ندي حصري لصفحة روايات رولا

دخلت من باب الشقة يوم الخميس بعد يوم شغل طويل ومطرة متبهدلة، لقيت أربع شنط سفر كبار سادين الطرق.
​حماتي، سوسن، واقفة في المطبخ بتفتح الدلف والتلاجة وكأن الشقة ملكها.
​”كويس إنك جيتي يا ندى، إحنا مستنيين من بدري.” قالتها من غير ما تعبرني حتى.
​وحمايا، الأستاذ فاروق، قاعد مأنتخ في الصالون وحاطط رجله بالجزمة على الترابيزة.
​بصيت لجوزي، طارق، وقلتله: “هو إيه اللي بيحصل هنا بالضبط؟”
​رد وهو باصص في الموبيل ببرود: “بابا وماما هيقعدوا معانا فترة.”
​”فترة قد إيه يعني؟”
​سوسن ضحكت: “لما الظروف تظبط كده ونرتب أمورنا.”
​محدش خذ رأيي.. محدش حتى أخد الخبر.. وكأن ماليش أي لازمة في البيت.
​مشيت ناحية أوضة النوم ووقفت مصدومة في الممر. هدومهم متعلقة في دولابي، علبة مجوهراتي مرمية على الأرض، وحاجاتهم مغرقة رخامة الحمام.
​لفيت لطارق: “انت نقلتهم أوضتنا؟”
​نفخ بإفراط وكأني أنا اللي بعمل مشكلة: “يا ندى كبري عقلك، بابا ضهره بيوجعه ومحتاجين المرتبة المريحة.”
​”ونام فين إحنا بقا؟”
​طارق بصلي باستغراب: “إحنا؟” وشاور على الصالة: “انتِ ممكن تنامي على الكنبة، وأنا هنام في أوضة الأطفال.”
​ما عرفتش أرد من الصدمة. حماتي طلعت من وراه وقالت بنبرة لؤم: “الست الأصيلة هي اللي تضحي عشان أهل جوزها يا حبيبتي.”
​بصيت لطارق: “انت عايزني أنام على الكنبة في بيتي عشان أهلك ياخدوا أوضتي؟”
​وشه اتغير وقال بقسوة: “ما تعمليش دراما وتكسفينا، دول أهلي!”
​”وأنا مرتك!”
​”يبقا تصرفي على الأساس ده.”
​في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا هديت تماماً. ما صرختش، ما اتخانقتش. مشيت بكل هدوء على الأوضة، طلعت شنطة سفر وبدأت ألم هدومي.
​طارق وقف على الباب وبيضحك بسخرية: “والله؟ هتعملي فيها زعلانة وتسيب البيت؟”
​”لا، أنا ماشية.”
​سوسن وقفت في الممر وابتسمت بشماتة: “بكرة ترجعي لما تهدي.”
​قفلت الشنطة وقلت: “يمكن.”
​اللي محدش فيهم يعرفه، إن الشقة دي في المعادي وأنا اللي شاريها بفلوسي ومن شقايا قبل ما أعرف طارق بسنتين. اسمه مش مكتوب في العقود نهائي.. الشقة ملكي أنا وبس.
​من 3 شهور، سوسن بدأت تتكلم إن “شقتنا” لازم تتسجل باسم طارق أو تتباع عشان نساعد العيلة. من ساعتها وأنا رحتي لمحامي وعملت كل الأوراق للتصرف فيها، بس كنت مترددة.. والنهاردة طارق إداني المبرر اللي يخليني أخد الخطوة دي بقلب جامد.
​شلت الشنطة ومشيت ناحية الباب، طارق ناداني وهو بيضحك: “انبسطي بالعرض المسرحي ده!”
​وقفت ثانية وابتسمت من غير ما ألتفت: “هنبسط جداً.”
​هو فاكرني طالعة أبات عند صاحبتي ليلتين وأرجع.. ما يعرفش إن المرة الجاية اللي هيترجاني فيها عشان أرجع، مش هيلاقي شقة أصلاً يرجعلي فيها.
​تابع القصة:
​اللي حصل بعد أسبوع: ندى هجرت الشقة وأجرت مكان في الزمالك، وفي خلال الأسبوع ده المحامي خلص إجراءات البيع كاش لواحد مستثمر.
​المفاجأة لطارق: طارق اتصل بعد أسبوع بكل كبرياء: “خلاص يا ندى كفاية دلع وتعالي.” ندى ردت بابتسامة: “أرجع فين؟ الشقة اتباعت والمالك الجديد جاي يستلم بكرة.. قدامكم 24 ساعة تفضوا المكان!”
​لو حابة نكمل الأحداث وتفاصيل المواجهة الأخيرة، قوليلي!
كملت ندى لمّ هدومها وخرجت من الشقة بكل هدوء، وفي الدقائق الأولى بعد ما قفلت الباب وراها، كانت حاسة بزلزال جواها بس رجليها شايلينها وثابتة. أجرت شقة مفروشة وهادية في الزمالك لمدة شهر، وتاني يوم الصبح اتصلت فوراً بالمحامية بتاعتها “أستاذة نجلاء”:
​”أنا جاهزة يا أستاذة، كملي إجراءات البيع.”
​نجلاء سألتها للتأكيد: “ندى، أنتِ متأكدة؟ البيع بالسرعة دي معناه نهاية كل حاجة.”
​ندى بصت لشنطة سفرها الوحيدة وقالت بصلابة: “متأكدة 100%.. الموقف انتهى من لحظة ما طارق قالي نامي على الكنبة.”
​الشقة في المعادي كانت موقع مميز وسعرها زاد جداً. نجلاء كانت مجهزة عرض كاش من مستثمر معمار مهتم بالمكان، بس ندى كانت مترددة زمان عشان “العشرة”. بيع الشقة كان الخطوة اللي هتقطع العرق وتسيح الدم.
​أسبوع العبث والتخطيط من ظهرها
​طوال أسبوع كامل، طارق كان فاكر إن ندى بتعيش دور الضحية وهترجع مكسورة. المأساة إن طارق كان بيمارس حياته في الشقة وكأن العريس الجديد هو وأهله.
​يوم السبت: بعتلها صورة للمطبخ: “أمي رتبت المطبخ من جديد، ورمت العلب البلاستيك القديمة بتاعتك، بقى أروق بكثير بصراحة.” (ندى ما ردتش، بس المحامية سجلت الملاحظة).
​يوم الأحد: دخلت سوسن على أوضة ندى، شالت صور جواز ندى وطارق من على الحيطة وحطت مكانها صور لطارق وهو صغير، وبعت طارق: “بابا شايف إننا نقفل البلكونة ونضمها للريسبشن عشان المساحة تزيد.. هنبدأ مع صنايعي يوم الخمس.”
​يوم الإثنين: طارق بعت مسج هجومي: “هو الجنان ده مش هيخلص؟ كفاية قمصة وخلي عندك ذوق وتعالي نظفي الأوضة لأمي.”
​يوم الثلاثاء (المفاجأة): حماها فاروق بعتلها بالخطأ مسج صوتي كان يقصد يبعته لطارق، صوت فاروق فيه كان واضح وهو بيكلم نجار في الشقة وبيقوله: “اعمل حسابك هنهد الحيطة دي.. لما ندى تروق وتيجي، لازم نضغط عليها تنقل ملكية الشقة باسمك رسمياً، ما ينفعش نسيب أملاك العيلة في إيد واحدة بتتقمص بسرعة.”
​ندى خنقتها العبرة من مدى الاستغلال، بعتت الفويس نوت فوراً للمحامية نجلاء، وقالتلها: “خليهم يجهزوا العقد.. أنا همضي الجمعة.”
​كشف المستور والخدعة الكبرى
​اللي ما كانتش تعرفه ندى، إن طارق من 3 سنين كان مفهم أهله إنه هو اللي شاري الشقة بفلوس شغله في الخليج! وكان بياخد من أبوه مبالغ شهرية تحت مسمى “أقساط الشقة”. سوسن وفاروق كانوا بيمارسوا سلطتهم في الشقة بناءً على كذبة طارق الكبيرة.
​أما ندى، فكانت مأمنة نفسها قانونياً بعقد “فصل أموال” رسمي مسجل وموثق، ومكتوب فيه إن الشقة بالكامل من مالها الخاص قبل الجواز ولا يحق لطارق أي نسبة فيها.
​يوم الجمعة.. لحظة الانفجار
​الساعة 3:30 العصر، قعدت ندى في مكتب المحامية، وقعت العقود النهائية، والمبلغ الكاش أتحول لحسابها بنجاح. المستثمر خد المفاتيح ومعاه أمن العمارة عشان يستلم.
​الساعة 4:00، بعتت ندى إيميل ورسالة واتساب لطارق فيها صورة عقد البيع وصورة عقد فصل الأموال، ومعاها كلمة واحدة: “الشقة اتباعت.. والمالك الجديد على الباب.”
​بعد 5 دقائق، الموبيل بدأ يرن بصريغ هادي.. طارق بيتصل، صوته كان مرعوب ومش طالع:
​”ندى! انتِ عملتي إيه؟! فيه راجل ببدلة ومعاه بواب العمارة واثنين عمال واقفين في الصالة وبيقولوا إنهم اشتروا الشقة وطالعين يغيروا الكالون!”
​ندى بصوت أهدى من مية النيل: “أيوة، هو فعلاً اشتراها.”
​طارق صرخ في الهستيريا: “انتِ بعتي شقتنا؟! أهلي جوه بيفطروا!”
​”شقتي أنا يا طارق.. والمشتري مديكو 24 ساعة تفضوا المكان وتسلموا المفتاح.”
​طارق صوته اتكسر وبدأ يتلعثم: “ندى انتِ بتهزري صح؟ ارجعي ونحلها.. بابا بيزعق وأمي أغمى عليها!”
​”من أسبوع قلتلي نامي على الكنبة، وأمك رمت مجوهراتي، وأبوك جايب نجار يهد في بيتي.. ودلوقتي بتقولي نحلها؟”
​فجأة مسك فاروق الموبيل وصوته زئير من الغضب: “انتِ ست ق/تالة ق/تلا وأنانية! بتبيعي شقة ابني اللي طافح الكوتة فيها؟!”
​ندى ردت بقمة الثبات: “ابنك ما دفعش فيها جنيه يا أستاذ فاروق.. العقد معايا وهو موقع على وثيقة فصل أموال قبل الجواز بإن الشقة ملكي 100%.. هو ما قالكمش إنه كان بياخد منكم فلوس أقساط بياكل بيها ويشرب على حسابي؟”
​السكوت عم المكالمة لثواني كانت أتقل من الجبال.. الخدعة اللي عاش فيها طارق وأهله سنين اتفضحت في ثانية! صوت سوسن طلع في الخلفية بصرخة مكتومة: “يعني الشقة مش باسمك يا طارق؟! كنت بتضحك علينا؟!”
​قفلت ندى السكة.
​النهاية والاحتكام للواقع
​أهل طارق كانوا لموا حاجتهم وسابوا شقتهم القديمة في المحافظة على أمل الإقامة الدائمة في المعادي، واضطروا في الليلة دي يلموا شنطهم في تاكسيات ويأجروا غرفتين في فندق رخيص.
​طارق حاول يرفع قضية بطلان بيع أو يطالب بنصف المبلغ، بس المحامية نجلاء قدمت للمحكمة عقود الشراء القديمة باسم ندى، وعقد فصل الأموال، والمسجات الصوتية اللي بتثبت محاولات الأذى والاستغلال. المحامي بتاعه نصحه ينسحب فوراً عشان ما يدخلش في قضية خيانة أمانة وتزوير.
​بعد 3 شهور، الطلاق تم رسمياً وبدون مشاكل. ندى أخدت فلوس الشقة ودفعته مقدم لفيلا صغيرة (تاون هاوس) في منطقة هادية بـ 6 أكتوبر، بجنينة خاصة وشباك كبير يدخله النور كل يوم الصبح.
​بعد 6 شهور، ندى قاعدة في بلكونة بيتها الجديد، جاتلها مسج من طارق:
“أمي ورثتني الكره، وبابا مش بيكلمني، وأنا عايش في أوضة وصالة.. أنا خسرت كل حاجة يا ندى.”
​بصت ندى للسماء وللهدوء اللي حواليها، طارق ما خسرش كل حاجة.. هو بس خسر الشماعة اللي كان بيستغلها عشان يبان بطل.
​مسحت الرسالة، عملتله بلوك نهائي، وفتحت باب البلكونة للهوا النظيف.. البيت فاضي، مفيش شنط سادة الممر، مفيش حد غريب في مطبخها، والبيت ده.. بتاعها هي وبس.،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *