خلي ابنك يعتذر حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
“خلّي ابنك يعتذر حالا يا إما تطلعوا من بيتي وما شوفش وشكم تاني!”
​صوت بابا رنّ في الصالة بقوة لدرجة إن التلفزيون المفتوح في الريسيبشن كأنه سكت فجأة.
​فضلت بصالُه وأنا مستنية يقول إنه بيكهزر..
بس ما كانش بيكهزر.
​مراتي سارة كانت قاعدة جنب ابننا يوسف عنده 8 سنين، اللي كان بيحاول يمسك دموعه بالعافية. طبق الكشري بتاعه كان ملطوخ على الأرض الباركيه بعد ما أدهم ابن أختي داليا (عنده 11 سنة) زقه وهو معدي يقصد.
​أدهم كان عمال يرخم على يوسف طول السهرة..
شد منه العيش المحمص، وكان بيحدف عليه طماطم، ووشوشه وقال له إن يوسف “عيل فقير ومفلس” عشان عايشين في شقة إيجار في شبرا مش في فيلا جدي الكبيرة اللي في التجمع الخامس.
​ولما يوسف أخيراً قال له “بس بقا يا أدهم”، أدهم راح خابط كوعه بظلم وقصد في طبق يوسف كفأه في الأرض.
​والغريب إن بابا (عم جلال) كان بيبص ليوسف بمنتهى الغضب!
​”اعتذر لأدهم يلا!” بابا زعق.
​رديت بذهول: “يعتذر على إيه يا بابا؟!”
​أختي داليا سِندت ظهرها على الكرسي وابتسمت ابتسامة خبث وقالت: “يعتذر عشان قال له أنت عيل غلس.”
​سارة مراتي بصلتها وهي مش مصدقة: “بعد ما دمر له أكله ووقع الطبق في الأرض؟!”
​داليا هزت كتفها ببرود: “عيال وبيلعبوا مع بعض، كبروا مخكم!”
​يوسف همس وهو بيعيط: “لا يا بابا.. هو أوقع الطبق بلعاني.”
​بابا ضرب بإيده على الترابيزة برجة هزت السفرة:
“بس! ده بيتي وأنا حر فيه.. يوسف يعتذر لأدهم حالا، يا إما تاخدوا بعضكم وتطلعوا برة وما تورونيش وشكم تاني!”
​بصيت لأمي..
كانت باصة في الأرض وماسكة الفوطة بتبص فيها بتوتر.
​السكوت ده فهمين كل حاجة..
طول عمر داليا هي الحبيبة والمدللة. أخطاؤها دي “سوء فهم”، وأخطائي أنا “سوء تربية وندالة”. ابنها يكسر ويخرب ويضحك عادي، لكن ابني لما يعلي صوته مرة يتقال عليه قليل الأدب ويبقى هو المشكلة!
​في العادي كنت ببلعها وأسكت..
بس الليلة دي، ما بلعتهاش.
​وقفت حيلِي.
​”تمام.”
​بابا برّق: “تمام إيه؟”
​”إحنا ماشيين.”
​داليا ضحكت بصوت عالٍ:
“أوه.. بجد؟ ما تبقاش أوفر يا طارق، بلاش دراما!”
​ساعدت يوسف يلبس الجاكت بتاعه، وسارة جابت شنطتها.
​بابا ربّع إيده وقال وهو منفخ: “لو خرجتم من الباب ده، إياك تفكر ترجع لي زاحف بتتسول!”
​وقفت عند الباب، وبصيت له بثبات:
“مش هحتاج أرجع.”
​وخرجنا.
​من غير زعيق..
من غير دراما ولا كلام مالوش لازمة..
مجرد تلاتة ماشيين في ليل نوفمبر والبرد بيلطش في وشنا.
​في العربية، يوسف سألني بصوت واطي ومكسور: “بابا.. هو أنا بوظت عزومة العيلة؟”
​بصيت له في المراية وقلت له: “لا يا حبيبي.. أنت ما بوظتش أي حاجة.”
​أول ما وصلنا البيت، طلبنا بيتزا وقعدنا نتفرج على فيلم كوميدي قديم لحد ما يوسف ابتسم وضحك تاني.
​الساعة 7:12 الصبح..
حد كان بيخبط على باب الشقة بغشم.
​مش خبط عادي..
ترزيع!
​فتحت الباب..
​لقيت بابا واقف.. بلبسه بتاع امبارح، وشه أصفر زي الليمونة، بيعرق، وبياخد نفسه بالعافية.
​ولأول مرة في حياتي، أشوف جلال بك متوتر ومرعوب للدرجة دي!
​”طارق…” قالها وهو بيمسك في دراعي بكل قوته: “لازم ترجع معايا حالا!”
​شلت إيده بالراحة وقلت له: “أرجع ليه؟”
​صوته نزل لوشوشة مرعوبة ومكسورة:
“أختك داليا… فضّت الحسابات وسحبت كل الفلوس من البنك وطارت!”
​..ماما بصت للمفاتيح كأني حطيت في إيدها تعبان.
“إيه معنى الكلام ده يا مي؟”
“معناه إن قصتي معاكم خلصت لحد هنا.”
​وش بابا اسودّ من الغضب: “أنتي فاكرة نفسك هتتخلي عن أهلك وتسيبينا عشان شوية كراكيب وفرشة في السوق؟”
​فتحت موبايلي ورفعت الشاشة في وشهم بالمسج.
«أول ما مي تدفع فلوس العملية، هحجز بكج التجميل الكامل…»
​إيد ميار نزلت من على بطنها في ثانية، وشريف همس بصوت واطي: “ميار… إيه ده؟”
​ماما قرت الرسالة مرتين، وبعدين لفت وشها الناحية التانية كأن الحقيقة جاية على هواها وبتقليلة ذوق.
​ماما قالت بدفاع مستميت: “كانت محروجة منك! يمكن ما عرفتش تطلب منك إزاي!”
​ضحكت ضحكة مكتومة.. ضحكة هي اللي خضتهم بجد.
“يعني كذبتوا عليا وقولتوا عملية جراحية وموت ودمار؟”
​عين ميار اتملت دموع في ثانية وقالت: “ما هي عملية فعلاً! التجميل ده شيء طبي لو بيأثر على نفسيتي وثقتي بنفسي!”
​بصيت للصواني المتكسرة، والفترينا اللي بقت حطام، وللزبائن اللي واقفين من بعيد بيصوروا بالموبايلات في سكوت.
​”دمرتي شغلي وعرقي عشان تلووا دراعي وأدفع لك ثمن عمليات تجميل؟”
​شريف قرب خطوة وقال بنبرة تهديد: “لمي الموضوع يا مي، بلاش نخلي الشكل يبصق أكتر من كده.”
​”هو بقى زبالة خلاص.”
​في اللحظة دي، وصل مدير المعرض ومعاه اثنين من أفراد الأمن وماسك في إيده تابوت (تابلت). كان جاب تفريغ كاميرات المراقبة.
​الفيلم كان واضح زي الشمس: شريف وهو بيفك حبال التندة بتاعتي بالراحة وميار بتتخانق معايا، وبعدها ميار وهي بتهز عربية بضاعتها وبتبص يمين وشمال، قبل ما تدب بيها عمداً في الفترينا بتاعتي!
​مش حادثة..
ده كان تخطيط وترصد!
​بابا برطم بصوت واطي: “إحنا ممكن نحلها ودي بينّا وبين بعضينا..”
​قلت له بمنتهى الجفاء: “لا.. المشاكل العائلية هي اللي بتحلوها ودي. لكن النصب وتدمير ممتلكات الناس، ده ليه بليس ونيابة.”
​ماما مسكت معصم إيدي بقوة: “يا مي، لو عملتي كده الشقة هتضيع منا وهنترمى في الشارع!”
​شلت إيدها بالراحة وقلت لها: “أنتم ضيعتم الشقة من إيدكم يوم ما اعتبرتم عرقي وشغلي مالوش قيمة ولا ثمن.”
​في نفس اللحظة موبايلي رن..
مدير البنك.
​رديت وفتحت السبيكر.
​”أستاذة مي،” قال مدير البنك، “استلمنا طلبك. تم إلغاء الخصم المباشر لأقساط شقة التجمع. صاحب الحساب المسجل هيحتاج يتواصل معانا بنفسه من بكرة.”
​وش بابا اتخطف وبقى زي الفرخة الدائخة.
​ميار همست بذهول: “لحظة.. هو أنتي اللي كنتي بتدفعي قسط الشقة؟!”
​بصيت للثلاثة ورا بعض وقلت:
“بقالي تمانية وتلاتين شهر بدفعها من جيبِي.”
الخبر نزل عليهم زي الصاعقة..
​السكوت خيم على المكان، ومحدش فيهم كان قادر ينطق حرف. ماما كانت باصة لي بذهول وهي ماسكة المفاتيح في إيدها، وبابا وشه اتخطف وكأنه اتكبر عشر سنين في ثانية.
​”تمانية وتلاتين شهر؟” بابا كرر الكلمة بصوت مكسور وهو بيبص لماما. “يعني الفلوس اللي كانت بتندفع للبنك كل يوم واحد في الشهر.. دي كانت من عرق مي؟”
​ميار وقفت مكانها مش عارفة تقول إيه، ولأول مرة شريف جوزها يسكت وما يلاقيش كلمة يدافع بيها عن نفسه. الشموع والبضاعة بتاعتهم بقت مركونة على جنب مالهاش أي قيمة قدام الكارثة اللي حطوا نفسهم فيها.
​مدير المعرض بص لي وقال بصرامة وهو ماسك التابليت: “أستاذة مي، الفيديو ده حقه يروح القسم فوراً. إحنا عندنا تلفيات في المعرض غير تلفيات الفترينا والبضاعة بتاعتك، وده محضر إتلاف عمدي ونصب.”
​ماما اترجتني وعينيها مليانة دموع: “عشان خاطري يا مي.. بلاش القسم! أختك ومستقبلها وجوزها هيروحوا في داهية!”
​بصيت لماما وقلت لها بمنتهى الهدوء: “ومستقبلي أنا اللي اتدمر على الأرض ده إيه يا ماما؟ الصواني المكسورة، والفرشة اللي اتدمرت، وشغلي اللي طار في الهواء.. ده كان إيه؟ مش ده اللي كنتوا بتقولوا عليه ‘شوية كراكيب’؟”
​التفت لمدير المعرض وقلت له: “اعمل المحضر يا أستاذ. أنا مش هتنازل عن حقي، وبضاعتي وتلفيات الفترينا هما ملزمين يدفعوا ثمنها بالكامل للقانون.”
​شريف بدأ يزعق: “أنتي اتجننتي؟! أنتي حابة تخربي بيتنا؟!”
​”بيتك أنت اللي خربته بايدك يا شريف، لما فكرت إنك تظلمني وتستغلني عشان تفرفش أنت ومراتك على حسابي.”
​سبتهم واقفين مع أفراد الأمن ومدير المعرض، وجمعت الحاجات الباقية من حاجتي بالراحة، وركبت عربيتي ومشيت.
​خلال الأسبوع ده، البنك بدأ يبعت إنذارات لبابا وماما بوقف السداد، والشقة بقت مهددة بالمزاد العلني لو ما اندفعش المبلّغ المتأخر مع الفوائد. ميار وشريف اضطروا يبيعوا عربيتهم عشان يدفعوا ثمن التلفيات اللي أثبتها الأمن في محضر الشرطة، وعشان يغطوا جزء من ديونهم بعد ما القضية دخلت في الجد.
​لأول مرة في حياتي، حسيت إن نَفَسي مرتاح.
​فتحت محل صغير خاص بيا بعيد عن المعرض وبعيد عن التحكمات، وبدأت من جديد. والمشروع كبر وبقى ليه اسم معروف في المنطقة كلها.
​بابا حاول يتصل بيا كذا مرة عشان يستسمحني، بس أنا خدت قرار: اللي يستخصر فيك تعبك، ويشوف نجاحك كراكيب.. ما يستاهلش يكون ليه مكان في حياتك.
​تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *