القصة المطلوبة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
بنتي قعدت أسبوع كامل في المدرسة مابتأكلش وبتنام بجوعها. ولما حكيت لأمي، ردت بكل برود وقالتلي: «عادي يعني، ما تديها بقسماطين ولا كيس شيبسي تتسلى بيه!». في نفس الليلة، دخلت على الأبلكيشن ولغيت مصروف البيت اللي كنت ببعتهولها كل شهر — 120 ألف جنيه. وعلى يوم الأحد، راحت السوبر ماركت كالعادة، وجت تدفع… الفيزا اترفضت.
لمدة 5 أيام ورا بعض، بنتي «نور» عندها 11 سنة، ترجع من المدرسه في المعادي وهي هتتموت من الجوع.
في الأول مكنتش فاهمة في إيه.
نور بتدرس في مدرسة تجريبي هنا في القاهرة، وأنا كل أول شهر بشحنلها الكارت بتاع كافتيريا المدرسة بمبلغ محترم. بنتي بطبعها هادية وهادية زيادة عن اللزوم، من النوع اللي ممكن يستحمل الوجع والجوع ولا إنه يطلب أو يسبب إحراج لحد.
يوم الجمعة بعد الضهر، لفت نظري إنها واقفة قدام التلاجة بتاكل مكرونة مسلوقة باردة من العلبة بالشوكة وبسرعة غريبة.
— «إيه يا نور، هو انتِ مكلتيش في المدرسة ولا إيه؟»
وقفت أكل وبصت للأرض:
— «الكارت بتاعي مكنش فيه فلوس.»
برقتلها: «من إمتى الكلام ده؟!»
— «من يوم الإثنين…»
قلبي وقع في رجلي.
شرحتلي إن الشحن اللي عملته من على الأبلكيشن سَمّع متأخر في السيستم بتاع المدرسة، ويوم الإثنين لما راحت تجيب أكل، المشرفة قالتلها الكارت فاضي ورجعت ورا. نور كسفت جداً وتكسفت تقولي، وطول الأسبوع كانت بتقعد وسط صحابها تعمل نفسها شبعانة ومش جيعانة وهما بياكلوا.
— «طب وكنتي بتاكلي إيه طول اليوم؟!»
يهز كتفها: «ولا حاجة.. ميه بس.»
دمي فار. كنت زعلانة من نفسي ومحروقة إنها عاشت ده وأنا مش حاسة. وفي نفس الليلة، كلمت أمي، الحاجة «صفاء».
أمي ساكنة على بعد ربع ساعة مني، في شقة أربع أوض في التجمع الخامس.. الشقة ملكي.
من بعد وفاة أبويا الله يرحمه وهي ظروفها ضاقت، وبدل ما تبيع شقتها أو تتبهدل، أنا شلت كل حاجة: العمارة، الصيانة، الفواتير، النظافة، الكهرباء… وحتى أكلها وشربها.
كل شهر كنت بحول على كارت مخصص ليها 120 ألف جنيه عشان مصاريف البيت.
أمي بتحب بقى أكل «الهاي كلاس»، الجبن المستوردة، زيت الزيتون البكر، الفاكهة اللي بالقطعة من السوبرماركتات الغالية، وعزومات يوم الأحد للمعاريف.
حكيتلها وأنا مقهورة على نور: «بنتي قعدت أسبوع كامل جعانة في المدرسة يا أمي!»
أمي ردت ببرود تام وهي بتقلب التلفزيون:
— «يا بنتي كبرتي الموضوع ليه؟ ما تديها بَقسماطين ولا حتة جبنة رومي في شنطتها تتسلى بيهم! العيال طول عمرها بتتعب وتربى عادي يعني.»
أنا اتسمرت مكان.
«بقسماطين؟! بنتي مكلتش 5 أيام وتقوليلي بقسماطين؟!»
— «يا ستي البنات بتدلع، انتِ اللي عاملة دراما من لا شيء.»
في لحظتها، حاجة جوايا اتكسرت وتلجت.
افتكرت 6 سنين فاتوا.. كل ما أمي تعوز حاجة تخلقلي موال وأزمة:
التلاجة السايد-باي-سايد عايزة تتغير،
المستورد أغلى بس معدتها مابترتاحش غير عليه،
عزومة أصحابها محتاجة طلبات خاصة…
كل ده وأنا بستلخص وأدفع من غير ما أفكر. ولما حفيدتها تنام جعانة أسبوع، يبقى الرد «تآكل بقسماط»؟!
ماتناقشتش معاها ولا كلمة.
قلتلها بصوت هادي جداً: «عندك حق يا أمي.. الناس بتعيش بأي حاجة فعلاً.»
وقفلت الخط.
دخلت نور تنام، وأنا قعدت على السرير وفتحت أبلكيشن البنك.
جمب اسم أمي: المصروف الشهري = 120,000 جنيه.
فضلت باصة للرقم ثواني.. ودست: «إلغاء البطاقة / إيقاف التمويل».
يوم الأحد الصبح، الحاجة صفاء نزلت السوبر ماركت الشهير في التجمع.
ملت العربية على آخرها: جمبري، وزيت زيتون إيطالي، وجبن فرنسية، وفاكهة أشكال وألوان، وقطعتين استيك طازة.
وقفت عند الكاشير، طلعت الكارت ودست البين كود…
«عفواً، العملية مرفوضة.»
جربت تاني…
«عفواً، الكارت غير مفعل.»
الساعة 10:17 الصبح، تليفوني بدأ يرن.. اسم «أمي» ينور على الشاشة.
ابتسمت بوجع… ولأول مرة في حياتي، سبت التليفون يرن وما رديتش!
أمي رنت عليا 7 مرات قبل الضهر. وبعدها بدأت الرسائل تنزل زي المطر:
— «هو في إبلة (مشكلة) في الفيزا؟»
وبعد خمس دقايق:
— «يا كلير (قصصدها شيرين)، كلميني فوراً!»
وبعدها:
— «أنا واقفة في السوبر ماركت وبتهان قدام اللي يسوى واللي ما يسواش!»
أنا اسمي «شيرين»، عندي 38 سنة. ولأغلب سنين حياتي، كنت فاهمة إن بر أمي معناه إني أكون مسؤولة عن سعادتها ومصاريفها مهما كلفني الأمر. لكن يوم الأحد بعد الضهر، بدأت وأخيراً أفهم الفرق بين البر وبين الاستغلال.
استنيت لما خلصت أنا ونور الغدا، وبعدين بعتلها رسالة قصيرة:
«أنا اللي لغيت الفيزا يا أمي.»
التليفون يرن في ساعتها! فرديت بتهدئة:
— «يعني إيه لغيتيها؟!» أمي كانت بتزعق في التليفون.
«زي ما سمعتي يا أمي، وقفتها.»
— «انتِ اتجننتي؟! إزاي تقطعي عني مصروف الأكل بالبساطة دي؟!»
ابتسمت بمرارة: «واضح إني أقدر.»
سكتت شوية، ولما لقت الزعيق مش جايب نتيجتها، نبرة صوتها اتغيرت للنعومة المعتادة لما تحب تكسب الجولة:
— «يا شيرين يا حبيبتي.. لو الموضوع عشان كلامي على نور…»
«أيوة عشان نور.»
— «يا بنتي أنا مكنش قصدي تجوع! أنا كنت بقولك تصرفي بأي حاجة، بقسماط، كيس شيبسي…»
«بقسماط؟! بنتي مكلتش أسبوع وتقوليلي بقسماط؟!»
— «انتِ بتلوي كلامي وتكبري الموضوع!»
«لا يا أمي.. أنا لأول مرة أسمع كلامك صح وأفهمه.»
بدأت أمي تطلب نوتة «التضحيات»: إنها ربتني، وسهرت جمبي وأنا عيانة، وودتني تمارين، ووقفت معايا لحد ما تخرجت… كل ده حقيقي ومقدره. بس نسيّت الحتة المهمة:
أبويا الله يرحمه هو اللي كان شايل المصاريف كلها، وأنا كملت تعليمي بمنحة وشغل في معمل دراسات. ولما أبويا توفى، أنا اللي شلت أمي على كتفي عشان كانت بتبكي وتقول «مش هعرف أعيش لوحدي ولا أصرف على نفسي».
سألتني بصوت مقهور: «طب وأنا هاكل منين دلوقتي؟!»
— «من فلوسك ومعاشك يا أمي.»
السكوت اللي جه بعد الجملة دي، هو اللي كشف المستور كله.
أمي مكنتش فقيرة! أمي كان بينزلها معاش أبويا، ومعاشها هي، وأرباح شهادات استثمار صغيرة في البنك.. مبلغ محترم جداً يعيش أي حد في مستوى مميز.
بس هي كانت بتصرف فلوسها على اللبس، وعيادات التجميل، والويك إند في الساحل، وعزومات أصحابها… أما «مصاريف الأساسيات» فكانت سايباها على عليا!
— «انتِ عارفة إن ظروفي متلخبطة!» قالتها بعصبية.
رديت: «لا يا أمي، ظروفك مرتاحة ومترستقة لأنك عشتي 6 سنين بتصرفي من جيبي مش من جيبك.»
وقفلت السكة في وشي.
يوم الإثنين الصبح، أخويا الصغير «أحمد» كلمني من دبي.
— «شيرين، أمي متصلة بتعيط وبتقول إنك قطعتي عنها الأكل عشان كلمة قالتها عن نور؟!»
«هي حكتلك الكلمة اللي قالتها إيه؟»
— «بتقول إنك مأفورة الموضوع.»
شرحتله كل اللي حصل بالتفصيل. أحمد سكت شوية وبعدين قال:
— «لحظة واحدة.. انتِ بتديها 120 ألف جنيه في الشهر أكل وشرب بس؟!»
«أيوة.»
— «يعني أكتر من مليون وأربعمائة ألف في السنة أكل بس؟! غير الشقة والصيانة؟!»
سماعي للرقم بصوت عالي خلاني أحس بغثيان.
أحمد اتعصب جداً، وفي نفس الليلة كلمها.. وواضح إن المكالمة ما مشيتش زي ما هي عايزة.
على يوم الثلاثاء، أمي حوّلت الزعل الشخصي لضغط عائلي وشعبي!
خالتي كلمتني، وبعدها واحدة من جيرانها، وبعدها واحدة صاحبته من أيام الزمان.. كلهم بنفس النغمة:
— «أمك ست كبيرة وحرام عليكي..»
— «البر بالوالدين يا شيرين..»
— «مهما كان دي أمك!»
مكنتش بندخل في جدال.. كنت بقول «ربنا يسهل» وأقفل. أنا قضيت سنين بعتذر وبررر.
يوم الأربعاء بعد الضهر، لقيت أمي واقفة قدام باب شقتي في التجمع.
نور بنتي كانت جوه بتعمل الواجب. خرجت على الباب وقفلته ورايا.
أمي كانت لابسة نظارة شمس كبيرة رغم إن الجو غائم، ووشها مشدود.
— «انتِ فضحتيني وجرستي اسمي قدام الناس!»
«أنا ما حكيتش لحد حاجة يا أمي.»
— «انتِ وقفتي الفيزا.. وده في حد ذاته فضيحة!»
«دي حاجة بيني وبينك، هي بقت علنية لما الفيزا اترفضت في السوبرماركت قدام الناس؟»
بصيت في وشها.. ولأول مرة أفهم السبب الحقيقي لغضبها.
هي مكنتش خايفة تجوع.. هي كانت مغلولة إن الكاشير والناس شافوا إن «التمويل اللي جاي من بنتها وقف».
— «الفيزا ترجع تتقبل النهاردة يا شيرين.»
«مش هترجع يا أمي.»
شفايفها اتقبضت: «يعني كمان هتطلعينا من الشقة؟!»
أنا مكنتش ناوية أفتح موضوع الشقة دلوقتي، بس هي اللي فتحت الباب.
بصيتلها بثبات: «بما إنك فتحتي الموضوع.. أيوة يا أمي، الشقة أربع أوض في التجمع كبيرة عليكي لوحدك، وإحنا محتاجين نتكلم في ترتيباتها.»
أمي قلعت النظارة.. ولأول مرة أشوف في عينيها الخوف الحقيقي مش الغضب.
«يعني إيه نتكلم في الشقة؟!»
لما أبويا توفى، الشقة كان فاضل عليها أقساط وأموال صيانة ومشاكل مع الشركة المكتتبة، وأمي مكنش عندها دخلي يخلي البنك يوافق ينقل الشقة باسمها. البنك كان هيعرضها للبيع.
فأنا دخلت، اشتريت الشقة باسمي، وتسددت الأقساط، وسبت أمي عايشة فيها. وقتها كنت اترقيت في شركة البرمجيات الطبية اللي بشتغل فيها وكان دخلي ممتاز، وقلت ده واجبي.
بس مع الوقت، «المساعدة» تحولت لـ «حق مكتسب».
أول حاجة دفعت أقساط الشقة..
بعدها الصيانة..
بعدها فواتير الكهرباء والتكييفات (عشان الشقة كبيرة بياكل كهرباء)..
بعدها مصاريف الأمن والنظافة..
بعدها الدادة اللي بتيجي تنظف مرتين في الأسبوع..
وبعدها كارت السوبرماركت الـ 120 ألف!
أنا عمري ما جمعت الأرقام دي مع بعض.. لحد ما بنتي قعدت أسبوع من غير أكل.
حسبت كل حاجة في سرّي: الشقة، الخدمات، الأكل، الصيانة… أكتر من 350 ألف جنيه شهرياً!
يعني يجي 4 مليون جنيه في السنة!
أنا أه شغلي كويس، بس المبلغ ده كان بيخليني أضغط على نفسي، قللت اشتراكات تأميني الطبي، أخرت تغيير عربيتي اللي بقالها 8 سنين، وما سافرتش أنا ونور فسحة عدلة من 3 سنين! في حين إن أمي سافرت مطروح والساحل مرتين الصيف اللي فات مع أصحابها!
قلتلها بمنتهى الهدوء: «أنا مش هرميكي في الشارع يا أمي.. بس النظام ده خلص. قدامك 6 شهور، أنا هدفع فيهم الصيانة والأقساط، وانتِ هتدفعي مصاريف أكلك وشربك ونظافة شقتك. وبعد الـ 6 شهور، قدامك خيارين: يا إما تاجري الشقة مني بإيجار مخفض، يا إما نبيع الشقة ونشتريلك شقة أصغر سكاكر على قدك في مكان هادي، والباقي يتحط في حسابك.»
ردت عليا بكسرة وغل: «انتِ بتطردي أمك!»
رديت: «لا.. أنا بوقف تمويل مفتوح مالوش لازمة.»
مشيت وأنا رايحة عربيتها، والتفتت وقالتلي كلمة كانت زمان بتهدني:
— «أبوكي لو كان عايش كان اتبرّى منك ومن قسوتك دي!»
رديت عليها بثبات:
«أبويا الله يرحمه لو كان عايش، كان هيسألك إزاي بتصرفي 120 ألف جنيه أكل في الشهر وتسيبي حفيدتك من غير أكل في المدرسة!»
ركبت عربيتها ومشت.
تاني يوم، أحمد أخويا كلمني.. وقال لي المفاجأة اللي هزتني.
أحمد لما كلمها، طلب يشوف حساباتها عشان يحل الأزمة.. واكتشف إن أمي عندها فوق الـ 3 مليون جنيه في شهادات وسيولة في البنك!
قعدت على الكرسي مش مصدقة: «وهي كانت بتقولي معيش أغير تلاجة ولا أجيب طلبات البيت؟!»
أحمد قال بغضب: «أمي كانت بتوفر فلوسها هي، وبتصرف فلوسك انتِ يا شيرين! وقالتلي بالحرف: اختك بتكسب أكتر منك ومني، وده حقنا كلنا فيها!»
الكلمة دي مسحت أخر نقطة تأنيب ضمير جوايا.
أمي مكنتش محتاجة.. أمي كانت بتستغل حب الخوف والواجب اللي زرعته جوايا.
الموضوع أخد حوالي 4 شهور.
أمي لما لقت مفيش أمل، والفيزا واقفة، بدأت تتأقلم مع الواقع بنفسها:
بطلت تجيب الجبن الفرنساوي والفاكهة المستوردة، وبقت تشتري من السوبرماركت العادي.
ألغت الدادة وبقت تجيب واحدة مرة واحدة في الشهر.
قللت الخروج والعزومات المكلفة.
وغريبة جداً… ما ماتتش من الجوع ولا جرى لها حاجة!
في الشهر الخامس، كلمتني بصوت هادي من غير عياط ولا عصبية:
— «شيرين.. أنا شفت شقة حلوة مساحتها صغيرة (أوضتين وصالة) في شيراتون أو التجمع الثالث.. قريبة من أصحابي، وصيانتها ومصاريفها هتبقى بسيطة عليا.»
حسيت براحة مش طبيعية.
رحت معاها وشفت الشقة، كانت جميلة ونظيفة وشمسها حلوة.
بعنا الشقة الكبيرة، سددت المتبقي للبنك، وحطيت باقي فلوسي في حساب توفير لنور، وأمي اشترت الشقة الجديدة من فلوسها وبقت عايشة مرتاحة وعلى قد إمكانياتها.
في يوم من الأيام، كنا مسافرين أنا ونور دهب نعمل ويك إند صغير بعد ما ظروفي المادية ارتاحت تماماً ورجعت أدخر لنفسي ولتعليم بنتي.
ونور بتجهز شنطتها، حطت علبة بقسماط وبسكويت في الشنطة.
بصيت للعلبة وابتسمت بوجع خفيف…
نور بصتلي وقالتلي: «مامي، انتِ وتيتة بقيتوا كويسين خلاص؟»
قلتلها: «أيوة يا حبيبتي.»
— «هو إيه اللي حصل زمان؟»
قلتلها الدرس اللي تعلمته بأصعب طريقة:
«تعلمت إن المساعدة والحب مش معناه إنك تسمحي لأي حد — حتى لو أقرب الناس ليكي — إنه يستغلك أو يلغي وجودك ووجود ولادك.»
ساعات، كلمة واحدة صغيرة زي «ما تاكل بقسماط» بتكون هي الجرس اللي بيصحيكي عشان تفوقي وتعرفي إن حمايتك لبيتك ولأولادك هي أهم استثمار في حياتك!