاولت ثالث مرة وهي نفسها بيعلى.
​أنا كنت باصة لوشها وهو بيتقلب. الدم هرب من خدودها الأول، وشفايفها اطبقت. بقت تدوس أقوى كأن القوة هتعطل اللي بيحصل.
​«في ١٢ مارس السنة اللي فاتت،» قلت لها بصوت ميت: «حولتي ٤٧ ألف دولار من حساب الجراند كيمان لشركة وهمية في بليز. وفي ٣ أبريل سحبتي ٦٢ ألف تانين. ١٩ مايو كانت الضربة الكبيرة.. ١٨٠ ألف دولار. استخدمتي نفس رقم التوجيه كل مرة.»
​رأسها اترزعت لفوق والتابلت بيتهز في إيدها: «اخرسي! أنتي مش فاهمة أنتي بتقولي إيه!»
​«٧ يونيو،» كملت كلامي: «٩٤ ألف. ٢٢ يوليو.. ١١٠ ألف. أقدر أكمل عاددي.. معايا كل تحويل، بالتاريخ، بالمبلغ.»
​حاولت تقفل أبلكيشن البنك تاني.. الشاشة نورت بالأحمر: [تم التحفظ – حظر فيدرالي]. قعدت تفرك أكتر.. الأرقام على شاشة البيانات كانت بتصفّر. حساب تاني بقى صفر قدام عينها.. وبعده حساب كمان.
​«ده غير قانوني!» صرخت بصوت أعلى: «دي فلوسي! أدهم! اتصل بأي حد! كلم الشرطة! كلم المحامي بتاعنا دلوقتي!»
​أدهم ما اتحركش من مكانه جنب الشنطة المفتوحة. عينيه كانت بتتنقل بيني وبين التابلت وبين وشه أمه: «إيلينا.. هو إيه اللي بيحصل؟!»
​ما بصيتش له: «خليك بعيد يا أدهم.»
​حماتي سمعت الكلمة ومسكت فيها زي الغريق: «أيوة! خليك بعيد يا أدهم! دي خناقة بيني وبين زبالة الحكومة اللي هي جايباهم هنا! دول ما يقدروش يعملوا كده.. ما يقدروش ياخدوا فلوس الناس كده!»
​القائد التكتيكي اتكلم من غير ما يرفع صوته: «الرقم القومي بتاعك والتسجيل الفيدرالي محظورين بتهمة الاحتيال الدولي من الساعة ٤:١٧ عصراً. كل الحسابات المباشرة اتجمدت. وقصور أسبين وبالك بيتش بيتم التحفظ عليهم دلوقتي تحت بند أمر الضبط الأسود. ماليش أي أحقية تدخلي أي مكان فيهم.»
​بصت له كأنه بيتكلم هندي: «أمر ضبط أسود؟! يعني إيه الكلام ده؟! أنتوا ما تقدروش—»
​«يعني،» قلت لها: «كل حساب استخدمتيه عشان تهربي فلوس شركة أدهم وبيتم تصفير رصيده في نفس اللحظة.. الحسابات اللي كنتِ فاكرة محدش شايفها.. اللي دفعتي منها ثمن بيت الفيل في كولورادو واليخت بتاع ميامي.. كل ده طار.»
​هجمت عليا!
​كانت حركة سريعة بالنسبة لست في سنها، طالعة من قمة البانيك والجنون. إيدها الفاضية اترفت كأنها هتضربني أو تمسك في زوري.. بس عمرها ما وصلت. اتنين من القوات اللي كانوا واقفين على طرف الكابانا اتحركوا في نفس الفيمتو ثانية. واحد مسك معصم إيدها وهي في الهواء، والثاني وقف بيني وبينها وجسمه مايل عشان ما تعرفش تطولني. ما زقوهاش.. هم بس وقفوا اندفاعها ومسكوها لحد ما بطّلت تعافر.
​شدت إيدها لورا.. والظابط سابها في الثانية اللي بطّلت تشد فيها. اتكعبلت خطوة لورا وهي بتنهد بصعوبة، والتابلت لسة في إيدها الثانية.
​«أنتوا ما تقدروش تلمسوني!» تفّت وهي بتصرخ: «أنا ليا حقوق! أنا ليا محامين! أدهم، عشان خاطر ربنا قول حاجة! الست دي بتسرقني قدام عينك!»
​أدهم أخد خطوة لقدام، وبعدين وقف لما ظابط تاني تحرك بسيط وقفل عليه السكة. صوته اتكسر: «إيلينا.. أرجوكي. كلميني أنا! مين الناس دول؟! هي عملت إيه؟! وأنتي.. أنتي عملتي إيه؟!»
​بصيت له أخيراً.. وشه كان هو نفس الوش اللي بشوفه كل يوم الصبح بقالي سنتين. نفس العيون اللي كانت بتبص لي كأني الحقيقة الوحيدة في حياته. دلوقتي كان بيدور في وشي على حاجة م بقتش موجودة.
​«خليك بعيد يا أدهم،» قلت له تاني: «دي مش معركتك.»
​جسمه اتنفض كأني ضربته بالقلم.
​حماتي شافت اللقطة واستغلتها: «شايف؟! حتى دلوقتي بتتعامل معاك كأنك غريب! عشان أنتا فعلاً غريب بالنسبة لها! هي استغلتك! استغلتنا كلنا! ودلوقتي سايبة الناس دول يسرقوا كل حاجة شقيت فيها طول عمري!»
​أخدت خطوة لقدام.. عديت من فوق الإزاز المكسور والمية والتلك. الإزاز اتدشمل تحت صندلي. وقفت قريبة منها لدرجة إنها اضطرت ترفع رأسها عشان تبص لي.
​«أوراق التنازل اللي أدهم جابها،» قلت لها: «اللي كنتي عايزاني امضي عليها قدام الناس.. مكنتش حماية. دي كانت مصيدة! أنتي صممتيها بحيث إن لو أي حاجة اتكشفت عن الفلوس المفقودة، يبان إني أنا اللي سرقتها! صفحة الإمضاء كانت متجهزة باسمي مكتوب كمبيوتر.. كل اللي كنتي محتاجاه هو خط إيدي وشاهد يقول إني وافقت أشيل الشيلة!»
​بُقها اتفتح.. مفيش صوت طلع في الأول. بعدين صوت صريخ رفيع ومغلول: «معاكيش دليل على الهبل ده!»
​شاورت بدماغي على التابلت اللي في إيدها: «مكتوب على الشاشة عندك.. الصفحة الرابعة من الورق اللي حاولتِ تجبريني عليه. البند اللي ضفتيه الشهر اللي فات.. الجزء اللي بيحملني مسئولية أي “اختلافات مالية” في الحسابات الخارجية عليا أنا مباشرة! كنتِ هتخليهم يعتقلوني أنا على الفلوس اللي أنتي سرقتيها!»
​بصت للتابلت كأنه حتة جمرة حمرة. شاشة البيانات كانت اتغيرت لشاشة جديدة.. حساب ورا حساب كاتب $0.00. وبانر أحمر عريض مكتوب فيه: [تم التحفظ – مصادرة الأملاك جارية].
​حاولت ترمي التابلت من إيدها.. القائد التكتيكي مسكه قبل ما يلمس الرملة ورفعه قدام وشها تاني عشان ما يبقاش قدامها مفر غير إنها تشوف.
​«ما تقدروش تعملوا كده..» صوتها صغر وبقى واطي: «أنا مش مجرمة! أنا بصلح البلد وبدفع ضرايب! أنا ليا معارف! أنا ليا—»
​«أنتي معكيش حاجة،» قلت لها: «خلاص.. الحسابات راحت، الأملاك راحت، والمنظرة والمكانة الاجتماعية اللي كنتي بتأذي بيها الناس راحت. فاضل بس اللي أنتي عملتيه.»
​بدأت تترعش.. إيدها الأول، وبعدين كتافها. التابلت اتزحلق من مسكتها تاني، المرة دي الظابط سابها تحتفظ بيه. حضنته في صدرها كأنه ممكن ينقذها.
​أدهم حاول لآخر مرة: «إيلينا.. اللي في بطنك؟ هو فيه أي حاجة حقيقية؟! ولا حتى ده كان جزء من التغطية بتاعتك؟!»
​ما رديتش.. فضلت باصة لحماتي وهي ونفسها بيبقى متقطع. الصريخ والتعالي ماتوا.. اللي طالع دلوقتي صوت شهقات واطية ومكسورة.
​على شاشة التابلت، آخر حساب وصل لصفر. وبانر جديد ظهر تحت الأحمر:
​[تم التحفظ بالكامل]
​صريخ حماتي اللي كان مالي الشط تحول لشهقات وتشنجات نهت وجودها تماماً في مجتمع الهانمات.. بقت مجرد شبح!
​البانر الأحمر كان بيطفى وينور على التابلت، وعامل عكس أحمر على وشها الغرقان دموع. نزلت على ركبها في الرملة المبلولة، وبنطلونها الكتان الغالي شرب مية التلج المندلوقة وهي بتسيب التابلت يقع من إيدها المترعشة.
​نزل على وشه جنب الإزاز المكسور. الشاشة فضلت تحدّث بيانات حتى بعد ما سابته. حساب تاني صفر.. وبعده حساب. كانت باصة له كأن الأرقام هترجع لو اترجتها!
​«أدهم..» شهقت وصوتها اتشرخ وهي بتنادي باسمه: «أدهم عشان خاطر ربنا! كلم حد في معارفك.. كلم حد في وزارة الدفاع! قولهم ده غلط! ما يقدروش يعملوا فيا كده.. أنا أمك!»
​أدهم كان واقف على بعد متر منها. ما اتحركش من ساعتها. شنطته كانت لسة مفتوحة في الرملة وراه، والورق مطمي جزئياً بالرملة اللي طيرها الهواء. كان بيبص لها زي ما راجل بيبص لوحدة غريبة اكتشف إن حياته كلها معاها كانت كدبة!
​«ما أقدرش،» قالها بصوت فاضي وميت: «معنديش المعارف دي.. وحتى لو عندي..» هز رأسه مرة واحدة: «أنتي كنتي عايزة تلبسيها التهمة! كنتي عايزة تطلعيها هي اللي سرقت الفلوس!»
​أمه مدت إيدها لرجله.. صوابعها مسكت في طرف بنطلونه: «هي اللي سرقت! هي اللي—»
​أدهم رجع خطوة لورا. إيدها اتزحلقت من بنطلونه ووقعت على الرملة.. ما مدش إيده يقومها.
​اتنين من أمن القرية قربوا من الممر. كانوا بيمشوا أبطأ من القوات الخاصة. لبسهم كان متظبط، بس وشوشهم كانت باين عليها الصدمة إنهم داخلين في ليلة أكبر من حجمهم بمراحل! الراجل الكبير فيهم اتنحنح:
​«يا فندم،» وجه كلامه لحماتي: «كروت حضرتك م بقتش شغال للمجموعة ولا لأي مصاريف في القرية. وجاتلنا أوامر نطلب من حضرتك إخلاء منطقة الشاطئ فوراً.»
​بصت له كأنه بيتكلم طلاسم: «إيه؟! كروتي شغالة! طول عمرها شغالة! جربوها تاني!»
​«جربناها ٣ مرات يا فندم،» الشاب الصغير قالها وهو حاسس بالذنب: «كلهم اترفضوا.. الحسابات اتعمل عليها بلوك من الإدارة المالية.»
​حاولت تقف.. ركبها اتزحلقت في الرملة المبلولة. وقعت تاني، أشد من الأول. البنطلون الكتان اتغرق طين ومية عند ركبها. والماسكارا سيحت على خدودها خطين سود.
​«دي الكابانا بتاعتي!» صرخت وصوتها قرب من الانهيار: «عيلتي بتيجي هنا من ٢٠ سنة! أنتوا ما تقدروش—»
​الأمن الكبير بص للقائد التكتيكي، اللي أداه هزة رأس صغيرة جداً. الأمن رجع نص خطوة لورا: «يا فندم يا ريت ما تصعبيش الموضوع.. إحنا بننفذ الأوامر بس.»
​لفت رأسها ناحيتي. الغل اللي في عينها كان لسة موجود، بس كان بيغرق تحت الموجة بتاعة البانيك والذعر: «أنتي اللي عملتي كده! أنتي والبلطجية بتوعك! والله لأدفّعك الثمن! هرفع قضايا! أنا—»
​ما رديتش عليها.. كنت باصة لـ أدهم.
​مكنش بيبص للأمن، ولا للتابلت اللي منوّر في الرملة. كان بيبص لي أنا.. كان بيحاول يلاقي الست اللي اتجوزها جوة الشخصية اللي واقفة قدامه دلوقتي.
​«إيلينا..» قالها وصوته كان أهدى من صوت موج البحر: «اللي في بطنك.. هل فيه أي حاجة حقيقية؟! ولا ده كان مجرد غطاء للعملية بتاعتك؟!»
​السؤال ده نزل عليا أتقل من كل اللي أمه قالته طول اليوم.
​لثانية واحدة.. التلج التقيل اللي كنت شايلاه جوايا اتشرخ! حسيته في صدري، وفي النفس اللي اتكتم في زوري. إيدي أتحركت من غير تفكير.. استقرت على كيرف بطني، نفس الحركة اللي بعملها لما البيبي بيلعب بالليل وأكون محتاجة أحس بحاجة حقيقية. بصيت لـ أدهم وخليته يشوف ده.. لربشة عين واحدة بس! شاف الست اللي كانت بتعمله القهوة كل يوم الصبح بقالها سنتين.. الست اللي كانت بتنام على كتفه على الكنبة.. اللي همست له في يوم إنها خايفة تبقى أم بس عايزة تجرب معاه.
​بعدين.. الشرخ ده اتقفل تماماً.
​نزلت إيدي. ونظرة عينيا بردت ورجعت ميتة تاني.
​أدهم شاف التغيير ده. كتافه نزلت كأن حد قطع الحبال اللي شايلاه.
​القائد التكتيكي وقف بيني وبينه قبل ما أدهم يلحق يقول أي كلمة ثانية: «يا فندم،» قالها بصوت واطي ومحترف: «لازم نتحرك. المحيط متأمن والخروج جاهز.»
​هزيت رأسي مرة واحدة.
​اتنين كمان من القوات ظهروا جنب جنابي. ما لمسونيئش.. هم بس وقفوا بحيث إن أي حد عايز يوصل لي لازم يعدي عليهم الأول. الويتر اللي كان واقف انتباه نزل ورايا في التشكيل. وبتاع الجيت سكي بقى في وش التشكيل. كانوا بيتحركوا كأنهم اتدربوا على الحركة دي ألف مرة على ألف شاطئ مختلف!
​حماتي كانت لسة على ركبها. شافت التشكيل وهو بيقفل عليا، وفيه حاجة جواها اتكسرت بالكامل! بدأت تصوت وتصرخ.. مش كلام خلاص، مجرد صوت طالع من الأحشاء طالع على الرملة ناحية الناس اللي فاضلة. أغلبهم كانوا خلاص اتلفتوا ونازلين المية.. شوية صغيرين كانوا لسة بيبصوا بس الموبايلات نزلت. العرض خلص! الست الغنية اللي راكعة على ركبها في الهدوم المبلولة م بقتش مادة للفرجة.. بقت حاجة تكسف! حاجة تحرج اللي يبص عليها.
​واحد من أمن القرية حاول يساعدها تقوم.. زقت إيده بصراخ: «ما تلمسنيش! إياك تلمسني!»
​رجع لورا.. والاتنين أمن انسحبوا ناحية الممر من غير ولا كلمة.
​القائد التكتيكي وِطي وجاب حاجة من على الرملة جنب الإزاز المكسور.. نظارة حماتي الشمس! اللي كانت داست عليها بكعبها الصبح لما كانت بتعمل شو قدام الناس. قلبها في إيده القماش، ولقى السن الصغير في دراع النظارة، وفتحه بظافره. شريحة ذاكرة (Memory drive) أصغر من الصفر طلعت في إيده. رفعها للشمس نص ثانية، وبعدين حطها في جيب الفست بتاعه.. القطعة الأخيرة! اللي هتقفل كل التحويلات المالية باسمها هي بس ومحدش تاني.
​ما قالش حاجة عنها.. مكنش محتاج يقول.
​التشكيل بدأ يتحرك. مشيت في نصهم، خطوتي ثابتة على الرملة المبلولة. الإزاز المكسور فضل وارانا.. المية بالتلج.. التابلت اللي لسة منور بالبانرات الحمراء.. والست اللي على ركبها اللي فضلت تصرخ باسمي كأن اسمي هيغير حاجة!
​أدهم ما مشيش وارانا. فضل واقف مكانه، بيبص على الفريق وهو بيقفل عليا. ما بصيتش لورا.. أنا أديته الرد الوحيد اللي أقدر أديهوله.
​الشمس كانت بدأت تغرب، بتلون المية ذهبي والرملة بنبيتي. العربيات الجيب السوداء (SUVs) كانت مستنية في آخر طريق الخدمة، المواتير شغالة، والأبواب مفتوحة. لا أوراش ولا سرينات.. خروج هادي جداً على شط بقى شبه ساكت تماماً.
​مديت إيدي وعدلت البرنيطة اللي اتزخلقت شوية. اتظبطت تاني على رأسي. إيدي فضلت فوق ثانية زيادة، صوابعي بتمشي على طرفها.
​الفريق فضل ماشى.. وأنا ماشية في وسطهم، محدش يلمسني، محمية، وشايلة الحاجة الوحيدة في العملية دي كلها اللي عمرها ما كانت جزء من التغطية!
​وارانا.. صوت حماتي أخيراً جاب أخيره. آخر صوت طلع منها كان شهقة مكسورة محدش رد عليها. الشط كان خلاص أداها ظهره.. الناس بتتفرق، وعمال القرية اختفوا. حتى الموج كان بيرجع لورا بعيد عن الرملة اللي هي راكعة فيها لوحدها بهدومها المتبهدلة، محاطة بلاشيء غير المية المندلوقة، الإزاز المكسور، والفراغ التقيل اللي سابه نفوذها اللي طار!
​العربيات كانت على بعد خطوات. القائد فتح الباب الخلفي للعربية اللي في النص واستنى. طلعت جوة من غير ما أبص لورا.. الباب اتقفل بصوت مكتوم وثقيل.
​القافلة تحركت بعيد عن الشط والشمس بتلمس الأفق.. قعدت وإيد من إيداي مستقرة على بطني، حاسة بالحركة الهادية المنتظمة تحت كفي.. الحاجة الحقيقية الوحيدة اللي واخدة معايا.
​تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *