تلك اللحظة حصري لصفحة روايات رولا
ج2
السر العائلي الكبير:
اللحظة اللي اتصلت فيها ببابا بعد المكالمات المتكررة على موبايلي، وأنا واقفة في بلكونة لوكاندة صغيرة في دهب.. كنت فاكرة إني هسمع منه كلمتين عتاب وخلاص.
بس بابا رد عليا وصوته مرعوب ومخنوق:
“انتي فين يا مريم؟ شركة الكهرباء بتقول الشيك بتاع إمبارح اترمى ومفيش رصيد! النت مقطوع، ومامتك كشفت على حساب البيت ولقيته فاضي خالص!”
رديت ببرود: “دي حاجة تحزن بصراحة.”
”مريم!”
ماما خطفت منه الموبايل وهي بتصرخ: “بلاش جنون وارجعي فوراً! ندى عندها جلسة علاج نفسي بكرة ومحتاجين حد يدفع الكشف!”
ومن وراها ندى بتزعق: “وفاتورة خط الموبايل بتاعي كمان!”
ضحكت.. ضحكة مكتومة طالعة من قلبي. ماما سكتت تماماً.
”أنا مش راجعة،” أنا قلتها بوضوح.
السكوت اللي جه بعد الكلمة دي كان مرعب.. مش سكوت غضب، ده كان سكوت خوف.
بابا رجع على الخط وصوته بيرتعش: “مريم.. انتي كنتِ بتدفعي كام بالظبط؟”
بصيت للبحر وقلت: “اللي يكفي وزيادة.”
وفجأة.. طلع صوت راجل تاني خالص في الفون. صوت راجل كبير، هادي، ورسمي جداً:
“مريم؟”
اتعدلت في وقفتي: “مين معايا؟”
بابا حذره بسرعة: “مش وقته يا أستاذ سمير!”
بس الراجل كمل ولا كأنه سمعه: “أنا الأستاذ سمير عبد الحميد، المحامي الخاص بجدتك.. المرحومة فاطمة.”
سر الصندوق الأسود
قلبي دق بسرعة. الجدة فاطمة اتوفت وأنا عندي 17 سنة. كانت الإنسانة الوحيدة في طفولتي اللي عمرها ما عاملتني أنا وندى كأننا في سباق أو حلبة مصارعة. هي اللي علمتني أطبخ، ساعدتني في تقديم الكلية، وكانت بتكلمني كل جمعة.
موتها كان أكبر صدمة في حياتي.
بابا قاطعه بحدة: “أنا قلتلك مش وقته!”
المحامي رد بثبات: “بالعکس يا أستاذ رؤوف.. ده الوقت المناسب بالظبط.”
إيدي أترعشت على سور البلكونة: “حضرتك بتعمل إيه في بيت أهلي؟”
”عشان إمبارح كان عيد ميلادك الـ 25.. وحسب وصية جدتك، ده التاريخ اللي القانون بيسمحلي فيه إني أكلمك مباشرة عن تركة ووديعة عيلة الجدة فاطمة.”
نفسي اتقطع: “وديعة إيه؟”
محدش رد.. لا بابا، ولا ماما، ولا ندى.
المحامي كمل بصدمة: “مريم.. هو محدش قالك خالص؟”
”قالولي إيه؟!”
بابا صرخ: “يا أستاذ سمير ارجوك أقف!”
بس المحامي كمل بقوة: “جدتك فاطمة سيبالك ورث كامل ووديعة مقفولة، بيتنقلوا باسمك بالكامل أول ما تتمي 25 سنة!”
مسكت السور بكل قوتي: “كام؟”
”الوديعة الأصلية فيها حوالي 4 مليون جنيه.. ده غير ملكيتك الكاملة لبيت العيلة اللي هم قاعدين فيه!”
كنت هرمي الموبايل من إيدي.
”البيت؟! انت قصدك البيت اللي أهلي بياخدوا مني إيجار كل شهر عشان أقعد في أصغر أوضة فيه؟!”
المحامي كمل القاضية: “البيت ده ملكك قانوناً من لحظة ما كملتي 25.”
الخيانة الكاملة
جسمي كله قشعر وتلج.
بابا بدأ يتكلم بسرعة وارتباك: “الموضوع مش بالبساطة دي يا مريم.. إحنا كنا بنصرف على صيانة البيت ومصاريفه!”
”كنتوا بتاخدوا مني إيجار!”
”كان عندنا مصاريف وتزامات!”
”وأنا اللي كنت بدفع المصاريف والتزامات البيت كلها من جيبي!”
ماما بدأت تعيط.. دموع حقيقية المرة دي: “يا مريم افهمينا ارجوكي…”
”أفهم إيه؟ أنا قضيت حياتي كلها بحاول أفهم وأستحمل!”
المحامي سمير كح وقال: “للأسف يا أنسة مريم.. في أكتر من كده كمان.”
طبعاً.. لازم يكون في أكتر!
شرحلي إن الجدة فاطمة عملت الوديعة دي لما بدأت تشك في تصرفات بابا المادية. ولما كملت 18 سنة، بابا أخد وصاية مشروطة عشان يصرف على تعلييمي، علاجي، وسكني فقط.
بس حسب السجلات اللي المحامي راجعها، بابا وماما سحبوا عشرات المبالغ لغير الأغراض دي!
سفريات ورحلات.
فواتير كروت ائتمان.
دروس واستعراضات ندى الخاصة.
عربية ندى الجديدة.
حتى مصاريف كلية ندى الخاصة في الترم اللي هي سقطت فيه وعادت السبت!
رجليا ما شالتنيش وقعدت على الأرض: “استخدمتوا ورثي وفلوسي عشان تدلعوا ندى؟”
بابا صرخ: “إحنا صرفناها على العيلة!”
المحامي رد بدالي: “لأ يا أستاذ رؤوف، انت سحبتها برة شروط الوصية تماماً.”
وبعدين المحامي قال المعلومة اللي شقلبت كل حاجة:
“الشهر اللي فات، والدك حاول يرهن البيت عشان ياخد قرض.”
غمضت عيني: “عشان يعمل بيه إيه؟”
ندى صرخت فجأة في خلفية الفون: “متقولهااااش!”
الأستاذ سمير اتنهد: “كان في مقدم حجز شقة تمليك باسم ندى في التجمع.”
ابتسمت.. ابتسامة وجع. لما الخيانة بتكون أكبر من استيعابك، عقلك بيبطل يتعامل معاها بجدية.
”كنتوا هتستلفوا بضمان بيتي.. عشان تشتروا لندى شقة تمليك؟!”
ماما همست: “أصل ندى محتاجة تؤمن مستقبلها وتستقر…”
”وأنا؟”
”انتي أقوى يا مريم.. انتي بتعرفي تتصرفي.”
هي دي.. “انتي أقوى”.
الكلمة السحرية اللي دمرت طفولتي وشبابي.
معناها: مريم تستنى.. مريم تضحي.. مريم تدفع.. مريم تسامح وتستحمل عشان مريم بتعرف تقف على حيلها!
وطيت صوتي وسألت المحامي: “أستاذ سمير.. هم يقدروا يسحبوا أي جنيه دلوقتي؟”
”لأ. من الساعة 12 إمبارح بالليل، كل الصلاحيات الإدارية والمالية اتنقلت باسمك انتي وبس.”
سر التورتة وفضيحة الجواب
في اللحظة دي.. كل حاجة اتفهمت!
الرعب والانهيار بتاعهم.
الـ 17 مكالمة.
رسالة الخضار الصبح.
هم مش بس خسروا مرتبي اللي بيصرف على البيت.. هم خسروا الحنفية اللي بتغرف من الوديعة!
بابا كان عارف.. كان عارف إن الحقوق هترجعلي يوم عيد ميلادي. بس يمكن كان فاكر إنه معاه أسبوع كمان، أو يمكن كان فاكر إن عزومة عيد الميلاد هتخليني ملهية وماركزش.
سألت المحامي: “هو أنا مش كان المفروض يجيلي جواب رسمي بأوراق الوديعة إمبارح؟”
السكوت كان سيد الموقف.
الأستاذ سمير قال: “أيوة، اتتبع بالبريد المسجل لعنوان البيت.”
بصيت من الشباك: “أومال فين الجواب؟”
بابا ما نطقش.. وماما همست بكلام مش مفهوم.. لحد ما ندى انفجرت في العياط والصراريخ:
“أنا اللي رميته في الزبالة!”
الكل سكت. قلبي كان بيدق زي الطبلة: “عملتي إيه؟”
”الجواب ده كان هيبوظ كل حاجة!” ندى بتصرخ بهستيريا. “بابا قال إن الوديعة هتتنقل لاسمك لما تتمي 25 والأمور هتبقى معقدة ومش هنعرف نشتري الشقة! انتي كان معمولك عزومة عيد ميلاد وتورتة وورد ورايحة تحتفلي.. كل حاجة كانت مريم مريم مريم!”
وفجأة.. انهيار ندى “الدرامي” عشان اسمها مش مكتوب على التورتة ظهر على حقيقته!
ندى ما انهارتش عشان مكتوب “مريم” بالكريمة على التورتة.. ندى سمعت بابا وماما بيتكلموا، وعرفت إن عيد ميلادي الـ 25 معناه إن “سبوبة الفلوس” اللي عايشة عليها هتقف!
التورتة كانت مجرد حجّة عشان تبوظ اليوم وتلهي الكل!
المحامي قال بهدوء: “أنسة مريم.. أنصحك فوراً توكلي محامي مستقيم يبدأ الإجراءات.”
”هعمل كده.”
بابا حنّن صوته فجأة: “يا حبيبتي…”
بقالي سنين ماسمعتش منه الكلمة دي.
“إحنا ممكن نصلح كل حاجة..”
”لأ يا بابا، انتوا هتشرحوا اللي حصل للقانون.”
”أنا كنت بحمي العيلة!”
”تحمي العيلة مني؟ من حقي اللي سيباهولي تيتة؟!”
”إحنا اللي ربيناكي!”
”وانتوا اللي بعتولي الفاتورة وحاسبتوني على كل يوم!”
قفلت السكة في وشهم.
ولأول مرة من يوم ما سبت البيت.. عيطت. مش بعياط درامي.. قعدت على الأرض وجنبي الشنط، وعيطت على كل عيد ميلاد تنازلت عنه، كل فاتورة دفعتها، وكل مرة اعتذرت فيها عشان كان ليا طلبات زي أي بني آدم.
الحقيقة الأخيرة
على مدار الـ 3 أسابيع اللي بعد كده، حياتهم القديمة اتفككت:
حجز شقة ندى اتلغى.
القرض اتترفض.
المحاسب القانوني راجع حسابات الوديعة، واكتشف إنهم سحبوا أكتر من 1.5 مليون جنيه بغير وجه حق!
كان ممكن أرفع قضايا اختلاس وتزوير وأحبسهم، بس الأستاذ سمير عملهم عرض:
إخلاء البيت خلال 60 يوم.
بيع عربية ندى اللي اتشرت من الوديعة.
توقيع إقرار بدين ورد المبالغ على أقساط.
بابا قال عليا قاسية.. وماما قالت عليا مفترية.. وندى كتبت على الفيس بوك إن أختها “بتدمر العيلة عشان الفلوس”.
وسبتهم يفهموني غلط.. ما دافعتش عن نفسي ولا كلمة.
بعد 62 يوم، رجعت البيت في القاهرة.
البيت كان شكله أصغر مما فاكرة. بابا كان بيشيل الكراتين لـ عربية نص نقل، وماما واقفة على الباب وعينيها ورمانة من العياط، وندى قاعد في عربية شاهين قديمة ومستعملة وبتصلي بنظرات كره.
”أخدتي كل حاجة،” ندى قالتلي بمرار.
بصيت في عينها: “لأ.”
ضحكت بسخرية: “أخدتي البيت، والفلوس، ووديعة تيتة!”
”لأ يا ندى.. أنا أخدت اللي فاضل بس. انتي اللي أخدتي سنين من ورثي، أخدتي اهتمام بابا وماما، كل احتفال، كل إنقاذ، وكل دلع.”
ندى بصلت بعيد وسكتت.
ماما قربت مني: “انتي بجد هتعيشي هنا لوحدك يا مريم؟”
”لأ.. أنا هبيعه.”
بابا وقف مصدوم: “تبيعيه؟! البيت ده بتاع العيلة بقاله 30 سنة!”
”لأ يا أستاذ رؤوف،” صوت جه من ورايا. المحامي سمير نزل من عربيته ماسك ملف في إيده: “البيت ده كان ملك الحاجة فاطمة.”
وبعدين بصلي وقال: “مريم.. وأحنا بنراجع أوراق التركة، لقينا الجواب ده. مكتوب عليه لا يفتح إلا بعد نقل الوديعة.”
إيدي أترعشت وأنا بفتح الجواب اللي عليه اسمي بخط جدتي فاطمة.
أول جملة خلت جسمي يتنفض:
”حبيبتي مريم.. لو بتقري الجواب ده، يبقى أنا فشلت إني أقولك الحقيقة وأنا عايشة. رؤوف وليندا مش أباكي وأمك الحقيقيين.”
بصيت للمحامي بذهول وكملت قراءة..
جدتي شرحت إن أمي الحقيقية هي “رباب”، البنت الصغرى للجدة فاطمة.. اللي كانوا دايماً يقولولي عليها “عمتك اللي توفت وهي صغيرة”.
رباب ماتت في حادثة عربية وأنا عندي 11 شهر.. وبابا وماما تبنوني رسمياً.
والفلوس والبيت؟ دي كانت أصلها مبلغ التأمين على حياة أمي الحقيقية “رباب” وورثها الخاص! الفلوس عمرها ما كانت ملك أهلي.. دي كانت ملك أمي اللي مسحوا وجودها من حياتي!
بصيت لبابا.. وشه كان أبيض زي الورقة.
“كذبتوا عليا حتى في أمي؟!”
ماما انهارت في العياط: “كنا عايزينك تحسي إنك بنتنا!”
”انتوا قعدتوا 24 سنة تخالوني أحس إني أقل من أي حد!”
محدش نطق.. ندى كانت باصة بذهول، ولأول مرة في حياتها مفيش كلمة واحدة تطلع من بوقها.
قريت أخر فقرة في جواب جدتي:
”يمكن في يوم تفتكري إن قوتك معناه إنك تشيلي شيلة الكل.. ده مش صح يا مريم. القوة الحقيقية إنك تعرفي امتى تحطي الحمول من على كتافك وتمشي.”
قفلت الجواب.
وبصيت للعيلة اللي قضيت عمري كله بحاول أشتري حبها بالخدمة والتضحية.. وأخيراً فهمت:
أنا عمر ما كان صعب حد يحبني.. أنا بس كنت متحاطة بناس فاكرة إن الحب عبارة عن شيك لازم أدفع تمنه من صحتي وكرامتي.
بعد 6 شهور.. البيت اتقفل واتباع.
اشتريت شقة صغيرة هادية في الدهار في الغردقة، بطل على البحر.
الفستان الأزرق متعلق في دولابي.. ولبسته تاني في عيد ميلادي الـ 26.
مفيش ورد اتسرق.
مفيش عزومات اتلغت.
ومفيش دراما.
الأستاذ سمير جه، واثنين من زمايلي الجداد في الشغل، وجارتنا الطيبة.
وفي نص الترابيزة.. كانت في تورتة شيكولاتة بسيطة.. مكتوب عليها بالكريمة كلمة واحدة:
مـريـم
بصيت للتورتة لثواني.. وبعدين ضحكت من قلبي.
عشان من سنة واحدة بس.. كان اسمي على التورتة سبب إنه يهد عيلة كاملة.
دلوقتي أنا عرفت الحقيقة.. اسمي عمره ما هد حاجة.. اسمي بس كان مكتوب على الحاجات اللي ملكي من الأول!