رجل الاعمال حصري لصفحة روايات رولا
الكل في المطعم كان فاكر إن راجل الأعمال الهيب والشداد “مراد الألفي” اتعرض لإحراج عمره في معاده مع العروسة اللي طنشته ومجتش.. لحد ما دخلت طفلة صغيرة المطعم برجليها، قعدت على الكرسي الفاضي، وسألته سؤال واحد بس كفيل إنه يهد إمبراطوريته ويهزه من الجذور!
على الساعة تمانية إلا ربع في ليلة جمعة مطرها ما بيقفش، كان “مراد الألفي” خلاص بيجيب جاكيت بدلته ومتأكد إن الست اللي كان المفروض يقابلها يا إما جاب ورا وخافت، يا إما عملت أذكى قرار في حياتها وما جتش.
كان لسه بيمد إيده يمسك الجاكيت لما جرس باب المطعم رن.
كل الراجل في المكان اللي يعرفوا اسم مراد وهيبته كانوا مستنيين يشوفوا ست مكسوفة وداخلة بتجري تعتذر عن التأخير.
بس بدل الست، دخلت طفلة صغيرة لابس كابوتشي أحمر وطالعة من المطارة.
كان عندها يجي خمس سنين كده.
المية كانت بتنزل من طرف الجاكيت بتاعها على أرضية مطعم “البرنس” الهادي في الكوربة بمصر الجديدة. وفي حضنها كانت ماسكة دبدوب رمادي مقطوع وأذنه المقطوعة متخيطة بخيط أسود باين وبشع.
البنت فضلت تبص في المكان لحد ما عينيها جت على مراد.
ومشيت بخطوات ثابتة ومباشرة ناحية أرعب راجل في المطعم كله.
مراد فضل واقف جنبه التربيزة بتاعته في الركن.
كان عنده تسعة وتلاتين سنة، طول بعرض، لابس بدلة رمادي غمق متفصلة عمود مخصوص عشان تداري جراب المس/دس اللي تحت دراعه. كان بيملك مطاعم وشونات ومخازن وشركات مقاولات، وأراضي كفيلة تخلي أكبر رجال الأعمال يسلموا عليه باحترام في حفلات الخير.
وكان كمان بيحرك كل حاجة في السوق، إمبراطورية ورثها عن أبوه اللي علمه قبل ما يكمل خمسطاشر سنة إن الرحمة رفاهية غالية والضعف معناه الموت.
اللي كان بيبقى مديون لمراد بفلوس ما كانش بيعرف ينام.
واللي كان بيفكر يخونه كان بيختفي من على وش الأرض.
بس الطفلة دي ما كانش باين عليها أي انبهار أو خوف.
وقفت جنب التربيزة بتاعته، زنقت الدبدوب في حضنها أكتر، ورفعت راسها:
“عمو مراد؟”
مراد بص ناحية “عماد” مدير المطعم.. عماد كان بدأ يتحرك من ورا البار عشان يتصرف.
رفع مراد صباع واحد بس.
عماد وقف مكانه فوراً.
”أيوة”، قالها مراد.
البنت بلعت ريقها:
“مامي بتعتذرلك جداً إنها ما قادرتش تيجي.”
مراد فضل ساكت كام ثانية.
شمعة الترابيزة كانت عمالة تتأرجح بالراحة.
كان بقاله تلاتة وعشرين دقيقة فاكر إن “نورا عز الدين” طنشته. أخت أبوه “رشا” هي اللي كانت مرتبة العزومة دي بعد شهور من الزن وإن مراد نسي إزاي البني أدمين الطبيعيين بيعيشوا.
نورا كان المفروض عندها تلاتة وتلاتين سنة، مطلقة، شغال ممرضة طوارئ في القصر العيني، وأم لطفلة عندها خمس سنين.
رشا كانت ورته صورة واحدة ليها.. ومراد بص عليها بصه سريعة وما ركزش.
دلوقتي، الطفلة اللي واقفة قدامه دي كان ليها نفس الشعر البني الدافي والعينين الرمادي الجادة.
”مامتك هي نورا؟”
البنت هزت راسها: “أنا فريدة.”
مراد بص ناحية الباب:
“مين اللي جابك هنا يا فريدة؟”
“تاكسي.”
وشه اتغير فوراً:
“فين الكبيرة اللي جت معاكي؟”
فريدة اترددت:
“محدش كبير جه معايا.”
عماد مدير المطعم ورا البار تمتم بصوت واطي بحاجة شبه الدعاء.
مراد قعد تاني بالراحة على الكرسي:
“إحكيلي بالضبط إيه اللي حصل.”
فريدة اتسلقت الكرسي وقعدت قصاده، رجليها الصغيرين ما كانوش واصلين للأرض. حطت الدبدوب بتاعها بالراحة جنب الفوطة اللي محدش استخدمها.
”مامي اضطرت تقعد في الشغل عشان جه حادثة كبيرة في الطوارئ وناس كتير اتجرحوا.. هي اتصلت بطنط سميحة، بس طنط سميحة كانت نايمة.”
”مين طنط سميحة؟”
“دي جارتنا بتقعد معايا ساعات.. عندها اتنين وسبعين سنة، بس هي بتقول ٧٢ سنة مش كبر إلا لو ركبتكشتكت منك!”
رغم قسوته، مراد كان هيبيتسم غصب عنه.
فريدة كملت:
“أنا سمعت الرسالة اللي مامي سابتها على التليفون.. كان صوتها زعلان.. وقالت إنها كان نفسها تيجي النهاردة أوي.”
مراد ساند بضهره لورا:
“وبعدين؟”
“أنا كنت عارفة اسم المطعم عشان مامي كاتباه على النتيجة في المطبخ.. وكان معايا تمانية وعشرين جنيه في الحصالة.”
”أخدتي التمانية وعشرين جنيه، وخرجتي من البيت لوحدك، وركبتي تاكسي؟”
شجاعة فريدة بدأت تتهز:
“لما بتقولها بالطريقة دي بتبان حاجة وحشة أوي..”
“هي حاجة وحشة فعلاً.”
عينيها نزلت في الأرض.
مراد عرف الخوف في عينها فوراً.. أصل قضى عمره كله بيزرع الخوف ده في قلوب الناس.
بس ما حبش يشوفه في عينها هي بالذات.
نعّم صوته شوية:
“أنا مش زعلان منك.. بس إياكي تعملي كده تاني أبداً.”
فريدة بصتله بحذر: “حتى لو مامي زعلانة؟”
“بالذات لو مامتك زعلانة.”
“ليه؟”
“عشان لما تحبي تسعدي حد بتحبيه، مش المفروض تحطي نفسك في خطر.”
فكرت في كلامه بجدية كأنها بتتعلم قانون مهم في الحياة.. وبعدين هزت راسها:
“ماشي.”
مراد طلع تليفونه واتصل برشا.. ما ردتش.
جرب رقم نورا.. رد عليه الكول سنتر بتاع المستشفى.
قفل السكة وبص لعماد:
“هات هوت شوكليت.”
“للطفلة؟”
مراد بص له بصه حادة.
عماد بلع ريقه: “حاضر.. فوراً.”
”وهات أكل كمان.”
فريدة قالت بسرعة: “أنا اتعشيت خلاص.”
مراد بص لها: “اتعشيتي إيه؟”
سكتت ثانية بثبات: “كورن فليكس.”
“نوع إيه؟”
“اللي فيه مارشميلو.”
“ده مش عشا.”
“كان فيه لبن!”
مراد بص لعماد: “هات طبق مكرونة.”
فريدة همست: “ممكن ينزل عليها جبنة كتير؟”
مراد ابتسم تاني بالراحة: “ينزل عليها جبنة.”
ولحد ما عماد اختفى ناحية المطبخ، مراد قعد يتأمل البنت اللي قطعت نص القاهرة عشان تنقذ المعاد بتاع مادتها.
”الدبدوب ده اسمه إيه؟”
“سمسم.”
“سمسم؟”
“شكله شبه سمسم.”
مراد بص لإذنه الممتلية خياطة: “أظن فعلاً شكله كده.”
فريدة بصت لإيد مراد الشمال.. أكمام القميص اتزاحت شوية فبانت ساعة دهب قديمة وشها مخدوش.
“الساعة دي شكلها قديمة أوي.”
“أيوة.”
“أقدم منك؟”
“أيوة.”
“أقدم من مامي؟”
“أيوة.”
“أقدم من طنط سميحة؟”
مراد سكت ثانية: “غالباً لأ.”
فريدة هزت راسها بإعجاب: “يبقى مش قديمة أوي يعني.”
ولأول مرة الليلة دي، مراد ضحك.
ضحكة صريحة وصغيرة خلت عماد وهو راجع بكوباية المية كان هيوقعها من إيده من الصدمة.
فريدة ابتسمت: “حلوة دي.”
“إيه هي؟”
“ضحكتك.”
وش مراد رجع للجمود تاني:
“انتِ بتقيمي ضحك الناس؟”
“ساعات.”
“ليه؟”
“عشان مامي مابقتش تضحك كتير.”
الإجابة نزلت عليه تقيلة أكتر من المتوقع.
عماد حط الهوت شوكليت وانسحب بالراحة.
فريدة بدأت تقلب الكريمة في الكوباية.
”مامي بتساعد الناس لما بيكون عندهم أوحش يوم في حياتهم.. ساعات الناس بتزعق فيها، وساعات بيبقى فيه دم على هدومها.. وفي راجل مرة رجع على جزمتها.”
مراد رفع حاجب: “موقف مش لطيف خالص.”
“هي قالت الجزمة بتتغسل عادي.”
أخدت بؤ:
“هي بتقول للناس الخايفين إيه اللي بيحصل قبل ما الدكاترة يعملوا أي حاجة.. بتقول إن الناس بتخاف أقل لما حد يشرحلهم.”
مراد ما نطقش.
“هي بتشتغل نايت شفت عشان الشفت الليلي بفلوس أكتر.. بس ساعات بتشتغل الصبح كمان، وساعات بتنام وهي قاعدة على الكرسي.”
ما كانش فيه أي نبرة شفقة على نفسها في صوت البنت.. مجرد ملاحظات.
مراد سألها بحذر: “وباباكي؟”
فريدة حركت المعلقة في الرغوة: “مشى.”
“إمتى؟”
“في عيد ميلادي التاني.”
مراد ندم إنه سأل.. بس فريدة ما اتضايقتش.
“كان فيه تورتة.. مامي عملت فيها قوس قزح، واللون الأزرق خلى سناننا كلها زرقا.. بس بابا مشى قبل ما نأكلها.”
“بتشوفيه؟”
“لأ.”
“بيتصل؟”
“لأ.”
مراد قعد يبص للمطر وهو نازل على الإزاز برة.
أبوه هو ما مشيش وسابه.. ويمكن لو كان مشى كان هيبقى أسهل.
“عزت الألفي” فضل موجود لحد ما علم ابنه إن الحب امتلاك، والولاء طاعة، والألم والوجع لازم يتدفنوا تحت المسئولية لحد ما محدش يشوفهم.
وبعدين عزت اتقت/ل لما مراد كان عنده واحد وعشرين سنة.
وأمه عاشت بعدها سنة ونص قبل ما الحزن ياكل الباقي من صحتها.
وعلى سن تلاتة وعشرين سنة، مراد بقى بيمتلك إمبراطورية عمره ما طلبها، وما كانش بيثق في حد كفاية عشان يعترف له بالحقيقة دي.
فريدة أخدت بؤ كمان من الهوت شوكليت:
“ممكن أسألك حاجة؟”
“انتِ باين عليكي مصممة تسألي.”
“هو أنت وحيد؟”
عينه رجعت لها تاني..
ما كانش فيه حد كبير بيجرؤ يسأل مراد الألفي سؤال زي ده.
ولا شغالين عنده، ولا منافسين ليه في السوق.
وحتى الستات اللي عرفهم كانوا بيعرفوا بسرعة إن فيه أبواب مقفولة وممنوع يقربوا منها.
مراد عنده فيلا بتطل على النيل في المعادي، فيها جنينة وسبع أوض.. معظم الليالي بياكل لوحده على ترابيزة تسع أربعتاشر فرد.
عنده مئات الأرقام متسجلة على تليفونه، وبس تقريباً محدش يقدر يتصل بيه الساعة اتنين بالليل لمجرد إن السكوت بقى تقيل ومش مستحمل.
كان هيقول “لأ”..
بس فريدة فضلت مستنية..
مراد بص للدبدوب الرمادي اللي بينهم على الترابيزة:
“أيوة.”
هي هزت راسها كأنها كانت متوقعة الإجابة:
“مامي هي كمان وحيدة.”
مراد فرك إبهامه على حافة ساعته القديمة المخدوشة:
“انتِ بتقولي للغرباء حاجات كتيرة أوي عن مامتك.”
“أنت مش غريب.”
“أنا عارفك من عشرين دقيقة بس.”
“بس أنت كان المفروض تقابل مامي.”
“ده ما يخليناش نعرف بعض.”
فريدة كشرت كأن منطقه معقد بزيادة ومن غير داعي:
“طنط رشا قالتلي إنك راجل جدع.. بس نسيت إزاي تفرح.”
مراد اتثبت في مكانه تماماً وماتحركش:
“رشا قالتلك كده؟”
”هو المريض عاش؟”.. السؤال ده خرّج “نورا” من صدمتها وخلّى عينها تبرق، ولما ردت ببساطة وقالت “أيوة”، رد عليها “مراد” بكلمة واحدة غيرت مفهومها عنه كلياً: “يبقى أنتي كنتي في المكان اللي المفروض تكوني فيه”.. وفي الوقت اللي الكل بيتحسر فيه على عزومة فاتته أو ميعاد اتلغى، مراد كان الوحيد اللي قدر شغلاها وإنسانيتها، ومن اللحظة دي.. البداية الحقيقية بدأت!
نورا بصت له بذهول وتركيز:
“أنت بتتكلم جد؟”
“أيوة.”
فريدة شدت إيد أمها بطفولية وذكاء:
“ممكن تديله فرصة تانية يا مامي؟”
خدود نورا احمرت من الإحراج:
“فريدة! إيه الكلام ده؟”
“إيه يا مامي؟”
“البسي الجاكيت بتاعك فوراً.”
“بس يا مامي—”
“قلت فوراً.”
مراد قام وقف بكل هيبته وقاطعهما:
“السبت الجاي.”
نورا بصت له بذهول، فكمل بكلام حاسم:
“الساعة سبعة.. نفس الترابيزة.”
“أنت لسه عايز تقابلني؟”
“أيوة، عايز.”
فريدة حطت إيديها الإثنين على بؤها وهي طايرة من الفرحة، ونورا بصت بين مراد وبين بنتها.. ورغم التعب والخوف والإحراج والغربة اللي حسيت بيها الليلة دي، ابتسمت من قلبها:
“ماشية.. موافقة.”
السبت اللي بعده، نورا وصلت الكوربة قبل الميعاد بأحد عشر دقيقة.
مراد كان قاعد ومستنيها بالفعل.
أول نص ساعة، الكلام كان بحذر وشزايا استكشاف.. اتكلموا عن فريدة، عن شغل المستشفى والقصر العيني، وعن طلاق نورا.. لحد ما نورا سابت الشوكة من إيدها وبصت له في عينه:
“أنت شغال إيه بالظبط؟”
مراد كان فاهم السؤال كويس، أخته رشا أكيد حذرتها ولمحت لها.
كان ممكن يديها الإجابة المتلمعة اللي بتتنشر في الجرايد؛ إنه بيمتلك مجموعة شركات الألفي للمقاولات، وأسطول نقل، وست مطاعم، وفندقين.. الكلام ده كله صح، بس مش كامل.
”عيلتي بنيت بيزنس في زمن كان الناس في مناطق معينة بيثقوا في كلمة العائلات والاتفاقات الودية أكثر من المحاكم والقانون.”
نورا فضلت باصة له وثابتة:
“ده أسلوب شيك أوي عشان تقول بيا إنكم بتشتغلوا في الشمال والمافيا.”
“هو كده فعلاً.”
“ولسه شغال في السكة دي؟”
“أيوة.”
نورا بصت في الأرض، وفي اللحظة دي مراد حس بشعور غريب عليه تماماً.. حس بالخزي والشعور بالذنب! مش خوف إنها تحكم عليه، ولا مضايقة.. بس حزن إن الإجابة دي ممكن تخلي الست التعبانة دي تقوم وتسيبه وتمشي.
نورا سألته: “أذيت ناس قبل كده؟”
“أيوة.”
“ناس ملهمش ذنب؟”
“مش بجميع الأحوال ولا بقصد.”
“أنا ما سألتكش بعمد ولا لأ.”
مراد بص لها بشفافية:
“مفيش شبكة أو شغلة زي شغلتي بتعيش سنين طويلة من غير ما ييجي ناس ملهمش ذنب ويدفعوا التمن.. حتى لو الراجل اللي على رأس الشبكة دي بيضحك على نفسه ويقول غير كده.”
نورا سكتت شوية وقالت:
“يمكن دي أرعب إجابة كان ممكن أسمعها منك.”
“عارف.”
“بس يمكن تكون أصدق إجابة برضه.”
هو استنى رد فعلها، فنورا سندت بظهرها لورا وقالت بثبات:
“بنتي مش هتبقى كبش فداء أو مجرد خسائر جانبية في العالم اللي أنت عايش فيه.”
“مش هيحصل.”
“أنت ما تقدرش توعدني ب ده.”
مراد اعترف بشجاعة: “أيوة.. طول ما أنا عايش بنفس الطريقة اللي عايش بيها دلوقتي، ما أقدرش أوعدك.”
الكلام ده فاجئها.. وفاجئه هو شخصياً!
نورا اتأملته لثواني وقالت:
“أنا بمد إيدي كل يوم وبشوف النتائج بنفسي في الطوارئ.. السواق السكران بيبقى فاكر إن قراره الخاطئ ده بتاعه لوحده، وفجأة بيجيلي ست حالات متقطعين على السراير. الراجل اللي بيكبر دماغه من وجع صدره عشان عنده اجتماع مهم، بتيجي بنته عندها اتناشر سنة تقعد جنب سريره في الإنعاش وبتسأل ليه محدش خلاه يروح للدكتور بدري؟”
قفلت إيديها على الترابيزة وكملت:
“الناس فاكرة إن العواقب دي عقاب.. بس هي مش عقاب، هي ببساطة ‘اللي بييجي بعد كده’.”
مراد بص لها وقال:
“وإيه اللي هييجي بعد كده بالنسبة ليا؟”
“ما اعرفش..” أخدت نفس عميق وكملت: “بس لو عايز تكون جزء من حياة فريدة، لازم تقرر من جواك.. هل الراجل اللي قاعد قدامي ده يهمك أكتر، ولا الراجل اللي السوق والناس كلها بتترعب منه؟”
بقاله سنين طويلة محدش اتجرأ يكلم مراد الألفي بالطريقة دي.
كان المفروض يغضب أو يتنرفز.. بس بدل ده، افتكر فريدة لما سألته في المطعم: “هو أنت وحيد؟”
رد بهدوء: “هفكر في كلامك.”
نورا هزت رأسها: “ده كل اللي بطلبه منك.”
العلاقة بينهم بدأت تكبر بالراحة وببطء.
مراد عرف إن نورا بتبدء يومها بقهوة بلبن كتير أوي بعد شفتات الليل، وقهوة سادة من غير سكر بعد شفتات النهار.. عرف إنها بتكره الورد البلدي بس بتموت في ورد النرجس بتاع السوبر ماركت عشان أمها كانت بتشتريه لها كل جمعة.
عرف إن شغل الممرضات مش مجرد إنها ماشية ورا الدكاترة بشيتات زى ما الناس فاكرة.. نورا كانت بتشخص الحالات قبل ما الدكتور يوصل، بتلحق أخطاء الأدوية، بتبص على نفس المريض قبل ما أجهزة المراقبة تصفّر، وبتشرح الشغل لأهالي المرضى المذعورين، وساعات كتير كانت بتمسك إيد مريض بيموت وأهله ما لحقوش يوصلوا.
في ليلة، مراد كان رايح ياخدها بعد الشغل، شافها قاعدة لوحدها على دكة خرسانة قدام باب طوارئ القصر العيني.
ما أخدتش بالها من عربيته، فقرب منها بالراحة.
نورا رفعت رأسها وقالت بصوت مجهد:
“آسفة يا مراد.. اديني دقيقة بس.”
“في إيه؟ إيه اللي حصل؟”
“ولد صغير مات.”
مراد قعد جنبها، وهي فضلت باصة على العربيات واللي رايح واللي جاي:
“عنده سبعتاشر سنة.. حادثة موتوسيكل.. وأمه كانت جاية تجري بالعربية من الإسماعيلية.”
مراد استنى وسكت.
“ما لحقتش تشوفه قبل ما يموت..” صوت نورا بدأ يترعش.. “أنا قعدت جنبه ومسكت إيده.. كان عمال يسألني هي ماما عرفت أنا فين وجاية؟ فقلت له أيوة، أيوة يا حبيبي هي عرفت وجاية في السكة.. أنا ما كنتش اعرف حد وصل لها ولا لأ، بس قلت له كده عشان ما يموتش خايف.”
مراد ما نطقش ولا كلمة.
“كان خايف أوي.”
“بس أنتي فضلي جنبه.”
“ما كانش ينفع أسيبه يموت خايف لوحده.”
مراد بص للست اللي قاعدة جنبه، وأدرك في اللحظة دي إن الشجاعة الحقيقية مش س/لاح وحراسة وإمبراطورية.. الشجاعة ممكن تكون لابس جزيمة مريحة، وشايلة كارنيه مستشفى بلاستيك، وبتصحى تاني يوم الصبح عشان تنقذ أروح جديدة!