القاعة

​القاعة كلها سكتت فجأة أول ما مي، أخت طارق، سحبت المايك. بصتلي بابتسامة صفراء كأني شغالة عندهم في البيت ونسيت ألبس اليونيفورم!
​”قبل ما نكمل ونكتب الكتاب،” مي قالتها وأسورة الألماس بتلمع في إيدها تحت أضواء نجف القاعة الفخمة اللي في التجمع، “في أصول وقواعد للبيت لازم إنجي تفهمها كويس.”
​طرحة الفستان حسيتها تقلت على دماغي فجأة.
​المعازيم بدأوا يتهامسوا في الصالة، وش أمي اتخطف ولونها اتغير، أما عريس المحترم، طارق، فكان واقف جمبي بالبدلة التوكسيدو وباصص في الأرض.. مش مصدوم، ولا متفاجئ.. كان مستني!
​مي طلعت ورقة مطوية وقرأت بصوت عالي:
​”أولاً: عزومة يوم الجمعة في بيت الحبايب إلزامية، وإنجي هي اللي تتكفل بالطبيخ والمطبخ.”
​”ثانياً: الأعياد والمناسبات ملك لعيلتنا إحنا بس، أهلها بقى يزوروا في أي يوم تاني فاضي.”

الجزء الثاني: الرد الصاعق
​شلت طرحة الفستان ببراعة من على دماغي ورميتها على الكرسي اللي جمبي. الهدوء اللي نزل عليا كان يخوف، هدوء المحامي اللي ماسك متهم متلبس وبيمسح بيه البلاط في قاعة المحكمة.
​مسكت المايك من إيد مي بجمود، وهي عينيها اتوسعت بزهول لما شافت نظرتي اللي اتغيرت 180 درجة.
​”أولاً..” صوتي طلع في سماعات القاعة الفخمة يرن بوضوح وثقة مفيهاش ذرة تردد، الكل سكت وتمسمر في مكانه.
​”بما إن مي بتحب القواعد والأصول، ففي قواعد قانونية لازم الكل يفهمها كويس.. خصوصاً سي السيد اللي واقف جمبي.”
​بصيت لطارق اللي وشه بدأ يقلب ألوان:
“الشقة اللي في الشيخ زايد، مسجلة باسمي أنا لوحدي، ومندفع فيها كل قرش من حسابي الشخصي. وبما إننا لسه مانكتبش الكتاب، فمفيش أي صفة قانونية تجمعني بيك يا طارق، ولا ليك حبة تراب فيها.”
​صوت شهقة طلع من المعازيم، وبدأت الكاميرات والموبايلات تترفع وتصور.
​”ثانياً..” بصيت لأمه وأبوه: “الفرح ده، والقاعة الفخمة دي، والكوشة اللي قاعدين عليها، مدفوع تمنها بالكامل من الشيك ده..” طلعت من شنطتي الصغيرة وصلات الأمانة والشيكات اللي طارق ماضيهالي لما استلف مني مصاريف الفرح، ورفعتها في الهواء قدام الكل.
​”طارق مضالي على شيكات ومؤخر تسديد لمصاريف الفرح على إنه ديون شخصية عليه، لأن مشاريعه مش بس ‘واقفة’ زي ما بيقولكم.. طارق عليه أحكام قضائية في قضايا نصب أنا بنفسي كنت بدرسها الأسبوع اللي فات، وكنت بغطي عليه وبحاول أساعده!”
​القاعة اتكهربت! أبوه قام وقف ومي بقى وشها زي الطماطم من الصدمة، وطارق إيده بدأت تترعش وهو بيحاول ياخد مني المايك: “إنجي انتي أجننتي؟! هاتي المايك ده!”
​زقيت إيده بقوة وبصيتله باحتقار:
“ثالثاً وأخيراً.. أنا محامية أموال عامة، شغلي إني أحمي الناس من النصابين والناس اللي بتعمل نفسها من ‘أولاد الذوات’ وهما عايشين على قفا غيرهم. وحسن حظي إن ربنا كشفكم قدام الناس دي كلها قبل ما خطوة واحدة تجمعني بيك.”
​رميت المايك على الأرض فعمل صوت صفير حاد هز القاعة، وبصيت لأمي اللي ابتسامة الفخر بدأت تترسم على وشها، ومسكت إيدها.
​قربت من طارق وهمست في ودنه بحيث الكل يسمع:
“الشيكات دي هتوصل النيابة بكره الصبح يا عريس.. والفستان اللي عليا ده، أحسن بكتير من اليونيفورم اللي كنتوا عايزين تلبسوهولي.”
​لفيت ضهري، ومشيت بثبات وسط ذهول القاعة وصدمة عيلته اللي ماعرفوش يردوا بكلمة واحدة، وسيبت طارق واقف ببدلته التوكسيدو.. عريان قدام الحقيقة قدام كل الناس.
الجزء الثالث: بداية الانتقام
​خرجت من القاعة وأنا ماسكة إيد أمي، صوت دوشة المعازيم وصرخات مي وراءنا كانت زي الموسيقى في ودني. ركبت عربيتي وخلعت هيلز الفرح، ولأول مرة من سنة ونص تنفست براحتي.
​تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كنت قاعدة في مكتبي بالبدلة الرسمية، وفي إيدي فنجان القهوة وشاشة اللاب توب مفتوحة على ملفات القضايا.
​تليفوني مابطلش رن.
​طارق: 47 مكالمة لم يُرد عليها.
​والدته: 12 رسالة صوتية بتتحول تدريجياً من الشتائم والتهديد للرجاء والترجي.
​مي: بعتت رسالة بتقول فيها: “يا إنجي استهدي بالله الموضوع كبر زيادة عن اللزوم، والشيكات دي لو راحت النيابة طارق حبهيتقفل عليه!”
​رديت عليها بركود تام: “ده المطلوب إثباته.”
​فتحت البلاغ المقدم للنيابة العامة ضد طارق وشركته “الوهمية” للاستشارات المالية. الكارت اللي كان بيلعب بيه إنه ابن ناس ومستثمر طلع مجرد فلاشة فاضية، والشركة تسجيلها منتهي من سنتين، وعليها قضايا شيكات بدون رصيد ونصب على أكثر من 5 رجال أعمال.
​الساعة 12 الظهر، الباب خبط ودخل سكرتير المكتب:
“ست المستشارة، في واحد بره اسمه طارق، ومعه والده ومي أخته، حافيين عشان يدخلولك ومعاهم محامي.”
​ابتسمت ابتسامة خفيفة، وعدلت لياقة الجاكيت:
“دخلهم.. بس المحامي يدخل لوحده الأول، الباقي يستنى بره زي أي متهمين.”
​دخل المحامي وهو بيعرّق ومتردد، حط شنطته على الترابيزة وقال بصوت متوتر:
“يا أستاذة إنجي، إحنا جايين نصلح القعدة.. طارق مستعد يكتب الشقة باسمك ويقدم اعتذار رسمي قدام العيلة كلها، وبلاش ندخل النيابة العامة في الموضوع.. أنتِ عارفة سمعة العيلة!”
​سندت ظهري على الكرسي وبصيتله بثقة:
“سمعة العيلة دي تهمكم أنتوا.. أما أنا، فاللي يهمني هو القانون. الشيكات اللي معايا مش بس شيكات بمصاريف الفرح، دي إثبات لعملية تحايل ونصب مكتملة الأركان. والورقة اللي مي قرأتها في المايك؟ دي كانت أكبر دليل على إنكم كنتم مبيتة النية للاستيلاء على أموالي.”
​فتحت الدراج وسحبت منه إذن النيابة بالقبض على طارق في ق\ضية النصب القديمة اللي كنت شغال عليها بالصدفة، ووريتها للمحامي.
​وش المحامي اتخطف، والورق وقع من إيده:
“انتِ… انتِ اللي حركتي القض\ية القديمة؟!”
​”أنا محامية أموال عامة يا أستاذ.. مابرحمش اللي يفتكرني صيد سهل.”
​في لحظتها، صوت حركة وجري بره المكتب ظهر، وباب المكتب اتفتح ودخلوا رجال الشرطة لتنفيذ أمر الضبط والإحضار.. خرج طارق من الكورييدور وهو بكلبشات في إيده قدام موظفي الشركة وعيلته اللي كانت بتعيط، وبصلي بصدمة.
​عديت من جنبه وهما واخدينه، وهمستله:
“القواعد والأصول الجديدة بتقول: اللي يلعب مع محامية.. يستحمل القانون.”
​ضحكة متوترة لفت القاعة كلها.
​بصيت لطارق.. ما رضيش يحط عينه في عيني.
​مي كملت بصوت أعلى وهي مستمتعة باللقطة:
​”ثالثاً: بما إن طارق هو سي السيد وراجل البيت، إنجي هتكتب الشقة اللي في الشيخ زايد باسمهم هما الاتنين بعد الجواز.”
​”رابعاً: مرتبها ينزل في حساب مشترك طارق هو اللي يديره، عشان الستات عاطفيين ومابيفهموش في القرش.”
​إيدي اتعصرت على بوكيه الورد لحد ما فرع منه اتكسر في إيدي.
​أمه كانت بتمسح دموعها بطرف منديل كأنها بتسمع خطبة عصماء، وأبوه بيهز رأسه بفقاعة وفخر.
​قربت مي من المايك أكتر وقالت: “وأخيراً، إنجي تفهم إنها داخلة علينا مش إحنا اللي داخلين عليها.. هي جاية تخدم العيلة دي.”
​الكلام نزل عليا زي المية الساقعة.
​تخدم؟
​أنا بقالي سنة ونص فاكرة إن الناس دي بتحبني وبايعة الدنيا عشاني. أنا اللي دفعت مصاريف الفرح والقاعة لما طارق قال إن “مشاريعه واقفة والدنيا مريحة معاه”.. أنا اللي اشتريت الشقة بفلوسي وشقايا من الألف للياء.. كنت بتغاضى عن تلميحات أمه وتريقتها على “شغلانتي”، مع إني محامية شاطرة متخصصة في قضايا النصب والأموال العامة ووقعت حيتان ورجال أعمال أكبر منهم بكتير.
​نزلت بوكيه الورد من إيدي.
​”طارق..” قلتها بصوت واطي وهادي.
​رفع رأسه ببطء.
​”انت كنت عارف بالمهزلة دي؟”
​بؤه اتفتح واتقفل، وبعدين ابتسم ابتسامته الصايعة المعتادة: “يا بنتي ما تكبريش الموضوع وتعملي دراما قدام الناس، دي مجرد أصول وعادات!”
​تمام.. السؤال الأول إجابته وصلت.
​لفت لمي.. “ومين بقى اللي كتب القواعد دي؟”
​ضحكت بصوت عالٍ: “إحنا كلنا قعدنا واتفقنا عليها، وطارق كان موافق على كل كلمة.”
​تمام.. السؤال الثاني إجابته وصلت.
​الصورة كملت قدامي فجأة.. الفلاشات، الهمسات، الوشوش الشمتانة.
​ابتسمت.. مش عشان فرحانة، بس عشان كل حاجة أخيراً بانت على حقيقتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *