جوزي أصر إني أطبخ ورجلي مكسورة حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
الموقف كان صعب، والوجع كان مالي رجلي. جوزي أصر إني أطبخ لـ 30 عزومة كاملة وأنا واقفة على رجل مكسورة ومحطوطة في جبس طبي، وهو قاعد بره جنب البيسين بيشرب عصيره ومأنتخ وبيقول للناس كلها: “دي بتهول ومكبرة الموضوع!”.. بس أمه لما دخلت المطبخ وشافت المنظر، خلت نهار أبوه أسود وقررت تخليه يندم على كل لحظة!
​أنا اسمي مريم، عندي 35 سنة، شغالة أخصائية علاج طبيعي أطفال في القاهرة. وقبل العزومة بـ 12 يوم بالضبط، اتكعبلت على سلم البيت ورجلي اتكسرت. الدكتور كان كلامه واضح وصريح ومفيهوش فصال: “مفيش وقوف، مفيش تحميل على الرجل، ومفيش أي مجهود ولا عزومات خالص الفترة دي.”
​حسام جوزي كان قاعد جنبي وسامع الدكتور بنفسه وهو بيقول الكلام ده. بس قبل العزومة بثلاث أيام، لقيتها جاي يقولي إن نلغي العزومة دي حاجة هتكسفه قدام قرايبه وزمايله في الشغل: “ما طبخي وانتِ قاعدة على كرسي! الموضوع مش حوار يعني ولا تموتِ فيها!”
​على الساعة 12 الضهر يوم السبت، المطبخ كان عبارة عن فرن، الحرارة تعدت الـ 40 والفرنين شغالين والحلل مالية البوتاجاز. كنت بتنقل بين الرخامات بالشاروق والوجع طالع من كعب رجلي لحد وركي. وكل كام دقيقة، حسام يدخل عليا المطبخ من جنينة البيت، مش عشان يساعدني، لا.. عشان يسأل: “التتبيلة جهزت؟ والمقبلات فين؟”
​وبره في الجنينة، 30 واحد عمالين يضحكوا حوالين البيسين وصوت الثلج وهو بيترج في الكاسات واصل لعندي، وسامعة حسام وهو بيقول لواحد صاحبه: “مريم بتموت في الوقفة في المطبخ والموضوع ده هوايتها!”.. وقفت متنحة للصينية اللي في إيدي لحد ما عيني زغللت. أوقات الإهانة مش إن حد يزعقلك، الإهانة الحقيقية إن حد يشوف عذابك ويقول للناس إن دي هوايتك!
​على الساعة 4 ونص، حماتي، الحجة نادية، وصلت بدري. الست دي قضت 28 سنة شغالة ممرضة في أسرّة الطوارئ في القصر العيني قبل ما تطلع معاش، وبتلمح التفاصيل اللي محدش بياخد باله منها. أول ما دخلت، عينها جت على طول على رجلي المورمة، وبعدين على بقعة الدم الحمرا اللي طالعة من تحت الرباط والجبس.
​قالتلي بصدمة: “إيه ده؟ إيه اللي حصل يا مريم؟”
حاولت أقول الجملة اللي بكررها طول اليوم: “أنا كويسة يا طنط..”
سحبت المعلقة من إيدي وقالتلي: “لا يا حبيبتي، أنتِ الكلام ده تقوليه للأطفال اللي بتعالجيهم، إنما أنا لا.”
​في اللحظة دي دخل حسام المطبخ وهو ماسك كاس فاضي وقال: “يا أمي بلاش دراما أرجوكِ.”
طنط نادية بصتله، وبعدين بصت للأكل اللي مالي الرخامات: “هي اللي طبخت كل ده؟”
حسام هز كتفه ببرود: “كنا متفقين، وهي وافقت عادي.”
بصيتله وقلت بصوت مكسور: “أنا تحايلت عليك ثلاث مرات نلغي العزومة يا حسام!”
​نظرة طنط نادية اتغيرت تماماً.. مفيش صوت عالي، بس نظرة مرعبة تجمد الدم في العروق. طلعت تليفونها وطلبت رقم الطوارئ بتاع الدكتور بتاعي، وقعدتني على الكرسي بالعافية. ولما الممرضة سمعت منها إن رجلي مورمة ونزفت وواقفة أطبخ بقالي ساعات، قالتلها لازم تيجي المستشفى فوراً.
​حسام اتنهف بزهق وقال: “هو بجد؟ في نص العزومة بتعملوا الحركات دي؟”
طنط نادية بصت لابنها بجمود وقالتله بكلمة واحدة: “عزومتك انتهت خلاص.”
وخرجت للجنينة، طفت D.J الموسيقى، ووقفت قدام الـ 30 ضيف وقالت بصوت هز المكان:
“يا جماعة معلش كل واحد يتفضل على بيته، مرات ابني محتاجة مستشفى وطوارئ فوراً.. وابني محتاج يتربى من أول وجديد ويتعلم يعني إيه رجولة وجواز!”
في طوارئ مستشفى القصر العيني، الأطباء أكدوا إن الوقفة والضغط على رجلي تسببوا في مضاعفات شديدة وورم جامد تحت الجبس. الحمد لله العظم ما تحركش من مكانه ومحتاجتش عملية، بس الدكتور زود فترة العلاج والراحة التامة وتحذير شديد اللهجة: “لو كان الوضع ده استمر ليوم كمان، كانت الرجل هتخش في التهابات ومضاعفات خطيرة جداً!”
​طول الوقت ده، طنط نادية كانت قاعدة جنبي على السرير في المستشفى وما سابتنيش لحظة. حسام جه بعد ساعتين كاملين، مش عشان يطمن، لا.. كان متضايق ومغلول إن الناس مشيت قبل ما ياكلوا التورتة والتحلية!
​بصلي بغضب وقال: “أنتِ كسفتيني قدام صحابي وقرايبي!”
طنط نادية وقفت من على الكرسي بسرعة لدرجة إن الكرسي اترزع في الأرض، وقالتله بصوت يقطع العرق والسيخ: “أنتَ اللي جبتها المستشفى عشان خايف على شكلك وكسفتك قدام الناس!”
​حسام بصلي وقال ببرود: “ما كنتِ تقولي لا من الأول!”
في اللحظة دي، حسيت بحاجة جواه سكتت للأبد، قلتله بهدوء غريب: “أنا قلتلك لا.. تحايلت عليك وقلتلك لا.”
​فتحت تليفوني ووريت أمه الرسائل بتاعة الأسبوع اللي فات كلها: “أرجوك يا حسام نلغي العزومة.. مش قادرة أقف على رجلي.. الدكتور منعني من الحركة.”.. وكانت ردوده تحتها مسجلة: “بلاش دراما ومكبرة الموضوع ليه؟ لازم تعملي العزومة دي، مش عايز أقعد أشرح للناس إن مراتي مش عارفة تعمل شوية أكل!”
​طنط نادية قريت كل كلمة..
وبعدها عملت تصرف صدمنا إحنا الاتنين؛ ما زعقتش، ما ضربتوش، وما عملتوش شو.. قالت بكلمة واحدة وبمنتهى الهدوء: “مريم هتيجي معايا بيتي النهاردة.”
​حسام ضحك بسخرية: “دي بيتها معايا أنا!”
ردت عليه بجمود: “أنا عارفة.. وهي دي المشكلة أساساً!”
​في بيت طنط نادية في المعادي، دخلتني أوضة الضيوف، حطت جمبي الدوا والمية والعكازات، وقبل ما تطفي النور بصتلي وقالت: “أنا قعدت سنين أعدي لحسام وأبررله أنانيته على إنها طموح، ورذالته على إنها ثقة بنفسه.. أنا آسفة يا مريم إنك دفعتِ تمن اللي أنا رفضت أشوفه في ابني.”
​تاني يوم الصبح، صحيت على 47 مكالمة فائتة من حسام.. وأخر رسالة منه كانت: “لو أرجع بالزمن مش هفكر أرجعلك.. لو ما رجعتيش البيت النهاردة، ما ترجعيهوش خالص.”
فضلت بصة للرسالة فترة، وبعدين أخدت “سكرين شوت” وهمست لنفسي: “تمام.. موافقة.”
​ما رجعتش البيت اليوم ده، ولا اللي بعده. في أول أسبوع، كنت بضحك على نفسي وأقول إنها فترة مؤقتة لحد ما أقدر أمشي على رجلي، بس البعد مكّنني أشوف العلاقات على حقيقتها. من غير ما حسام يكون واقف قدامي يبرر كل موقف ويقلبه عليا، 6 سنين جواز بدأوا يترتبوا في عقلي صح.
​هو ما بقاش قاسي فجأة لما رجلي اتكسرت، الكسر بس أظهر حقيقته اللي كانت مستخبية. طول السنين دي كان بيلبسني في عزومات ومجاملات من غير ما ياخد رأيي، يتفق مع زمايله ويطلب مني أضايفهم، ويسخر مني لو تعبت، وأي حد بحطه لنفسي كان بيعتبره “عدم دعم لشغله ومستقبله”.. وأنا كنت ببرر وأعدي لأن الموقف لوحده ما كانش باين إنه كارثة.
​الجميل إن طنط نادية عمرها ما قالتلي “اتطلقي”. كانت بتوديني المواعيد، وجابتلي أخصائي علاج طبيعي يجيلي البيت، ولما طلبت منها محامي أحوال شخصية جابتهولي وقالتلي: “ناس كتير قرروا عنك تعملي إيه.. القرار ده لازم يكون بتاعك أنتِ وبس.”
​حسام جرب كل الطرق عشان أرجع.. بدأ بالزعيق والغضب، وبعدين بوكيهات ورد، وبعدين إيميل طويل عريض بيلوم فيه ضغط الشغل، ولما كل ده فشل، جه وقاف قدام باب شقة أمه وعيط وقال: “أنا ما كنتش فاهم الموضوع صعب قد إيه!”
بصيتله من ورا السلك وقلتله: “الدكتور فهمك، وأنا فهمتك، وأمك فهمتك.. أنتَ كنت فاهم كويس، بس كنت شايف إن اللي أنتَ عايزه أهم من وجعي.”
وما عرفش يرد عليّ بكلمة.
​رفعت قضية انفصال ونفقة.. وحسام بدأ يروح لدكتور نفسي لأن أمه هددته إنها مش هتتعامل معاه تاني لو كمل بأسلوبه ده، ورفضت تماماً تطبلّه قدام القرايب. لما كانوا بيسألوها هي مريم سابت البيت ليه؟ ما كانتش بتقول “مشاكل عادية”، كانت بتقولهم بصراحة: “ابني قسى على مراته وهي مريضة، وهي راحت مكان تحس فيه بالأمان.”
​الصراحة دي كلفتا كتير.. حسام قاطعها شهرين، وناس من القرايب اتهموها إنها بتبيع ابنها، بس هي كانت بترد رد واحد: “أنا بحب ابني، بس الحب مش معناه إني أطبل لغلطه أو أكدب عشان أغطيه.”
​على الخريف، كنت بدأت أمشي طبيعي ورجلي خفت تماماً.. ورجلي طابت أسرع بكثير من علاقتي بحسام. حاولنا نروح لاستشارات زوجية، بس اكتشفت إن ندمه كله كان على الحاجات اللي خسرها (بيته، خدمتي له، ونظرة أمه ليه)، مش على الوجع والعذاب اللي سببهولي!
​الطلاق تم رسمياً في الربيع اللي بعده.. الموضوع تم بهدوء، الشقة اتباعت والفلوس اتقسمت، ومحدش طلع بانتصار درامي. حسام كمل في العلاج النفسي، وبعد شهور بعتلي جواب بيعترف فيه بأخطائه كاملة من غير ما يطلب مني أرجع، وكان ده أول اعتذار منه ميهوش كلمة “بس أنتِ كمان…”.
​طنط نادية فضلت في حياتي.. في ذكرى يوم العزومة إياها، عزمتني عندها في البيت: 6 أفراد، أكل دليفري، وأطباق فوم! أول ما دخلت شاوريتلي على الكرسي وقالتلي: “شغلتك الوحيدة النهاردة إنك تقعدي وتاكلي بس!”.. وضحكت يومها من قلبي زي زمان.
​ونحنا بنلم الترابيزة سوا، قالتلي إنها لسه بتحب ابنها وبتدعي ربنا يهديه ويبقى راجل أفضل.. قلتلها وأنا كمان بتمناله ده. أنا ما سبتوش عشان أردله الصاع صاعين أو أتمناله الأذية، أنا سبته عشان أوقف أذية نفسي.
​الرجل المكسورة خفت بالوقت والراحة والعلاج الصح.. بس الدرس الأصعب كان إني أفهم إن التضحية العمياء مش حب، وإن الشخص اللي بيغير حياتك مش بالضرورة يكون البطل اللي بيجي ينقذك.. أوقات بيكون الشخص اللي بيصدمك بحقيقتك ويقولك: “كفاية عذاب.. أنتِ من حقك ترتاحي.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *