ج2
“أطلقها؟!!”
تكلم بدر بهدوء حذر وكأنه يستوعب الكلمة الثقيلة التي خرجت للتو، فأكد والدها بنبرة قاطعة:
“آه.. هطلقها.”
أغمض بدر عينيه بقهر، ومسح بكفه على وجهه بعصبية حاول جاهدة كتمانها، ثم قال:
“حضرتك يعني كيف؟! كيف أطلق مرتي اللي لسه كاتب كتابي عليها ودخلت بيتي انهارده؟! أنت مش عارف أهل البلد والنجوع هيقولوا عليها إيه دلوك؟!”
رد الوالد بلا مبالاة ظاهرة وقلب يحترق على ابنته:
“مش فارقلي كلام الناس، ومش هاممني طالما أنا عارف بنتي والناس أكيد هتقول حقها إنها تسيبك لما معرفتش تحميها في عقر دارك!”
”يا عمي كيف مش حاميها عاد؟! أنا كنت أعرف منين إن في خاين وغدار واجف في دواري وسط أهلي ورجالتي؟! وهو موجود تحت يدي دلوك وهيتحاسب حساب عسير!”
”هطلقها يا بدر.. معدش ليها عيش معاك ولا مكان في الصعيد.”
قبض بدر على يده بقوة حتى ابيضت مفاصله، وحاول تهدئة أنفاسه الثائرة احتراماً لسن الرجل، وأردف:
“طب لما تفوق وأطمن عليها.. ولو طلبت هي مني إكده أنا مش هتأخر واصل، لكن مش هطلجها وهي مرمية في المستشفى إكده وتصحي متلقنيش جارها وسندها!”
أومأ والد بدر بجمود، ثم قال:
“مش هتدخلها دلوقتي.. لما تفوق تبقى تدخلها وتسألها بنفسك.”
كان بدر سيتحدث ويعترض، ولكن فهد تقدم ووضع يده على كتفه يهدئه، وأردف بصوت منخفض:
“سيب الحج على راحته يا بدر.. دي مهما كانت ضناه برضك، وحقه يعمل أكتر من إكده وعذره معاه.. روح خلص اللي وراك في المخزن يا كبير، وسيب الحج دلوك.”
أومأ بدر بهدوء مميت، وخرج من المستشفى بخطوات ثقيلة. أخرج سيجارة وأشعلها بجمود، وصعد سيارته يقودها بهدوء غريب ومخيف، ليس وكأن بداخله ناراً مستعرة تأكل كل جزء في كيانه.
اعترف لنفسه في تلك اللحظة؛ هو لا يريد أبعادها.. يريدها بجانبه بخفة روحها، وعنادها، وملامحها الساحرة التي أسرته منذ أول يوم رآها فيه بالدوار. تذكرها وهي بين يديه تنزف، تبتسم له بوجع من أثر الطلقة الغادرة وتقول:
“خايف عليا يا بدر؟”..
كان لوقع اسمه من بين شفتيها تأثير خاص وهزة في كيانه، حتى وهي تتألم.
نطق لنفسه بنبرة توعد مخيفة:
“هجبلك حقك يا ليالي.. مش مرت الكبير اللي يحصل فيها إكده!”
وصل إلى المخزن المنعزل، وتقدم منه حارسان من رجاله الفدائيين، ونطقا باحترام وأدب: