القواعد
«مامي.. هو احنا كسرنا القاعدة؟»
بنتي الصغيرة همستلي بالكلمة دي بعد ما وحدة غريبة قررت إن شكلنا مش «مقام» القاعة. كنت عايزة أقولها إن في ناس بتقيم البنآدمين بهدومهم وشكلهم، بس بعد 24 ساعة بس، التفتيش كشف إن نفس الناس دي بتقيم الضمير والأخلاق بنفس الطريقة السطحية.
أول إهانة جتلي تحت نجف الكريستال، بس اللي علم في قلبي وما فارقنيش هو طريقة بنتي صاحبة الـ5 سنين لما سألتني بطفولة إذا كنا عملنا حاجة غلط.
«لو سمحتي.. أنتِ من أطقم خدمة البوفيه؟»
السؤال جه من نيفين الهواري، مرام المدير التنفيذي.. ابتسامتها المظبوطة بالمسطرة كان فيها كمية تعالٍ ونظرة دونية كفيلة تخلي كل الكلام والضحك اللي حوالينا يهدا ويقف.
كنا واقفين جوه القاعة الرئيسية في فندق الفيرمونت على النيل في القاهرة، في الحفل السنوي لشركة «السويفي للنظم والحلول الطبية». مئات من المديرين، المستثمرين، رؤساء المستشفيات، والشخصيات المهمة ماشيين تحت الأنوار الذهبية على صوت عزف الكمانجة القريب من المسرح.
نيفين بصلت لفستاني الكحلي البسيط، وجزمتي الواطية، وشعري الملموم بهدوء، ومن غير أي مجوهرات ملفتة.. وفي ثواني، قررت إن مكاني ورا الممر بشيل الصواني مش تحت النجف والكريستال.
كملت كلامها ببرود: «الموظفين والعمال المفروض يدخلوا من باب الخدمة الخلفي.. عشان ميعملوش دركبة أو لغبطة في حفلات القيادات والمديرين.»
كام مدير من الكبار ابتسموا بسخرية وهم بيشربوا العصير في كاساتهم.
بنتي «حبيبة» مسكت في إيدي وجمدت صوابعها. كانت طول اليوم بتتكلم عن القاعة وكأنها رايحة قصر من قصور الأميرات، وكانت لابسة فستان بينك مليان نجوم صغيرة هي اللي اختارته بنفسها.
دلوقتي أهي لزقت في رجلي وبصتلي بخوف:
«مامي.. هو احنا كسرنا القاعدة؟»
السؤال ده وجعني أكتر مليون مرة من تكبر وقرف نيفين.
وطيت شوية عشان عيني تبقى في عين حبيبة وقلتلها:
«لا يا حبيبتي.. احنا ماشيين على القانون والحساب بالظبط.»
وبعدين وقفت وبصيت لنيفين في عينها:
«أنا مش شغالة في الفندق.»
حواجبها اترفعوا باستغراب:
«يبقى أكيد دخلتي الحفلة الغلط! الاستقبال ده مخصص لأعضاء مجلس الإدارة، الإدارة التنفيذية، والعائلات المعزومة بس.»
«عارفة.. ما أنا اللي وافقت على قائمة المعازيم.»
قبل ما تلحق ترد، صوت متعودة عليه جه من وراها:
«نيفين.. يا حبيبتي، شايفك اتعرفتِ على—»
ماجد الهواري اتخشب في مكانه والكلام وقف في زوره.
الدم هرب من وشه ولونه اتخطف.
ماجد شغال مدير تنفيذي لشركة السويفي بقاله تسع سنين. راجل ذكي، مظهره شيك، معارفه كتير، وشاطر جداً إنه يخلي أكتر القرارات المكلفة يبان كأنها ملهاش بديل وضرورية.
بس في اللحظة دي.. كان شبه واحد اكتشف فجأة إن الأرض بتهبط بيه وإن المبنى كله بيقع تحت رجليه.
قال بصوت متلخبط ومحسوب جداً: «أستاذة فريدة.. أهلاً بيكي. مكنتش أعرف إنك ناوية تحضري السنة دي.»
نيفين لفتله باستغراب:
«انت تعرفها؟»
«أيوه..»
صوته كان واطي بشكل يخوف.
شلت حبيبة بين إيديا.
«كنت خلاص هقعد في البيت، بس حبيت أوري بنتي الاحتفال السنوي للشركة.»
نيفين بصلت لماجد وبعدين بصتلي:
«هي مين دي بالظبط؟»
ماجد رد بسرعة قبل ما أنا أنطق: «دي الأستاذة فريدة السويفي.. صاحب الحصة الحاكمة والمالك الأكبر للشركة.»
المديرين اللي كانوا بيضحكوا من شوية ومبسوطين، بقوا فجأة مركزين بقمة الاهتمام في الكاسات اللي في إيديهم وكأنهم بيقروا البخت فيها.
أبويا الله يرحمه هو اللي أسس شركة السويفي، وابتكر برامج وإدارات اللوجستيات للمستشفيات، وشبكات الطوارئ، وسلاسل الإمداد الطبي. وبعد وفاته، ورثت منه 64% من أسهم التصويت عن طريق صندوق العيلة.
ما كنتش بمسك منصب المدير التنفيذي..
وما كنتش بظهر كتير في الإعلام ولا البرامج..
كنت بفضل أتابع كل حاجة من بعيد في الهدوء، لأن الناس بتكشف عن معدنها وحقيقتها بمنتهى الصراحة لما بيحسوا إن النفوذ والسلطة مش موجودين.
نيفين كشفتلي هي مين وعلى حقيقتها..
بس رد فعل ماجد كشفلي حاجة أخطر بكتير وتخوف.
هو مكنش خجلان أو مكسوف إن مراته هانت طفلة صغيرة.. أول إحساس ظهر عليه كان الخوف المرعوب.
قلت بهدوء: «حبيبة تعبت.. واحنا شفنا اللي يكفينا للنهاردة.»
مشيت وأنا شايلة بنتي ناحية الباب، والهمس والوشوشة ماشيين ورايا في كل خطوة جوه القاعة.
ومن ورايا، صوت ماجد الحاد شق صوت الموسيقى:
«انتِ فاهمة انتِ كنتِ بتتكلمي مع مين؟!»
قبل ما الشمس تطلع تاني يوم، كنت دعيت لاجتماع طارئ لمجلس الإدارة.
مش عشان نيفين افتكرتني من العمال..
لا، عشان ماجد كان مرعوب ومذعور قبل حتى ما حد يجيب سيرة أسهامي وحصتي في الشركة.
## الجزء الثاني: الفرج بعد الضيقة
الجرس رن تاني، وأشد المرة دي. **أحمد** اتجمد في مكانه والحزام في إيده. **شيماء** عينيها وسعت بقلق، و**الحاجة فاطمة** حسيت كأن النفس رجع لصدرها بالعافية. محدش يتحرك من مكانه.
— **ما تفتحيش!** —أحمد همس برعب.
بس باب الشقة كان بيتفتح خلاص! دخل الأول **الظابط رامي** ببدلته الميرية ونظراته الجادة، ووراه دخل **الأستاذ محسن** المحامي وهو شايل شنطة جلده.
فاطمة ملقيتش غير إنها تعيط من الارتياح. الموضوع مكنش صدفة.. فاطمة كانت حاسة إن فيه حاجة هتحصل النهارده لأن أحمد بعتلها رسائل طول الأسبوع بيقفل فيها كل أبواب الصلح وبيقولها: *”أنا جاي أخلص الموضوع بالعافية”*. والمحامي كان أقنعها من يومين إنها تعمل بلاغ وتخلي الشرطة متابعة قريبة من البيت.
— **نزل الحزام ده فوراً من إيدك!** —الظابط زعق بصوت يهز المكان.
أحمد رمى الحزام على الأرض بذهول:
— **يا باشا افهم صح.. دي مشكلة عائلية عادي، أمي بس بتهول الموضوع!**
الأستاذ محسن مسك الورق اللي على الترابيزة وبص فيه بهدوء:
— **مشكلة عائلية؟! وتوكيل عام بتنازل عن شقة ست كبار في السن؟!**
شيماء وشها اصفر وزي اللي اتمسكت بتلبس:
— **الورق ده ملوش قيمة! هي كانت هتمضي بكامل إرادتها عشان تساعدنا!**
فاطمة مسحت دموعها بكم جلابيتها:
— **أنا مكنتش همضي.. كانوا بيهددوني ويذلوني بفريدة!**
الظابط صور الحزام، والورق، وكالون الباب اللي أحمد كان كاسره عشان مفتاحه القديم مبيفتحش. وطلب يراجع رسائل الواتساب على تليفون فاطمة. والرسائل كانت واضحة زي الشمس: *”هتمضي غصب عنك”*، *”لو رخمتي انسي إن ليكي حفيدة”*، *”بلاش تعملي فيها الشريفة يا أنانية”*.
أحمد نزل رأسه في الأرض من الخزي، أما شيماء فضمت البنت ليها بقسوة وقالت:
— **يلا يا أحمد.. أمك جابت لنا الشرطة وفضلت الغرباء على عيلتها!**
فاطمة حست بنغزة في قلبها.. الكلمة دي زمان كانت بتهدها: *”العيلة أولاً”*. الكلمة دي هي اللي أخدوا بيها فلوسها وشقاها وسكوتها سنين. بس النهاردة فهمت إن العيلة مش معناها الاستغلال والمهانة!
الظابط أخد أحمد وشيماء على القسم، وقبل ما يخرج، أحمد بص لأمه بغل:
— **هتندمي يا أمي!**
الظابط رامي رد عليه بحسم:
— **وده تهديد رسمي تاني قدامي.. أنصحك تفكر كويس في كل خطوة جاية لأن الموضوع بقى قض..ية.**
## الجزء الثالث: النوايا الخبيثة تظهر
الليل عدى، و**الحاجة أمل** جارتها وصاحبة عمرها جت باتت معاها. تاني يوم على طول، غيروا كل كوالين البيت، والأستاذ محسن قدم على طلب بعدم التعرض. فاطمة افتكرت إن الكابوس خلص، بس الحقيقة إن المستخبي كان أعظم!
بعد أسبوعين، أحمد اتصل بأمه. صوته مكنش غضبان.. صوته كان مكسور ومصدوم:
— **أمي.. شيماء سابتني ومشت.**
فاطمة ماردتش، سكتت تماماً.
— **أخدت بقية الفلوس اللي في الحساب، وسبتني غرقان في الديون.. ومتهيألي عايزة تهرب بفريدة برة مصر!**
فاطمة ركبها خبطت في بعضها:
— **إنت بتقول إيه يا بني؟!**
أحمد قعد يعيط زي الأطفال:
— **لقيت إيميلاتها يا أمي.. حابزة تذاكر للشيخ زايد وبعدها هتدخل الإمارات مع أختها، ولقيت رسائل بينها وبين واحد تاني.. هي مكنتش عايزاني أصلاً، هي كانت طمعانة في الشقة!**
فاطمة مكنتش عارفة تصدقه ولا لأ.. ده نفس الراجل اللي رفع عليها الحزام من كام يوم! بس فريدة.. البنت المظلومة مكنش ليها ذنب.
الأستاذ محسن اتحرك بسرعة البرق. راجع الرسائل والإيميلات اللي أحمد جابها، واكتشف الكارثة: شيماء كانت متفقة مع سمسار عقارات تبيع الشقة بتوكيل قديم مزور قبل ما التلغية تظهر في السيستم! ولقوا رسالة منها للراجل التاني بتقول فيها: *”العجوزة خلاص على وشك تمضي، أول ما تمضي هبيع فوراً وأخلع بالبنت”*.
فاطمة حطت إيدها على بقها عشان متصرخش:
— **يا أستاذ محسن.. أنقذ حفيدتي!**
المحامي قدم طلب مستعجل للمحكمة ولمحكمة الأسرة بمنع الصغير من السفر، وأبلغ النيابة وخط نجدة الطفل. شيماء اتظبطت في مطار القاهرة وهي رايحة تسافر بالبنت، والشرطة التقطتها قبل ما تركب الطيارة! البنت اتحطت في دار رعاية مؤقتة لحين الفصل في القض..ية.
## الحقيقة في المحكمة
بعد 3 شهور، الكل كان واقف قدام القاضي. شيماء داخلة لابسة أبيض وعاملة فيها الضحية، وأحمد داخل خاسس ودقنه طويلة وعينيه مليانة ذنب، وفاطمة داخلة مسنودة على إيد صاحبتها الحاجة أمل.
محامية شيماء بدأت الكلام:
— **سيادة القاضي، موكلتي كانت بتبني مستقبل بنتها، والحاجة فاطمة هي اللي ست مفترية وبتحب المشاكل.**
الأستاذ محسن وقف بهدوء وقدم المستندات:
— **بإذنك يا سيادة القاضي.. يبقى نفهم إزاي موكلتها ماضية عقد بيع ابتدائي لشقة مش ملكها، وأخدت عربون، وكانت مجهزة سفرها مع شخص تاني اسمه مصطفى؟**
أحمد رفع رأسه بصدمة:
— **شخص تاني؟! مصطفى مين؟!**
المحامي عرض التسجيلات والتحويلات.. وصوت شيماء كان واضح في التسجيل وهي بتقول: *”أحمد ده عببيط وبحركه بصابعي، وأمه بكلمتين وعن طريق البنت هتمضي ورجليها فوق رقبتها!”*.
شيماء اتجننت وزعقت في القاعة:
— **عشان كلكم فاشلين! والشقة دي كانت ضايعة مع عجوزة مكركبة ملهاش لازمة!**
القاضي ضرب بالمطرقة وسكت الجميع، وبعدين بص للحاجة فاطمة وقال:
— **اسمع منك يا حاجة فاطمة.. عايزة تقولي إيه؟**
وقفت فاطمة، وصوتها كان فيه وجع وسعادة في نفس الوقت:
— **يا سيادة القاضي.. أنا ست مش متعلمة، تعلمت الحساب من سوق الخضار، بس بعرف أفرق كويس بين الحب والاستغلال. أنا ابني بعت دمي عشان مراته، ورفع عليا الحزام.. أنا أسامح في حقي، بس مش هسمح حد يكسرني ولا ياخد شقايا. والبيت ده أمانة حفيدة لازم تتربى فيه بعزة نفس.**
## حكم العدالة والبداية الجديدة
القاضي أصدر أحكامه الحاسمة:
1. **إلغاء التوكيل نهائياً** وبطلان أي بيع أو رهن على الشقة، وإلزام أحمد بدفع القرض للبنك من مرتبه.
2. **حبس شيماء** بتهمة الشروع في التزوير والنصب ومحاولة تهريب طفل.
3. **تسليم الطفلة فريدة لجدتها الحاجة فاطمة** كعائل مؤقت لحين صلاحية الأب، مع فرض علاج نفسي ودورة تأهيل لأحمد.
بعد 8 شهور..
الشقة رجعت دافية تاني. فريدة كبرت وبقت تتنطط في المطبخ وبتنادي *”تيتا”*. أحمد بقى بييجي كل جمعة، بيقف عند الباب مؤدب، يسلم على أمه ويدخل مصروف البنت، وبيحاول يثبت إنه اتغير فعلاً وبيتعالج.
وفاطمة؟ فاطمة خصصت الأوضة اللي برة في البيت، وبقت تجمع فيها ستات المنطقة كل أسبوع مع الأستاذ محسن، يشربوا شاي ويفهمهم يعني إيه “توكيل”، إزاي يحموا بيوتهم، وما يفرطوش في شقاهم تحت مسمى “علشان ولادي”.
قعدت فاطمة في بلكونتها، بصت لفريدة وهي بتلعب، وابتسمت بتنهيدة مرتاحة.. لأنها عرفت إن **الأمومة حب.. بس الحب من غير حدود بيتحول لكسرة نفس.**