بداية النهاية حصري لصفحة روايات رولا

روايات رولا
​بداية النهاية
​”خلاص يا ستي، طالما مش عاجبك يبقا نتطلق وش!”، قالها جوزي هشام بعصبية وهو بيتكلم بقرف. “وبطلي الموال ده بقى! أنا جايب البيانو لابن نيفين، مش لبنتنا.”
​في اللحظة دي بالذات، الحقيقة بقت واضحة وضوح الشمس وما بقاش ينفع أغمض عيني عنها..
​هو فضل ابن واحدة تانية على بنته اللي من صلبه.
​مسكت إيد بنتي ومسكت نفسي، وخرجت من باب الشقة ومن غير ما ألتفت ورايا خطوة واحدة.
​الفاتورة اللي كشفت كل حاجة
​صوت هشام كان بيرن في المطبخ الضيق بتاع شقتنا في المعادي، المكان اللي كانت ألوان ‘مريم’ ورسماتها اللي لسه مكملتش مفروشة فيه على الترابيزة.
​”كفاية دراما بقى!”، قالها ببرود يرعب. “البيانو ده لابن نيفين. عمره ما كان لمريم اصلاً.”
​لثواني معدودة، البيت كله ساكت، السكون كان قاتل.
​ما بقتش سامعة صوت التلاجة وهي شغالة، ولا صوت المطر وهو بيخبط في شباك الصالة، ولا حتى حاسة بمريم بنتنا ذات السبع سنين وهي واقفة ورايا وشنطة المدرسه بتتزحلق من على كتفها الصغير.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​عيني كانت متسمرة على فاتورة الشراء اللي ملعوبة على الرخامة.
​البيانو: بيانو كلاسيك خشب أبنوس فاخر.
التوصيل: متضمن للعنوان.
إجمالي المبلغ: 450,000 جنيه.
​من شهرين بس، مريم طلبت مني أورج صغير ورخيص من مكتبة سمير وعلي، بعد ما مدرسة الموسيقى في المدرسة قالت إن عندها أذن موسيقية عبقرية بتلقط النغمات على طول.
​هشام وقتها ضحك باستهزاء وقال: “مش هنرمي فلوسنا في الأرض على لعب عيال وهواية هتتساها الأسبوع الجاي.”
​لكن ‘يوسف’ ابن نيفين، يستاهل آلة موسيقية بنص مليون جنيه عادي جداً!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​حقيقة هشام
​نيفين دي شغال معاه في نفس الشركة في التجمع الخامس. مطلقة قريب، دايماً متألقة وشيك، صوتها واطي، وكل شوية تطلع بـ “مشكلة” وهشام طبعاً بطل الأبطال اللي بيجري يحلها.
​بصيت في وش هشام..
​فكه كان مشدود، بس مفيش نقطة ندم أو كسوف في عينيه. كان باصص لي وكأني مجرد عقبة في طريقه للعيشة اللي اختارها خلاص.
​”بنتك كانت طالبة أورج بـ 3,000 جنيه بس يا هشام..” قلتها بصوت واطي ومكسور.
​رد ببرود: “هي مش محتاجاه.”
​”ويوسف ابن نيفين هو اللي محتاج بيانو بيبي جراند؟”
​اتنهد بضيق ولَف عينيه وقالي: “يوسف بياخد الموضوع بجد وموهوب، نيفين بتعرف تربي ابنها صح مش زي ناس!”
​في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا اتكسرت وماتت خالص.
​اللحظة الحاسمة
​من ورايا، طلع صوت مريم الصغير وهي بتهمس: “ماما؟”
​هشام بص ناحيتها، وحتى لما شافها، ملامح وشه ما اتهزتش ولا حن!
​هي دي اللحظة اللي جوازنا انتهى فيها رسمياً.
​مش لما ألمح بكلمة طلاق..
ولا لما شفت الفاتورة على الرخامة..
جوازنا انتهى لما بنتنا سمعت أَبُوها بيلغي وجودها وبيقول إن ابن حد تاني أحسن منها.. ومن غير ما يحس بأي ذنب للوجع اللي غرق عينيها.
​مشيت من قدامه، فتحت دولاب الجزمة في الممر، وجبت شنطة الطوارئ اللي كنت شايلاها فوق خالص.
​هشام كشر وقال: “أنتِ بتعملي إيه؟”
​”ماشية.”
​ضحك ضحكة استهزاء مريضة: “بلاش هبل، أنتِ رايحة فين يعني؟”
​شديت جاكيت مريم من على الشماعة ولبستهولها بهدوء. إيديا كانت هادية بشكل يرعب، وكأن جزء جوايا كان بيستعد لليوم ده من زمان أوي قبل ما عقلي يستوعبه.
​هشام مشي ورانا لحد باب الشقة.
​”فاكرة إنك لما تطلعي من الباب ده هتخوفيني؟” قالها بزعيق. “أنتِ معندكيش مكان تروحيه أصلاً!”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​بصيت حواليا في الشقة اللي تعبت في تنظيفها وتفرشيها وشلت في أقساطها معاه.. الشقة اللي ياما بكيت فيها في السر، ودعيت ربنا ير Patriarchا، وحرقت دمي عشان ألم لم الشمل.
​بعدين بصيت للراجل اللي واقف قدامي.
​ما بقاش جوزي.. بقى مجرد شخص غريب، كان فاكر إني أضعف من إني أخد خطوة وأسيبه.
​”معايا بنتي.. وده كل اللي محتاجاه في الدنيا.”
​ملامحه اتغيرت فجأة.. مش زعل، لكن نرفزة.. نرفزة راجل شايف حاجة بيمتلكها بتاخد قرار من غير إذنه.
​”لو خطيتي بره الباب ده، ما تحلميش ترجعي تاني!”
​فتحت الباب وقلتله: “تمام أوي.. غير الكالون بقى.”
​خروج بلا رجعة
​مسكت مريم إيدي الصغيرة بضعف، ونزلنا على السلم في المطر والهوا الساقع.
​فضلت ساكتة لحد ما قعدتها في العربية.
وأنا بربط لها حزام الأمان، الدموع بدأت تنزل من عينيها زي المطر.
​”ماما..” قيلتها بصوت بيترعش، “هو بابا جاب البيانو ليوسف عشان يوسف شاطر وأنا وحشة؟”
​قلبي اتعصر من الوجع، ووطيت بست راسها وبست إيديها: “لا يا روح قلب ماما.. هو جابه عشان نسي إيه أهم حاجة في حياته.”
​دورِت العربية، وطلعت بيها على طريق النصر.. من غير ما أبص ورايا ولا بَصة واحدة.
​الجزء الثاني: كشف المستور
​هشام بدأ يمارس هوايته المفضلة على الفيس بوك وانستجرام، عايش دور “الأب المكسور” اللي بنته اتخطفت منه.
​ينزل صور قديمة لمريم ويكتب تحتها كلام يحزن: “وحشتيني يا أميرتي، حسبي الله ونعم الوكيل في اللي حرمنا من بعض”. طبعاً القرايب والأصحاب نازلين طبطبة وكومنتات حسبي الله ونعم الوكيل.
​أنا ما ردتش بكلمة على السوشيال ميديا.
​رديت بالأوراق والمستندات.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​جمعت كل الرسائل اللي كان بيرفض فيها يودي مريم للدكتور، أو يحضر معايا اجتماع الآباء في المدرسة، مع كشوفات الحساب اللي بتثبت إني أنا اللي بدفع مصاريف مدرسة مريم، ولبسها، وعلاجها، والتمرين بتاعها.
​وبعدها.. بدأ يطنش مواعيد الرؤية اللي المحكمة حددتها.
​أول يوم أربعاء، مريم كانت قاعدة جنب الشباك من الساعة 4 العصر لابسَة بلوفرها الأزرق المفضل ومستنياه.. وما جاش.
​بعتلي بالليل مسج:
​”جالي شغل مفاجئ، قولي لها هعوضها”.
​بالليل، مريم بصتلي بقلة حيلة وسألتني بصوت واطي: “ماما.. هو كان مع يوسف؟”
​قلتلها معرفش يا حبيبتي.. بس نيفين كانت نزلت “ستوري” على انستجرام من حفلة موسيقى ليوسف، وهشام كان واقف ورا بيسقف بحرارة جنب مدرسة الموسيقى! طبعاً أخدت “سكرين شوت” وسيفت الفيديو.
​المعاملة دي اتكررت، وبحلول المرة التالتة، مريم ما بقتش تقعد جنب الشباك.. ولما جه الميعاد اللي بعده، ما رضيتش حتى تحضر شنطتها.
​جلسة التسوية
​في جلسة التسوية في محكمة الأسرة بـ التجمع، هشام جه متألق في بدلة رمادي وشيك، ونيفين كانت قاعدة مستنياه بره في الكافيه.
​محاميه بدأ يتكلم بلهجة هجومية: “الموكلة حرمت الأب من بنته وبتمارس ضدها شحن معنوي!”
​المحامية بتاعتي سحبت ملف هادي وحطته على الترابيزة:
​”من أصل 10 مواعيد رؤية رسمية، الأستاذ هشام حضر مرتين بس، جه متأخر مرة، ألغى 5 مرات، وما جاش خالص مرتين من غير اعتذار.”
​وقرت مسج من مسجاته بصوت عالي قدام القاضي:
​”مش هعرف أجي الأربعاء، يوسف عنده بروفة بيانو مهمة.”
​القاعة كلها سكتت. هشام وشه جاب ألوان، وحاول يقول الكلام متاخد من سياقه، بس حتى محاميه بص للأرض ومردش.
​مفاجأة نيفين والفاتورة
​بعدها بأسبوعين، جالي اتصال من رقم غريب.. طلعت نيفين!
​صوتها كان متوتر وبيترعش: “هو هشام قالك إنه اشترى البيانو قسط مش كاش؟”
​قلتلها لا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قالتلي: “محل الموسيقى كلموني اليومين دول، اتاري هشام حاطط بياناتي في أوراق التقسيط وكاتب إني شريكته الضامنة من غير ما أعرف ولا أوقع على حاجة! والشركة طالبة القسط مني أنا دلوقتي!”
​اتضاح إن الأستاذ ما دفعش 450 ألف جنيه كاش زي ما ادعى، ده قسط البيانو ودبس نيفين معاه!
​طلبنا كشف حساب مالي كامل عن طريق المحكمة، وهناك كانت الصدمة الكبيرة..
​هشام اللي كان بيدعي التعثر المالي ورافض يدفع 3,000 جنيه لأورج بنته، كان يصرف أرقام مهولة على مطاعم وفنادق ورحلات في الجونة ودهب مع نيفين، وبيغطي مصاريف دروس يوسف.
​مش بس كده.. ده سحب 150,000 جنيه من حساب التوفير المشترك بتاعنا قبل ما يطلب الطلاق بـ 3 أيام! الفلوس دي اللي كنا شايلينها لطوارئ مريم ومصاريف سنانها.
​في الجلسة، القاضي بص لهشام بصرامة وقاله: “إيه اللي منعك تلتزم بمواعيد رؤية بنتك؟”
​هشام ارتبك: “كنت بحاول أظبط ظروفي وحياتي يا فندم..”
​رد القاضي بنبرة حادة: “بتمارين وبروفات ابن زميلتك؟”
​هشام مالقاش كلمة يرد بيها.
​القاضي حكم برفض طلبه للحضانة، مريم تفضل معايا، وفرض عليه نفقة محترمة، وإلزامه برد الفلوس اللي سحبها من الحساب المشترك.
​لما هشام اتأفأف وقال إن المبلغ كبير، القاضي قاله ببساطة: “الولاد مصاريفهم كبيرة يا أستاذ هشام.”
​في نفس اليوم بالليل، مريم كانت بتعزف في الحفلة المدرسية على كيبورد قديم.. الكرسي اللي جنبي كان فاضي.
​عزفت لمدة دقيقتين، وغلطت في النغمات في النص، بس ما وقفتش.. كملت لحد الآخر.
​لما خلصت وجريت على حضني وقالتلي: “ماما أنا تلخبطت في النص!”
​حضنتها وقلتلها: “بس كملتي وما استسلمتيش.. وده أهم بكتير.”
​مدرسة الموسيقى جت وقالتلي إن مريم عندها موهبة حقيقية، وتنصحني أقدم لها على اختبار منحة في قصر الثقافة. مريم بصتلي بأمل.. والمرة دي ما كانتش خايفة تتمنى.
​الجزء الثالث: النغمة الأخيرة
​على شهر سبتمبر، الطلاق اتوثق رسمياً.
​أخدت الحضانة، والشقة اللي في المعادي هتروح للبيع ونتقاسم صافي الثمن بعد سداد الديون.
​قدام الأسانسير في المحكمة، هشام وقفتي وقال بمرارة: “يعني هدمتي بيتنا وجوازنا عشان حتة بيانو؟”
​رديت عليه بثبات: “أنا مَهدَمْتِش البيوت.. أنا مشيت لما خليت بنتك تحس إنها مالهاش قيمة عندك وإن أي حد ممكن يحل محلها.”
​حاول يرمي التهمة عليا: “أنتِ اللي كرهتيها فيا وقسيتي قلبها.”
​هزيت رأسي قلتله: “لا يا هشام.. الكراسي الفاضية في مواعيدك هي اللي علمتها.”
​الحفلة الكبرى
​في ديسمبر، مريم كسبت المنحة الجزئية في قصر الثقافة.
​ليلة الحفلة، كانت لابسَة فستان كحلي وطوق ورد فضي في شعرها.
​كواليس المسرح كانت متوترة، وقالتلي وهي خايفة: “ماما، افرضي نسيت النوتة؟”
​قلتلها: “خدي نفس عميق وكملي.. زي المرة اللي فاتت.”
​قعدت في الصف الأول، والمفاجأة إن هشام جه قبل ما الحفلة تبدأ بدقايق وقعد في أخر القاعة ورا. مريم شافته، بس ما جرتش عليه.. بصت للبيانو اللي على المسرح بثقة.
​لما أعلنوا اسمها، طلعت بثبات.
​البيانو الأسود الكبير اللي تحت الإضاءة ما كانش ملك ليوسف ولا لهشام ولا لأي حد.. في الدقايق دي، البيانو كان للموسيقى وبس، ومريم كانت ملك لنفسها.
​عزفت بمشاعر دافية وجميلة.. إيديها اترعشت في الأول، بس تداركت نفسها ونهت المقطوعة بثقة وثبات جبار.
​القاعة كلها وقفت تسقف.. أنا قمت وقفّت الأول، وهشام وقف ورايا ببطء.
​بعد الحفلة، قرب منا وهو ماسك بوكيه ورد بلدي من السوبرماركت وقيلها: “كنتي مجننة يا أميرتي!”
​ردت عليه بهدوء وذوق: “شكراً يا بابا.”
​كان باين عليه إنه اتوجع من هدوئها وجفافها معاه، بس الأطفال ما بيدوش قرب وحنية للناس اللي علمودهم البُعد والقسوة.
​قالها محاولاً يصلح: “إيه رأيك الأسبوع الجاي ننزل شارع عبد العزيز ونشتري كيبورد أنظف وأكبر تحطيه عندي في الشقة؟”
​مريم بصتلي، فسبتها تجاوب بنفسها.
​قالتله ببرود: “أنا عندي واحد عند ماما.”
​قالها: “بس نجيب واحد أكبر وأحدث!”
​مسكت الورد بيديها وقالت جملة كانت أقوى من كل الأحكام اللي صدرت في المحكمة:
​”أنا مش محتاجة بيانو أكبر يا بابا.. أنا كنت محتاجة تيجي لما تقول إني جاي.”
​هشام اتلجم وما عرفش يرد، وقال بصوت واطي: “هحاول..”
​مريم هزت رأسها بالرفض وقالت: “أنت دايماً بتقول هحاول.”
​ومسكت إيدي، وخرجنا مع بعض في المطر والهوا الساقع.
​لما رجعنا البيت، مريم حطت الورد في كوباية مية عشان لسه ما اشتريناش فازة، وقعدت على الأورج المستعمل بتاعها، وعزفت المقطوعة تاني بهدوء ولنفسها.
​أنا كنت واقفة عند الباب وبص الابتسامة على وشها..
​لسنين طويلة، كنت فاكرة إن حماية البيت معناها إني أستحمل الإهانة والتقليل. كنت فاهمة الصمت صبر، والبقاء جدعنة.
​بس البيت مش بمساحته ولا بعفشه الغالي ولا بالاسم اللي مكتوب على اليافطة.
​البيت الحقيقي هو المكان اللي الطفل يقدر يحلم فيه من غير ما يحس بالذنب أو بالدونية.
​هشام اشترى بيانو بنصف مليون جنيه لابن واحدة تانية، وخسر بنته اللي كانت كل أمنيتها إنه يسمعها بس.
​ومع كل نغمة بتعزفها مريم، اتعلمت إن تجاهل شخص واحد ليها ما يقللش من قيمتها.. هو بس كان باصص في الاتجاه الغلط!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *