الممرضة حصري لصفحة روايات رولا

الساعة 2:17 الضهر، الممرضة حطت إقرار العملية السريعة على بطن “مي” اللي كانت بترتعش، عشان ترابيزة السرير ما كانش فيها مكان فاضي. الدم كان مغرق الفوطة اللي تحتها، وأجهزة المتابعة صوتها بيصرخ بنبضات مش منتظمة.. نبضات ثلاث توائم ضعاف بيعافروا عشان يعيشوا.
روايات رولا
​دكتورة “نهى” قالت بصوت ثابت بس نظراتها حادة:
​”يا مدام مي، لازم نعمل قيصرية طارئة فوراً! النبض عند التوأم التاني بيقع، والحبل السري ملفوف على التوأم التالت.. أي تأخير ممكن يكلفنا الحياة للثلاثة!”
​شفايف “مي” كانت ناشفة.. دارت برأسها ناحية الكرسي اللي جنب السرير، المكان اللي المفروض جوزها “أحمد” يكون قاعد عليه. “أحمد” ووعدها إنه طالع بس “يعمل مكالمة سريعة ويرجع”.. دا كان من أكتر من 40 دقيقة!
​همست وهي بتترجى:
​”جربوا تطلبوه تاني أرجوكم..”
​الممرضة طلبت الرقم.. الموبايل أداها مغلق أو غير متاح.
​في الناحية الثانية من البلد، وتحديداً في قاعة معزولة في نادي الجزيرة، كان “أحمد” واقف بيضحك بصوت عالي، و”منار” — حبه الأولاني القديم — ماسكة سك..ينة التورتة ومستنية تقطع تورتة الفراولة والشوكولاتة.
روايات رولا
​الموبايل اتز في جيبه، شاف اسم “مي”، كشر، وضغط على زرار الصوت لحد ما الشاشة انطفت خالص.
​قالتله “منار” بصوت واطي وناعم:
​”النهارده اليوم بتاعنا إحنا وبس.”
​ابتسم “أحمد”، قرب منها، ومسك إيدها عشان يقطعوا التورتة سوا.
​في غرفة العمليات، “مي” مسكت القلم بإيد متلجة..
​سألت:
​”لو ماضيت.. هيموتوا؟ ولا هيعيشوا؟”
​ردت الدكتورة:
​”إحنا هنعمل كل اللي نقدر عليه، بس امضي بسرعة!”
​”مي” مضت.
​العملية بدأت تحت الإضاءة البيضا القوية، و”مي” كانت بتسمع كلام مكسر من الدكاترة: “الضغط بيقع!”، “هات الشفاط!”، “البيبي الأولاني طلع!”، “جهز الحضانات بسرعة!”، “النزيف شديد مش راضي يوقف!”.
روايات
​كانت بتحاول تفضل صاحية ومفتحة عينها وهي بتكرر الأسامي اللي اختارتها لوحدها من غير مشاركته: نور.. مريم.. أمل.
​وفجأة.. سمعت صرخة العيل الأولاني!
​صوت رفيع بس مليان حياة.
​وبعدها صرخة التاني.
​وبعدين.. يسود السكوت!
​صرخت “مي” بصوت مكتوم:
​”والتالت؟! فين التالت؟!”
​رد حد من الطاقم:
​”بنحاول معاها، اصبري!”
​عينين “مي” بدأت تزوغ وتسود.. تخيلت في اللحظة دي إن “أحمد” يدخل من باب العمليات، مرعوب، ندمان، وبيختارها هي وأولاده أخيرًا. بس الواقع كان مجرد ممرضة ماسكة إيدها وبتطبطب عليها.
​بعد ساعات طويلة.. رجع “أحمد” المستشفى، وريحته فايحة برفان “منار” وريحة التورتة.
​طول ما هو في الأسانسير كان بيجهز السيناريو والمبررات في دماغه: “مي أوفر وبتأفور.. الدكاترة بيحبوا يهولوا الموضوع.. هقولها التليفون فصل شحن وخلاص.”
​بس لما وصل لـ دور الولادة.. لقوى الأوضة فاضية تماماً!
​السرير متجرّد من الملايات.. والورد اللي جابهوله زمايله في الشركة محطوط على شباك الأوضة محدش لمسه.. مفيش زوجة.. ومفيش أطفال!
​معدية ممرضة ماسكة ملفات في إيدها، مسك “أحمد” كمها بسرعة:
​”فين مدام مي؟ مراتي.. حامل في توأم وبتولد قيصري!”
​الممرضة برشت بعينيها باستغراب:
​”مدام مي؟”
روايات رولا
​”أيوه هي!”
​ملامح الممرضة اتحولت من الحيرة للصدمة والذهول.. وقالتله ببطء:
​”مدام مي خرجت من أربع أيام!.. هي مش في البيت عندكم ولا إيه؟!”
​اتسمر “أحمد” في مكانه والدم اتصفى من وشه..
بص “أحمد” للممرضة بذهول وكأنه بيسمع لغة ثانية مش فاهمها..
​”من أربع أيام؟!” كرر الكلمة وهو بيترعش: “دا مستحيل! هي داخلة العمليات النهارده!”
​سحبت الممرضة كمها بالراحة من إيده وقالتله بجفاء:
​”يا أستاذ، القيصرية الطارئة دي كانت يوم الخميس اللي فات.. إحنا النهارده الاثنين!”
​لثواني كاملة، ما قدرش “أحمد” يتحرك من مكانه.. قاعة نادي الجزيرة، فستان “منار” الأحمر، التورتة، المشروبات، الرسائل اللي ما فتحهاش.. كل دا خبط في دماغه زي الصاعقة! يوم الخميس ما كانش مجرد كام ساعة عدوا.. دا كان أربع أيام كاملين من السكوت التام!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قضى الأيام دي كلها مع “منار” في شاليليه في الساحل، وهو بيكذب على نفسه ويقول إن “مي” بتعاقبه بمسجات درامية فقرر ينفض لها وما يقرأهاش.. قفل موبايله ورماه في العربية، ولما فتحه الصبح، كان مليان مكالمات مفقودة من أرقام غريبة، ورسايل من المستشفى، ورسالة واحدة من “أميرة” أخت “مي” مكتوب فيها:
​”لو فاضل فيك حتى نقطة دم إنسانية واحدة.. تعالى حالاً!”
​كان مسح الرسالة وقتها من غير ما يفتح باقي المسجات!
​صعق وقال بصوت عالي وعصبي:
​”بناتي فين؟! واديتوا بناتي فين؟!”
​خرجت “نورهان” — نفس الممرضة اللي كانت ماسكة إيد “مي” في العمليات — من ورا المكتب، وأول ما عرفته ملامح وشها تحولت لجمود وِقرف شديد..
​قالتله برود احترافي:
​”يا أستاذ أحمد.. اتنين من البنات في حضّانة المبتسرين، والتالتة اتنقلت للعناية المركزة لقلب الأطفال تحت الملاحظة.. وحالتهم حالياً مستقرة.”
​”ومراتي فين؟! مي فين؟!”
​كزت “نورهان” على أسنانها وقالت:
​”مدام مي خرجت على مسؤوليتها الشخصية ضد رغبة الدكاترة، بعد ما عملت إقرار وصاية قانونية لأختها عشان تتابع حالة البنات فوراً.. ما كانش ينفع تخرج وهي خسرانة كمية دم خطيرة كدا!”
​بلع “أحمد” ريقه بالعافية وقال بعصبية:
​”وسيبتوها تخرج إزاي؟! إزاي تسمحولها؟!”
​”كانت بكامل وعيها، وفي كامل قواها العقلية.. وكانت واضحة جداً في كلامها ورغبتها.”
​”واضحة في إيه بالضبط؟!”
​مدت “نورهان” إيدها لملف عندها بس ما سلمتهوش ليه، وقالت بثبات:
​”تقدر تتكلم مع مدير المستشفى.. وغالباً، هتفهم أكتر من المحامي بتاعها.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​كلمة “المحامي” نزلت عليه أصعب وأتقل مما اتوقع!
​جري “أحمد” على أبواب العناية المركزة للحقن والحضانات، بس الأمن وقفه ومنعه يدخل.. اسمه ما كانش مكتوب في قائمة الزوار المسموح ليهم بالدخول. أعد يصرخ ويقول إنه “الأب”، بس الأمن طلب منه بطاقته وبكل بساطة أمره يقعد يستنى بره.
​بعد 20 دقيقة.. دخلت “أميرة” أخت “مي” وهي شايلة شنطة مستلزمات أطفال، ووشها باين عليه التعب والعيّاط لحد ما دموعها نشفت.
​شاور عليها “أحمد” وقال بعصبية:
​”إنتي! عملتي إيه في اختك؟!”
​ضحكت “أميرة” ضحكة مكسورة وكلها قرف:
​”أنا؟ أنا كل اللي عملته إني رديت على التليفون لما إنت نفضت!”
​”مي فين؟!”
​”في مكان آمن.”
​”دي مراتي!”
​”كانت مراتك لما كانت بتنزف في العمليات وبتموت وبتدور عليك وما لقيتكش!”
​قرب “أحمد” خطوة وقدمه بيترعش:
​”قوليلي مكانها فين حالاً!”
​بصلته “أميرة” بقرف وقالت بكل حسم:
​”لا.. الكلام بينّا بعد كدا هيبقى عن طريق المحامين والمحاكم بس.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​من ورا الزجاج العازل.. كانت ثلاث حضانات منورة بإضاءة زرقاء خفيفة.. أجسام صغيرة جداً نايمة وسط أسلاك ومحاليل.. “نور” و”مريم” و”أمل” وصلوا الدنيا وهما بيعافروا عشان ياخدوا النفس.. في الوقت اللي كان أبوه بيقطع فيه التورتة مع ست ثانية!
​حط “أحمد” إيده على الإزاز.. ولأول مرة من سنين طويلة، ما لقاش ولا عذر واحد يقدر يضحك بيه على نفسه!
بعد ست شهور..
​”أحمد” قاعد في الصالة الفاضية في شقته في التجمع.. الشقة اللي كانت مليانة دفا وحياة بقت عبارة عن أربع حيطان سردين طافيين، مفيش فيها غير صوت كراكيب المروحة وسكوت يخنق.
​صورة التورتة اللي قطعها مع “منار” بقت أكبر كابوس في حياته. “منار” طبعاً أول ما عرفت إن الموضوع دخل فيه قض..ية وإنه اتفضح في عيلته وشغله، اختفت وسابت البلد وسافرت، وورته وشها الحقيقي بعد ما دمرت حياته.
​موبايل “أحمد” رن..
​كان محاميه. رد بسرعة بإيد بتترعش:
​”ها يا أستاذ سامح؟ فيه أي أخبار؟”
​المحامي اتنهد بأسف:
​”يا أحمد بيه.. مدام مي تنازلت رسمياً عن كل مستحقاتها ونفقتها، بس رفعت قض..ية خلع، والأهم إنها كسبت قض..ية الحضانة الكاملة للبنات.. والقاضي أقر إنك مالكش أي حق في رؤيتهم غير ساعتين في الأسبوع في مركز شباب، وتحت حراسة كمان بعد التقرير الطبي بتاع المستشفى اللي أثبت إنك أهملت حياتها وحياة الأطفال يوم الولادة.”
​”أحمد” حس إن الأرض بتلف بيه:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *