تركوني حصري لصفحة روايات رولا
:
”ماما، تيتة وكلهم طلعوا الطيارة وسابوني.”
بنتي اللي عندها تسع سنين هبست بالكلمات دي وهي قاعدة على كرسى حديد جنب بوابات السفر في مطار القاهرة، في نفس الوقت اللي خمس أفراد بالغين من عيلتي كانوا بيستمتعوا بكرسي الدرجة الأولى. كانوا فاكرين إن كالعادة هحجز لها تذكرة تانية، وأحل المشكلة، وأعمل نفسي مش واخدة بالي ولا كأن حاجة حصلت. بس المرة دي، أنا احتفظت بكل رسالة اتبعتت.
الساعة كانت ٥:٤٤ بعد الظهر يوم الخميس، لما بنتي فريدة كلمتني. صوتها كان واطي لدرجة إن الشوشرة اللي في المطار كانت مغطية على نص كلامها.
حصري لصفحة روايات رولا
”ماما، تيتة وكلهم طلعوا الطيارة وسابوني.”
لعشر ثواني كاملين، عقلي كان رافض يترجم الجملة دي لحاجة ممكن تحصل في الحقيقة.
أنا كنت في مهمة شغل ومؤتمر في الإسكندرية، والمفروض فريدة مسافرة من القاهرة لشرم الشيخ مع بابا وماما، وأخويا الصغير ومراته وبناتهم الاتنين.
أنا اللي دفعت ثمن تذكرة فريدة، وحجز الفندق، وأكلها، وتذاكر الرحلات، وكل مليم اتصرف على الرحلة دي. وبابا وماما كانوا واعديني إنهم يعاملوها زي بقية أحفادهم بالظبط.
ورا فريدة، كان صوت النداء الأخير للمسافرين بيرهي في الصالة. شنط بتتسحب، وناس بتجري، وبنتي قاعدة لوحدها في واحد من أزحم المطارات.
”فين الموظف اللي عند البوابة يا فريدة؟”
”مش عارفة يا ماما، طنط شيرين قالتلي أقعد هنا وحاد هييجي ياخدني.”
حصري لصفحة روايات رولا
قبل ما ألحق أسألها أي سؤال تاني، تليفوني نوّر برسالة من شيرين مرات أخويا.
شركة الطيران كانت عارضة ٥ ترقيات لدرجة رجال الأعمال بسعر مخفض بعد ما ركاب تانيين اتأخروا عن طيارتهم. والعيلة كان فيها ٦ أفراد مع فريدة.
وبدال ما يرفضوا العرض، أو يسيبوا شخص بالغ واحد يقعد مع فريدة في الدرجة السياحية، بابا وماما وأخويا وشيرين وبناتهم وافقوا فوراً وأخدوا الخمس كراسي المتاحة.
رسالة شيرين كانت بتقول:
«متكبريش الموضوع يا رشا.. هما كانوا ٥ كراسي بس، وفريدة أسهل واحدة تتقبل الوضع وأنتِ ممكن تحجزي لها على أي رحلة تانية بسرعة. عمي قال إن دي فرصة تتعلم ما تنتظرش معاملة خاصة دايماً.»
وبعدها على طول وصلتني رسالة من بابا:
«البنت أمان جوة الصالة، وموظفين المطار بياخدوا بالهم من الأطفال كل يوم عادي.»
فريدة بدأت تعيط في المكالمة: “هو أنا عملت حاجة غلط يا ماما؟”
“لأ يا حبيبتي، كل الكبار اللي معاكي هما اللي تصرفوا بغباوة. أنتِ ماعملتيش أي حاجة غلط.”
حصري لصفحة روايات رولا
في لحظتها كلمت شرطة المطار، ومدير عمليات الصالة، والمحامي بتاعي. وبعت فوراً تذكرة فريدة، وتفاصيل الحجز، وكل الرسائل اللي بتثبت إن فيه ٥ أفراد بالغين كانوا مسؤولين عنها وسابوها.
حتى إدارة الأمن في شركتي اتدخلت وكلمت المطار لأن بروفايل الشغل بتاعي بيكفل حماية فورية لأفراد عيلتي في الطوارئ.
فضلّت فاتحة الفيديو مع فريدة ومبتسمة عشان أطمنها لحد ما أمين شرطة وصل لها. أول ما شفت الراجل بزيّه الرسمي قعد جنبها، شفت كتاف فريدة هديت ونزلت لتحت شنطتها المدرسية البنفسجي. ساعتها بس قدرت أتنفس.
في نفس الوقت اللي بنتي كانت قاعدة فيه مع ناس غريبة، بدأت الصور تنزل على جروب العيلة من جوة كابينة رجال الأعمال.
ماما لابسة ماسك العين فوق أورتها ومسكة كاس عصير، وبنات أخويا مبتسمين قدام أطباق الحلوى. وشيرين نزلت صورة لرجلها وهي مفرودة على الكرسي الواسع وكاتبة:
«أجازة العيلة بدأت رسمياً! ✨»
سيفّت كل صورة نزللت.
وبعدها ماما كتبت:
«رشا دايماً بتلحق أي مشكلة تعملها فريدة، البنت لازم تفهم إن الخطط ساعات بتتغير.»
حجزت أول عربية سوبر جيت طلعت من الإسكندرية للقاهرة، ووقعت على إقرار رسمى بترك طفلة قبل ما أتحرك.
لما وصلت لفريدة أخيراً، كانت لابس جاكيت إضافي من بتوع أفراد أمن المطار فوق هدومها ومسكة كوباية شوكولاتة سخنة. جريت عليا بسرعة لدرجة إن شنطتي وقعت من إيدي.
حصري لصفحة روايات رولا
مدير الصالة استنى لما فريدة هديت تماماً من العياط وقال لي:
“يا مدام رشا، ده مش مجرد سوء تفاهم في الحجز.. بنتك اتسابت بشكل متعمد ومن غير ما يتقيد لها طلب طفل بدون مرافق.”
بصيت لفريدة.. لسنين طويلة كنت أنا اللي بصلح كل القرف والأخطاء اللي عيلتي بتعملها، عشان المواجهة كانت بالنسبة لي مجهدة أكتر من إن أدفع وأخلص. بس الليلة دي فهمت إن كل مرة كنت بلحقهم فيها، كنت بعلمهم الدرس الغلط. كانوا فاكرين إن هفضل ألم وراهم حتى لو الضحية هي بنتي.
مضيت على البلاغ الرسمي.
وبعدها عملت ٣ مكالمات:
الأولى: قفلت الفيزا كارت اللي مع أخويا واللي كان المفروض هيصرف منها على الرحلة.
حصري لصفحة روايات رولا
الثانية: لغيت الحجز المخصوم لشركتي في الفندق اللي كانوا نازلين فيه في شرم الشيخ.
الثالثة: كلمت المحامي اللي بيخلص إجراءات الشقة اللي بابا وماما نازلين فيها، وبلغته إني سحبت ضمانتي الشخصية للشركة العقارية ورافضة أكون الضامن للقصاد.
عيلتي نزلت في شرم الشيخ وهما فاكرين إنهم كسبوا ٥ كراسي مميزين.. ماكانوش يعرفوا إن الكراسي دي كانت أغلى كراسي هيدفعوا ثمنها في حياتهم.
:
الجزء الثاني: مصاريف الفسحة على حساب غيرهم
أول مشكلة واجهتهم كانت عند مكتب إيجار العربيات.
بابا أخد الفيزا كارت المميزة اللي كنت مدياها لفريدة عشان الطوارئ والمصاريف، واداها للموظف عشان يأجر عربية. الفيزا اترفضت مرتين. ولما كلم البنك، الموظف بلغه إن صاحب الحساب الأساسي جَمّد الحساب وبلغ عن معاملات مش مصرح بيها.
ترقية الكراسي لدرجة رجال الأعمال كانت مكلفة أكتر من ١٥٠ ألف جنيه، وبابا وماما كانوا سحبوها كلها من حسابي من غير ما يستأذنوا.
حصري لصفحة روايات رولا
الفلوس في عيلتنا كانت دايماً بتمشي بالطريقة دي: لما بابا وماما يدفعوا أي حاجة، بتتحول لـ “تضحية كبيرة” لازم نفتكرها، ولما أنا أدفع، بتبقى حق مكتسب ومورد طبيعي متاح للكل.
شيرين اضطرت تستخدم الفيزا الخاصة بيها عشان تأجر عربية كبيرة، والحد الأقصى للفيزا بتاعتها كان خلاص هيخلص.
في الفندق اللي في شرم الشيخ، مدير الاستقبال أوضح لهم إن الحجز اتلغى لأن الشغلة (شركتي) سحبت الخصم والدفع المباشر. الغرف كانت متاحة، بس سعر الغرفة العادي كان معدي الأرقام الخيالية بعد ما يتشال خصم الشركات.
بابا اتصل بيّا ١٦ مرة. ماما اتصلت ٩ مرات. وشيرين فضلت تبعت في رسائل:
”أنتِ بتبوظي أجازة الأطفال.”
”البنات مالهمش ذنب في اللي بيحصل.”
”ضغط عمك ارتفع جداً وبيطلع في الروح.”
”كلمينا قبل ما تدمري العيلة كلها.”
رديت بـ رسالة واحدة بس:
حصري لصفحة روايات رولا
”أي تواصل في المستقبل هيكون عن طريق المحامي بتاعي. فريدة معايا وفي أمان، وما حدش يحاول يتصل بيها.”
الليلة دي، أنا وفريدة باتنا في فندق قريب من المطار في القاهرة، لأن دكتور الأطفال اللي كشف عليها كتب تقرير بتعرضها لصدمة ونوبة هلع حادة، وطلب إنها ما تسافرش تاني فوراً.
فريدة أصرت إن كل أنوار الأوضة تفضل شغال طول الليل. الساعة اتنين بالليل، صحيت بتعيط من كابوس إنها شافتني بطلع الطيارة وهي بتبص عليّا من شباك الصالة. قعدت جنبها على الأرض ومسكت إيدها لحد ما الشمس طلعت.
ثاني يوم، شرطة المطار طلبت أقوال كل الأفراد البالغين.
بابا وماما وصفوا اللي حصل إنه مجرد “سوء تفاهم”. شيرين ادعت إنهم افتكروا إن موظف المطار وافق يخلي باله من فريدة. وأخويا حسام قال إنه افترض إن حد تاني خلص الأوراق المطلوبة!
كاميرات المراقبة كدبتهم كلهم.
الكاميرا جابت فريدة وهي واقفة بشنطتها الضهر جنب طابور السفر. ماما شالرت بإيدها على كراسي الانتظار، شيرين وطت كلمتها لمدة ١٧ ثانية، وبعدها كل البالغين مسحوا تذاكرهم ودخلوا الممر المؤدي للطيارة.
حسام بس اللي وقف وبص وراه.. شاف فريدة واقفة لوحدها. وبعد ٣ ثواني، دخل الطيارة وراهم عادي.
حصري لصفحة روايات رولا
موظف البوابة افتكر إن فريدة سألته هي تيتة هترجع أمتى، والسؤال ده هو اللي نبههم إن الطفلة اتسابت لوحدها، بس كانت باب الطيارة خلاص اتقفل.
المحققين كمان جابوا الشات بتاع العيلة. رسالة واحدة من شيرين كانت الكارثة:
«فيه ٥ ترقيات بس المتاحة. فريدة أسهل واحدة نسيبها ورشا ممكن تحجز لها وتيجي تاخدها.»
وبابا رد عليها:
«أنتم صح، ونعمل تصويت عشان ما حدش يشيل الذنب لوحده.»
حتى الأطفال دخلوا في التصويت ده! شيرين قالت لبنتها الكبيرة إن فريدة هتسافر بعدين مع موظف الطيران. والبنت الصغيرة ما كانتش فاهمة حاجة واختارت الاختيار اللي جدها قالها عليه بعد ما وعدها بجيلاتي إضافي.
على اليوم التالت، العيلة سابت الفندق الكبير وقعدت في لوكاندة صغيرة على قد الإيد.
على اليوم الرابع، كارت شيرين اترفض في مطعم.
على اليوم الخامس، المحامي بيبلغني إن الإجراءات الشقة اللي بابا وماما كانوا هيشتروها وقفت، لأن البنك رفض التمويل العقاري بعد ما سحبت ضمانتي، وبابا وماما كان ممكن يخسروا العربون اللي دفعوه.
ماما سابتلي رسالة صوتية بدأت بعياط وانتهت باتهامات:
”احنا ممكن نخسر شقة عمرنا بسبب انتقامك العيل ده!”
بعت الرسالة فوراً للمحامي.
على اليوم السادس، الكل رجع القاهرة، وكان فيه استدعاء رسمي مستنيهم في النيابة.
حصري لصفحة روايات رولا
وعلى اليوم السابع، الأربعة كبار جوم وقفت قدام بيتي من غير أستئذان.. كانوا لسه فاكرين إن المشكلة الأساسية هي الفلوس.
الجزء الثالث: الباب اللي كانوا فاكرين إني هفتحه
شفتهم في كاميرا الباب الخارجي وفريدة كانت فوق مع جارتنا.
بابا خبط على الباب بقوة: “رشا، افتحي الباب ده وقوليلنا هتحلي المهزلة دي إزاي!”
كلمت شرطة النجدة، وبعت رسالة واحدة على جروب العيلة:
”امشوا من قدام البيتي فوراً. الشرطة في الطريق وكل الكلام بعد كده مع المحامي.”
شيرين بصلت للكاميرا وبصوت عالي: “أنتِ بتطلبي الشرطة لعيلتك؟”
دست على زرار الإنتركم وقلت:
”أنتم سبتوا بنتي لوحدها في المطار.”
ولأول مرة، ما حدش رد.
ماما بطلت عياط، حسام بص للناحية الثانية، وبابا فضّل يزعق لحد ما عربية الشرطة دخلت الشارع. الضابط أوضح لهم إن وجودهم هنا بعد طلب صاحبة البيت للمغادرة بيعتبر تعدي وممكن يتعملهم بيه محضر.
وهو ماشي للشارع، بابا أشار على البيت وقال: “هتندمي إنك جَرَستينا بالشكل ده.”
رديت من الإنتركم: “أنتم ندمانين إن كل حاجة اتوثقت بالصوت والصورة.”
المحامي بتاعي بعت لهم عدم تعرض رسمي: ممنوع يقربوا من بيتي، أو مدرسة فريدة، أو يتصلوا بيها بأي شكل. بابا وماما ما بقاش عندهم أي حق برؤيتها، وجودهم في حياتها زمان كان بسبب ثقتي، والثقة دي خلاص انتهت.
شرحت لفريدة القرارات دي على الفطار. كانت بتلعب في الأكل وسألتني بصوت واطي:
“هو تيتة وجدو هيدخلوا السجن؟”
“غالباً لأ يا حبيبتي.”
“هما زعلانين مني؟”
“هما زعلانين لأن تصرفاتهم كان ليها عواقب.”
سكتت شوية، وبعدين سألتني السؤال اللي وجعني أكثر من كل اتهاماتهم:
“هو أنا لو كنت ترجيت تيتة إنها ما تاخدش كرسي الدرجة الأولى، كانت قعدت معايا؟”
قربت كرسي منها وقلت لها:
”أنتِ عمرك ما كنتِ مسؤولة إنك تقنعي الكبار يحموكي. كان المفروض واحد فيهم يقعد، والباقي يرفضوا يتحركوا غير وانتِ معاهم.”
“حتى خالو حسام؟”
“بالذات خالو حسام، لأنه بص ورأه وشافك واقفة لوحدك.”
فريدة هزت رأسها، بس الكلام ما كانش كافي يداوي الجرح بسرعة. للأسابيع اللي بعدها، كانت بتمشي ورايا في كل أوضة. لما أطلع أرمي الزبالة تفضل باصة من الشباك لحد ما أرجع. في المدرسة، كانت بتفضل تسأل المدرسين هي هتروح أمتى وهكون فين.
ماما بعتت بالخطأ رسالة على الجروب الكبير بتاع العيلة:
«فريدة بتهول الموضوع لأن رشا بتشجعها على الدراما دي.»
سيفّت الرسالة وخرجت من الجروب نهائياً.
التحقيقات استمرت، والنيابة راجعت الكاميرات والتذاكر. شركة الطيران أكدت إن ما فيش أي موظف اتقال له يخلي باله من فريدة.
حسام كان أول واحد ينهار ويغير كلامه. طلب يتكلم لوحده مع النيابة واعترف باللي حصل بالظبط:
شيرين هي اللي شافت الترقيات على الأبلكيشن. بابا اقتنع الأول إن حد يفضل مع فريدة، وكان فيه حل منطقي. بس ماما اعترضت وقالت إنها عمرها ما سافرت رجل أعمال وأنها استنت الفرصة دي طول عمرها ومش هترميها عشان “بنت رشا”.
شيرين اقترحت التصويت. وحسام قال إنه كان عايز فريدة تفضل، بس رسائله القديمة كدبته لما كتب: “اللي تختاروه أنا موافق عليه.”
التصويت انتهى بـ ٥ أصوات لسفر الكبار وترك فريدة في القاهرة لحين وصولي. فريدة ما كانش ليها صوت في التصويت ده.
الجزء الرابع: الأخت اللي كانت عايزة إنقاذ أخير
شيرين كلمتني من رقم غريب لما عرفت إن حسام اعترف.
رديت لأني كنت فاكرة الرقم من دكتورة فريدة.
”رشا اسمعيني قبل ما تقفلي.”
“قدامك ٣٠ ثانية.”
“حسام بيلبسني الموضوع، وبابا بيلوم ماما، وماما بتقول بابا هو اللي أصر! كل واحد بيغير كلامه!”
“قولي الكلام ده للمحامين بتوعكم.”
“احنا محتاجين نقول كلام موحد عشان نطلع منها!”
“أنا عارفة الحقيقة خلاص.”
“أنتِ ما كنتيش هناك!”
“فريدة هي اللي كانت هناك.”
شيرين اتنهدت بعصبية: “بناتي بيتعذبوا! أنا وحسام مش عارفين ندفع مصاريف المدارس لأن الرحلة خلصت على الفلوس اللي معانًا. وماما مش بتخرج من أوضتها، وصفقة الشقة ضاعت على بابا. كام عقاب يرضيكي؟”
بصيت من الشباك شفت فريدة بتزرع نعناع مع الجارة، وقلت لها:
”دي مش عقابات أنا اخترعتها. أنا بس بطلت أصرف على ناس سابوا بنتي في المطار. قض\ية النيابة مش بإيدي، ودبونكم مش شغلي أصلحها.”
“أنتِ طول عمرك بتساعدينا!”
“أنتم افتكرتم إن المساعدة دي معناها إني هقبل بأي قرف تعملوه.”
بدأت تعيط: “احنا غلطنا غلطة واحدة!”
“الغلطة هي إنك تاخدي شنطة مش بتاعتك في المطار. لكن أنتم قعدتم تناقشوا تسيبوا طفلة عندها تسع سنين، واقترحتم تصويت، وسجلتم أصواتكم، وكدبتم عليها، وطلعتوا الطيارة! أنتِ كنتِ خالتها يا شيرين.”
وقفلت السكة.
طول حياتي، دموع شيرين كانت بتسيطر على العيلة. لما تزيد مصاريفها أو تغلط، كنت أنا اللي بتدخل وأدفع وأحل. الحماية دي خليتها تفتكر إن حتى تسيب طفلة في المطار ممكن يتصلح بكلمتين ورشة فلوس.
بعد شهرين، النيابة وجهت تهم رسمية بالإهمال وتعريض طفل للخطر.
القض\ية استمرت سنة.
بابا وماما وافقوا على الصلح والتسوية مع النيابة مقابل غرامات، وخدمة مجتمعية، وتعويض مصاريف العلاج النفسي لفريدة. شيرين دخلت برنامج تأهيلي ورعاية أطفال مع غرامة.
حسام اعترافه خفف عقوبته، بس ما أنقذش جوازه. شيرين لومته إنه سلم الرسائل، وهو لومها إنها صاحبة الفكرة، واتطلقوا قبل نهاية السنة.
شركة الطيران حظرت بابا وماما وشيرين من السفر على خطوطها لمدة ١٨ شهر.
وبابا وماما اضطروا يبيعوا بيتهم الكبير وياخدوا شقة إيجار أصغر في الإسكندرية.
ماما قالت للقرايب إني “رميتهم في الشارع”.
بعت للقرايب دول أوراق البنك اللي بتثبت إن عندهم حسابات توفير كويسة جداً، وهما مش في الشارع ولا حاجة، هما بس ما بقوش قادرين يعيشوا في رفاهية على حساب صحتي وفلوسي. ولما الحقيقة ظهرت بالورق، المظلومية بتاعتهم اتكشفت قدام الكل.
الصور بتاعة كابينة رجال الأعمال كانت القاضية. ماما بلبسة ماسك العين ومسكة الكاس، وشيرين كاتبة: “أحسن أجازة عيلة.”
ما نشرتش الصور دي للعامة، بس شاركتها مع القرايب اللي كانوا بيسألوا ليه فريدة مش هتحضر أي تجمعات عائلية تاني. أنا ما دمرتش حياتهم.. أنا بس بطلت أحمي كدبهم.
الجزء الخامس: أول طيران بعد المطار
على الربيع، فريدة بقت تقدر تنام من غير نور الممر.
لسه بتخاف من المطارات، بس أخصائية العلاج عملت لها خطة أمان: معاها كارت فيه رقمي وعنواني، وإرشادات إنها تروح لأي حد بزي رسمي لو اتلخبطت.
في عيد ميلادها العاشر، سألتها لو تحب نسافر الغردقة نشوف العروض البحرية.
“أنتِ متأكدة إنك عايزة تركبي طيارة؟”
فكرت شوية وقالت: “أيوا، بس نقعد جنب بعض.”
“دايماً.”
“طب لو عرضوا عليكِ كرسي في الدرجة الأولى؟”
“هرفضه.”
“حتى لو ببلاش؟”
“بالذات لو قبوله معناه إني أسيبك.”
في مطار القاهرة، كانت ماسكة إيدي بقوة. لما بدأ نداء السفر، مسكت فيا أكتر بس ما عيطتش. دخلنا وقعدنا جنب بعض في الصف رقم ١٧.
بعد الطيران، المضيفة لاحظت فريدة وبصت لها بابتسامة: “تحبي تشوفي كابينة الطيار بعد ما ننزل؟”
فريدة بصت لي: “ماما ممكن تيجي معايا؟”
“أكيد طبعاً.”
خلال الرحلة، فريدة حطت رأسها على كتفي ونامت في أمان.
رسائل بابا وماما فضلت تيجي عن طريق المحامي.
رسالة من بابا اعترف فيها إن التصويت كان تصرف قاسي، بس طلب مني أفتكر سنوات الحب اللي قبل كده. حطيت كل الرسائل في صندوق مقفول. لما فريدة تكبر، هي اللي تقرر لو عايزة تقراهم ولا لأ. التسامح مش حقي أنا عشان أديه نيابة عنها.
بعد 18 شهر، جتي رسالة أخيرة من ماما، المرة دي ما كانش فيها أي دفاع:
«احنا اخترنا راحتنا على حساب أمان فريدة. كنا مستنيين منك تحلي المشكلة لأنك دايماً بتحلي كل حاجة. أنا خجلانة إن كرسي واسع كان أهم عندي من إني أكون جنب حفيدتي.»
قريتها مرتين وحطيتها في الصندوق.
في المساء، كنا قاعدين في البلكونة والشمس بتبدأ تغرب.
فريدة سكتت عن الكلام عن مشروع المدرسة وبصت للسما:
“هو تيتة كانت فاكرة بجد إن كابينة رجال الأعمال أحسن من إنها تفضل معايا؟”
كان ممكن أجمّل الحقيقة زي ما عيلتي كانت بتعمل دايماً.. يغيروا الكلام لحد ما الأنانية يبان شكلها “غلطة غير مقصودة”.
بس فريدة كانت تستاهل الصراحة:
”في اليوم ده، هي اختارت الكرسي.”
فريدة سكتت.. وبعدين قالت: “ده كان اختيار غبي قوي.”
”أيوا.. كان غبي جداً.”
سندت على كتفي، ورجعت تكمل كلامها عن مشروع المدرسة.
الحقيقة ما دمرتهاش.. الحقيقة إدتها أرض صلبة تقف عليها.
الجزء السادس: التاريخ اللي كشفه المطار
بابا وماما كانوا بيكرروا إن قرار واحد غلط ما يمسحش تاريخ العيلة.
يمكن عندهم حق، التاريخ ما اتمسحش، بس بقى شكله مختلف لما بطلت أشوفه بتسامح أعمى.
افتكرت كل مرة ماما صغرت فيها من مشاعر فريدة. افتكرت بابا لما كان يقول عليها “حساسة زيادة عن اللزوم” لما تزعل. وافتكرت شيرين لما كانت تطلب من فريدة تتنازل عن ألعابها واهتمام الكبار عشان خاطر بناتها يفضلوا مبسوطين.
حادثة المطار ما جتش من فراغ.. دي كانت المرة الأولى اللي الأنانية بتاعتهم بقت خطيرة بدرجة ما ينفعش تتساب.
كانوا فاكرين فريدة أسهل واحدة يتم التضحية ببراحتها، لأن رشا هي اللي هتلم وراهم.
والافتراض ده انتهى تماماً عند بوابة المطار.
فريدة كملت علاجها واستردت استقلاليتها. بطلت تمشي ورايا في كل أوضة، وبقت تروح مدرستها وهي مطمنة.
الخوف مش ضعف، الخوف كان معناه إن حد كسر الثقة، والثقة محتاجة وقت وأفعال حقيقية عشان تتبنى تاني.
بابا وماما ما بقمش مسموح لهم يبنوا الثقة دي طالما فريدة لسه طفلة. ثبت إن رغباتهم الشخصية أهم عندهم من أمانها، وأنا مش هخاطر بأمان بنتي عشان أساعدهم يحسوا بالراحة.
القرايب كانوا بيسألوا: “هتفضلي زعلانة لعمرك كله؟” ويفكروني إن بابا وماما بيكبروا في السن.
السؤال ما كانش هل هما يستاهلوا فرصة تانية..
السؤال كان: هل فريدة تستاهل تحس بالأمان؟
والإجابة كانت دايماً: أيوا، تستاهل.
الجزء السابع: العيلة اللي بطلت أصرف عليها
العواقب المادية بقت حاجة عادية مع الوقت.
بابا وماما اتعودوا على الشقة الإيجار الصغيرة. بابا بدأ يشتغل استشارات بسيطة، وماما بدأت تدير ميزانية البيت بنفسها ولأول مرة من سنين. من غير فلوسي اللي بتغطي المصاريف المفاجأة، عرفوا قد إيه طلباتهم القديمة كانت مكلفة.
شيرين نزلت شيفتات زيارة في شغلها بعد طلاقها. وبطلت تبعت رسائل ابتزاز عاطفي بعد ما المحامي حذرها إن ده بيكسر طلب عدم التعرض.
حسام بعتلي جواب اعترف فيه إن سكوته عند البوابة كان قرار هو اللي اختاره:
«أنا بصيت ورايا وشفتها واقفة لوحدها. طلعت الطيارة لأن مواجهة العيلة كانت هتبقى مش مريحة بالنسبة لي. عرفت دلوقتي إن “عدم الراحة” دي كانت أقل ثمن ممكن أدفعه، وأنا رفضت أدفعه.»
حطيت الجواب ده بعيد عن الباقين. الاعتراف بالمسؤولية ما بيديهاش حق الدخول لحياتنا تاني، بس بيستحق الاحترام لما يظهر.
رديت عليه بجملة واحدة:
”قول الحقيقة حتى لو ما حدش هيكافئك عليها.”
حياتي بقت أهدى بكتير بعد ما بطلت أكون صندوق الطوارئ ومصلحة المشاكل للعيلة.
زودت مدخرات تعليم فريدة، قللت سفري في الشغل، وبقيت آخد الويك إند من غير ما أقلق إن فيه حد عمل مصيبة مادية ومستنيني أحلها. ولأول مرة، الكرم بقى اختيار مش إجبار بالذنب.
أنا ما بقيتش قاسية.. أنا بقيت مجهزة بحدود واضحة.
بساعد لما المساعدة ما تضرش أمان فريدة أو استقراري. وبقول “لأ” من غير ما أقدم مبررات طويلة.
الناس اللي كانوا مستفيدين من غياب حدودي وصفوا التغيير ده إنه “أنانية”.
بس فريدة شافته بشكل تاني لما قالتلي في يوم:
“ماما، أنتِ بقيتي بتقولي ‘لأ’ أسرع دلوقتي.”
“ده بيايقك يا فريدة؟”
“لأ بالعكس.. ده بيخلي الأمور واضحة ومش متلخبطة.”
الأطفال بيفهموا الحدود أسرع بكثير من الكبار اللي كانوا مستفيدين من غيابها.
الجزء الثامن: القرار اللي ما احتاجش تصويت
بعد سنتين من اللي حصل في المطار، كنا راجعين أنا وفريدة من رحلة تانية من غير أي مشاكل.
عند منطقة استلام الشنط، فريدة لاحظت ولد صغير بيعيط جنب السير وموظف مطار بيتكلم في اللاسلكي.
فريدة وقفت: “هو عارف أهله فين؟”
“الموظف بيساعده أهو.”
فضلت واقفة تبص لحد ما موظفة تانية جت وقعدت على ركبتها تكلّم الولد وتهديه.
بصتلي فريدة وقالت:
”ما ينفعش حد يسيب طفل عشان طلعله كرسي أحسن.”
“أكيد.. ما ينفعش.”
أخدنا شنطنا ومشينا مع بعض للرباركينج.
عيلتي كانت فاكرة إن حياتهم اتغيرت لأني لغيت الفيزا، والحجوزات، وضمانة الشقة..
بس هما كانوا غلطانين.
حياتهم اتغيرت لأني بطلت أقف بينهم وبين عواقب قراراتهم.
لسنين طويلة، كنت بدفع الفواتير، وأصلح الأخطاء المادية، وأعدي الإهانات عشان “البيت يفضل هادي”. بابا وماما تعاملوا مع نجاحي على أنه ملكية عامة، ومع حدودي على أنها هجوم شخصي.
وصلوا لمرحلة من الثقة إني هحل كل حاجة، لدرجة إنهم افتكروا إن ينفع يسيبوا بنتي لوحدها في المطار ويكملوا أجازتهم عادي!
كانوا مستنيين إني أصل القاهرة، وأحضن فريدة، وأدفع مصاريفهم، وأحمي شقتهم، وفي الآخر أقبل مبرراتهم.
بدل ده كله.. أنا حميت بنتي.
شيلت أيديهم من حساباتي، لغيت التسهيلات اللي كانت عندي في الشغل عشانهم، ونهيت العقود المادية اللي كانت بتعرض مستقبلي للخطر عشان رفاهيتهم. والأهم من ده كله: نهيت دخولهم غير المشروط لحياة فريدة.
بابا وماما وشيرين عملوا تصويت عائلي عشان يقرروا هل تسيب طفل في المطار مقبول ولا لأ.. اتعاملوا مع أمان بنتي كأنه “رأي أغلبية”.
وأنا أخدت القرار الوحيد اللي كان لازم يتاخد:
أي شخص بالغ يحتاج يعمل “تصويت” عشان يختار يحمي طفلة.. عمره ما هيؤتمن عليها تاني.