تلك اللحظة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
اللحظة التي تغير فيها كل شيء
اللحظة التأثيرية اللي اكتشفت فيها إن أهلي يقدروا يعيشوا عادي جداً من غير ما يحتفلوا بيا—بس مستحيل يعيشوا يوم واحد من غير ما يستغلوني—كانت بالظبط يوم عيد ميلادي الـ 25.
كنت واقفة في الممر لابسة الفستان الأزرق اللي قعدت أُحوش شهور عشان أشريه، لما ماما بلغتني بهدوء إنها لغت عزومة عيد ميلادي.
والسبب؟
أختي “ندى”، اللي عندها 22 سنة، كانت بتعيط في المدخل تحت.
مش عشان اتأذت.
مش عشان حد جرح قلبها.
ولا عشان أي حاجة جادة تستهل العياط من الأساس.
ندى كانت بتعيط وانهارت لمجرد إنها اكتشفت إن المطعم كتب اسمي أنا على تورتة عيد ميلادي أنا!
وبالنسبة لهم.. ده كان سبب كافي جداً إنه يربك اليوم ويبوظ السهرة كلها.
”يمكن المفروض نحتفل في يوم تاني يا مريم،” ماما قالتها وهي بتهمس، وإيدها بتتمد للموبايل. “ندى نفسيتها تعبانة ومضغوطة شوية.”
لثواني معدودة، كنت فاكراها بتهزر.
بس بابا تنهد من الصالة وقال:
“أختك هشة نفسياً الفترات دي يا مريم، استحمليها.”
بصيت له وذهولي بيزيد.
ندى عندها 22 سنة. مابتشتغلش—مش عشان مش لاقية شغل، لأ، عشان قررت إن الشغل “ضغط عصبي ملوش لازمة” وهي لسة بتدور على نفسها وعايزة تفهم هي محتاجة إيه من الحياة.
والغريب إن ندى كانت بتتحول لـ “هشة نفسياً” في كل مرة الأضواء والانتباه يبعدوا عنها ولو لسنتيمتر واحد!
اختفاء عيد الميلاد
مشيت وراهم ودخلت الصالة، وهناك شفت عيد ميلادي بيبخر قدام عيني:
الورد اللي كنت نقياه بنفسي عشان عزومة بالليل؟ مابقاش عند الباب.. ماما أخدته وأدته لندى، وكانت أختي بتطلعه فوق تحطه على تسريحتها!
بابا كان فتح أبلكيشن المطعم على الموبايل وبيلغي الحجز.
ماما بتتصل بالمحل عشان تلغي التورتة.
وندى؟ كانت متكرمشة بتمثيل ومستخبية تحت البطانية على الكنبة، حاطة إيدها على خدودها.. اللي كانت ناشفة تماماً. ولا دمعة واحدة.
”حاسة إنها مقتولة ومظلومة ومستبعدة من اللمة،” ماما شلرحتلي.
بصيت لماما، وبعدها لندى، ورجعت بصيت لماما تاني:
“مستبعدة من إيه؟ من عيد ميلادي؟!”
بابا بصلي بنظرته الشهيرة.. النظرية اللي حافظاها عن ظهر قلب. النظرة اللي معناها: “يا مريم خليكي عاقلة.. يا مريم متمشيش الأمور بعناد.. انتي الكبيرة.. انتي عارفة أختك وطبعها.”
دائماً كان مطلوب مني أتصرف ببالغ العقل والرشاقة، عشان محدش يضطر يطلب من ندى إنها تتصرف كبني آدمة بالغة لمرة واحدة في حياتها!
”هي وجبة واحدة يعني يا مريم، مش قضية،” بابا قال.
وجبة واحدة.
كنت هضحك من قلبي.. عشان هي عمرها ما كانت وجبة واحدة!
شريط الذكريات
حفلة تخرجي من الكلية: تحولت بقدرة قادر لحفلة احتفال بعرض الباليه بتاع ندى! ولسة فاكرة إني قعدت في المطعم بفيست التخرج، والقرايب كلهم بيهنوا ندى على رقصتها، وشهادة تخرجي كانت مرمية تحت الكرسي محدش حتى بص عليها.
أول ترقية في شغلي: اقترحت نطلع نتعشى برة، والعزومة اتلغت عشان ندى كانت فركشت مع خطيبها/صاحبها اللي عرفته بقالها 3 أسابيع بس. ماما قالتلي وقتها إن الاحتفال بترقيتك وندى في الحالة دي هيبقى “قلة ذوق وعدم مراعاة لمشاعرها”.
عزومة الشقة الجديدة: لما أأجرت أول شقة ليا، اشتغلت طافحة الدم شهور عشان أجمع الإيجار والمقدم والفرش. كنت حاطة أمل إنهم يدخلوا من الباب ويقولوا لي “إحنا فخورين بيكي يا مريم”.
بدل ده، بعد 20 دقيقة بس، ماما فتحت موضوع قد إيه ندى ضايعة وتائهة، وتحولت العزومة لـ “قعدة صلح وتوجيه” عشان نساعد ندى تلاقي شغفها في الحياة. حتى في شقتي أنا، ندى هي مركز الكون!
ولما الظروف المادية ضاقت على بابا وماما، سبت شقتي ورجعت البيت عشان أساعدهم.
بقيت أدفع إيجار وخدت أصغر أوضة في البيت.
لما ساعات شغل بابا قلّت، شلت فواتير الكهرباء والمياه والنت.
لما ماما تقول المصاريف ضيقة، أنزل أنا أشتري خضار وأكل البيت.
سخانات باظت، سباكة، أجهزة عطلانة.. كله كان عليا.
عمر ما كتبت ولا حسبت، عشان كنت فاكرة إن الأهل مفيش بينهم دفتر حساب. ووسط كل ده، كنت أنا اللي بطلع أعتذر لندى لما تحتاج اهتمام أكتر.. صبر أكتر.. فلوس أكتر.. أي حاجة أكتر!
القرار الصامت
في يوم عيد ميلادي الـ 25، وأنا واقفة في الصالة وبشوف بابا بيلغي الحجز، وماما بتدي الورد لندى، وشفت ابتسامة النصر الخفية على وش ندى وهي تحت البطانية…
في حاجة جوايا اتغيرت.
ما اتكسرتش.. الكسر ده دراما.
هي بس استقرت في مكانها الصح. زي آخر قطعة في بزل قعدت سنين أرفض أركبها.
أخيراً شفت مكاني الحقيقي في العيلة دي:
أنا مش البنت اللي بيحتفلوا بيها.. أنا البنت اللي بيعتمدوا عليها ويدفعوها الثمن.
والفرق بين الاثنين بَشِع.
”تمام،” أنا قلت.
ماما وقفت طلب: “تمام إيه؟”
”الغي كل حاجة.”
أكتاف بابا نزلت فوراً ورجع لوراء براحة. منظر الارتياح على وشه كان يوجع أكثر من إلغاء الحجز نفسه.
”ده تصرف كبار وعاقل منك يا مريم،” بابا قال.
ابتسمت: “مبسوطة إنك شايف كدة.”
ندى بصلتي من تحت البطانية. للمرة الأولى، ما جادلتش، ما فكرتهمش إن ده عيد ميلادي، ما طلبتش فلوس عربون المطعم، وما طلبتش وردي.
لفيت وطلعت أوضتي بالراحة.
قفلت الباب. قلعت الفستان الأزرق اللي شقية فيه، علقته في الدولاب بالراحة، وطلعت شنطتين سفر من تحت السرير.
لميت هدومي بهدوء.. لبس الشغل، الجينز، الطرح، الجزَم، والميك أب.
فتحت الدرج الآخير وجمعت: شهادة ميلادي، الباسبور، عقود شغلي، وأوراق التأمين.
وبعدين مديت إيدي تحت المرتبة.. أخدت الظرف المستخبي. تحويشتي.. الفلوس اللي كنت بشيلها قرش على قرش بعد ما أدفع مصاريف البيت.
بصيت للأوضة أخر مرة. الحيطان شبه فاضية، العفش مش بتاعي، وما كنش في حاجة تستاهل أزعل عليها.
طلعت مفتاح البيت من ميداليتي، وحطيته بهدوء على المخدة.
الخروج الأخير
تحت، محدش كان حاسس بحاجة.
الساعة كانت 11:43 بالليل، بابا وماما وندى قاعدين في الصالة بياكلوا دليفري، وصوت ضحك ندى طالع واصل لفوق. واضح إن “هشاشتها النفسية” اتعافت بسرعة الصاروخ!
نزلت الشنطة الأولى.. وبعدها الثانية. صوت التلفزيون كان مغطي على صوت الباب الصاج وهو بيتفتح.
خرجت الشارع. قفلت الباب ورايا.. ومسحت خطايا.
لا مشادة كلامية.. لا صوت عالٍ.. لا خطبة وداع.
ما سبتش جواب.. وأكيد ما سبتش عنواني الجديد.
لما الشمس طلعت، كنت خلاص قطعت مئات الكيلومترات بعيد عن القاهرة على طريق السفر.
الساعة 8:16 الصبح، الموبايل زن.
ماما.
لثانية هبيلة، جزء جوايا تساءل: يا ترى عرفوا؟ يا ترى قلقانين عليا؟ يا ترى دخلت الأوضة وشافت المفتاح على المخدة وفهمت؟
فتحت الرسالة:
”بلاش نكد بقى وعناد. انزلي هاتي الخضار وطلبات البيت عشان مفيش أكل.”
بصيت للشاشة.. وبعدين بصيت للطريق المفتوح قدامي. كنت خلاص على بعد 6 ساعات من البيت.
قلبت الموبايل على وشه.
في البيت، هم فاكرين إنها مجرد زعلة وهتروح لحالها، وندى أكيد فاكرة إني هرجع بعد ما أخلص “شو الدراما” بتاعي.
محدش فيهم فاهم يعني إيه المفتاح محطوط على المخدة.
محدش فاهم إن فلوس الأكل مش جاية.. ولا فاتورة الكهرباء.. ولا إيجار الأوضة اللي بدفعه لبابا كل أول شهر.
قعدوا سنين يعاملوني كأني أقل شخص ملوش لازمة في العيلة.. والشيء اللي ما أخدوش بالهم منه، إن الشخص اللي مالوش قيمة ده.. كان هو العمود الفِقري اللي شايل البيت كله من غير ما يحسوا.
ودلوقتي؟ أنا مشيت.
ولأول مرة في حياتهم، أهلي وندى هيجربوا يعيشوا حياتهم “المثالية” من غيري.
في الأول، الموبايل سكت.. وبعدين الاتصالات بدأت تتوالى:
مكالمة من ماما.
3 مكالمات من بابا.
7 مكالمات من ندى.
على آخر اليوم، كان فيه 17 مكالمة فائتة.
وبعدها بابا بعت رسالة واحدة عرفت منها إن حياتهم “المثالية” بدأت تنهار فعلياً:
”مريم.. اتصلي بيا حالاً. في حاجة غلط تقيلة حصلت في البيت!”
بصيت للرسالة وقت طويل.. لأني كنت عارفة بالظبط إيه اللي غلط.
لأول مرة، فتحوا عينيهم واكتشفوا إيه اللي بيحصل لما البنت اللي عمرهم ما احتفلوا بيها.. تتوقف عن دفع ثمن سعادتهم!