مجرد سكرتيرة حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“دي مجرد سكرتيرة في مكتب،” أمي قالت للضيوف. بابا هز كتفه: “على الأقل شغالـة وعندها شغلة.” كملت رص السفيرة. بعد كده عمي إبراهيم فتح جريدة الأهرام: هي ليه بنتك على الصفحة الأولى؟…
”دي مجرد سكرتيرة في مكتب،” أمي، نجوى، قالت للضيوف. “على الأقل شغالة وعندها شغلة.” بابا، فاروق، هز كتفه وكأن الجملة دي خلاص حددت قيمتي. كنت واقفة جنب سفرة الأكل، برص الأطباق وزوجي، حسام، بيبصلي بقلة حيلة ومن غير ما يتكلم. وأخويا كريم ما نطقش بكلمة.
العزومة دي كانت المفروض عشان نحتفل بعيد جواز بابا وماما، بس كانت طالعة شبه المحاكمة. كانوا داعيين القرايب وأصحاب العيلة في بيتهم اللي في التجمع. أنا جيت بدري عشان أساعد، وماما كانت كل شوية تعدل على كل حاجة ألمسها، من أوائل المعالق لحد المناديل.
لما حد سألني أنا بشتغل إيه، جاوبت بمنتهى الصراحة. “أنا مساعدة إدارية في شركة استشارات.” وقبل ما ألحق أشرح أكتر، ماما ضحكت. “مجرد سكرتيرة مكتب،” عدلت كلامي. بابا ضاف: “هي كويسة، على الأقل عندها شغلة.” وشوية من الضيوف ضحكوا بمجاملة.
جبرت نفسي ابتسم ورجعت المطبخ. بقالي ثلاث سنين بشتغل في شركة “النيل للاستشارات”، بمسك المواعيد، العقود، ملفات العملاء، والأوراق المالية. المسمى الوظيفي بتاعي كان منسق إداري، بس عيلتي كانت بتقيس النجاح دايماً بالمرتب والبرستيج.
حسام جه ورايا المطبخ. “أنتِ كويسة؟” همسلي. هزيت رأسي. “عدي الليلة،” قلتله. “ده عيد جواز بابا وماما.” بصلّي بإحساس بالذنب. هو عارف أنا أد إيه كنت بدافع عن أهلي دايماً، حتى لما كانوا بيحسسوني إني صغيرة.
بعدها وصل عمي إبراهيم متأخر، وكان ماسك في إيده جريدة الأهرام. اعتذر إنه اتأخر، قعد، وفتح الجرنال جنب طبقه. بعد دقيقة، ملامح وشه اتغيرت تماماً. بص للصفحة الأولى، وبعدين بصلّي، ورجع بص للجرنال تاني.
”استنوا كده،” قالها بصوت عالي. الصالة كلها سكتت. لف الجرنال ووراه لكل قاعد. كان فيه صورة ليّ جنب الرئيس التنفيذي لشركة “النيل للاستشارات”. وتحتها مانشيت رئيسي عن برنامج الاستثمار المجتمعي الجديد للشركة، وعن الموظفة اللي صممت نظام التشغيل بتاعه بالكامل.
بابا مال لقدام بشرود. “هي ليه بنتك على الصفحة الأولى؟” عمي إبراهيم سأل. ابتسامة ماما اختفت في لحظة. حسام بصلّي وهو مش مصدق. وأنا أخيراً فهمت. شركة “النيل” كانت أعلنت إني هبقى أصغر مدير عمليات في تاريخ الشركة كلها.
أنا عمر ما قلت لأهلي عشان كنت عارفة إنهم هيقللوا من الموضوع ويقولوا “مجرد شغلانة مكتبية وخلاص”. المقال كان بيشرح إني أعدت تصميم الشراكات غير الهادفة للربح اللي كانت مش شغال كويس، وساهمت في إعادة توجيه ملايين الجنيهات لدعم برامج خدمة المجتمع من غير ما أزود أي مصاريف إدارية.
محدش ضحك المرة دي. بابا مسك الجرنال وإيده بتترعش. وماما فضلت بصة لصورتي وهي مبهوتة. أخدت نفس عالي وقلت: “أنا مبقتش ناجحة عشان كان معايا منصب كبير. أنا بقيت ناجحة عشان اتعلمت أحل المشاكل الصعبة وأبني شغل صح… في الوقت اللي محدش كان بيبص عليّ فيه.”
سكتّ ثواني، والفضول كان باين في عينين كل القرايب اللي قاعدين. بابا حط الجرنال على السفيرة ببطء، وبصلي وكأنه بيشوفني لأول مرة في حياته. “مدير عمليات؟” تمتم بصوت وطي. “يعني أنتِ اللي مسكة الشغل ده كله؟”
هزيت رأسي بثقة وقلت: “أيوه يا بابا. النظام اللي عملته وفر على الشركة ملايين، وهما قرروا يرقوني ويخلوني أمسك القطاع كله من أول الشهر الجاي.”
ماما كانت وافقة مش عارفة تقول إيه، النظرة الصارمة اللي كانت في عينها طول اليوم اختفت تماماً وحل مكانها ذهول وإحراج من الكلام اللي قالته قدام الضيوف من شوية. حسام ابتسم بفخر وقرب وقَف جنبي، وأخويا كريم بدأ يصفق لوحده، وبعدها الصالة كلها بدأت تصفق ويهنوني.
في الليلة دي، الأكل ما كانش هو محور الكلام على السفيرة. الجرنال فضلو يبصوا فيه ويتناقلوه بين إيديهم. بابا وماما حاولوا يغيروا معاملتهم معايا ويظهروا فخورين بيّ قدام الناس، بس بالنسبة لي، الدرس كان خلاص وصل: قيمتك وشغلك ما بيتقاسوش بكلام الناس ولا بنظرتهم السطحية، بيتقاسوا بالأثر الفعلي اللي بتسيبه لما تشتغل بضمير ومن غير ما تستنى مدح من حد.السكوت استمر لفترة طويلة لدرجة إني كنت سامعة صوت موتور التلاجة. بعد كده بابا سألني: “ليه ما قلتيلناش؟” صوته كان أهدى بكثير. جاوبته: “عشان كل ما كنت بكلمكم عن شغلي، كنتم بتحسسوني إنه حاجة تفشل.”
ماما هزت رأسها بالنفض: “احنا ما كانش قصدنا كده.” بس كل اللي قاعدين افتكروا كلامها. هي لسه قايلاها قدام ناس أنا أصلًا ما أعرفهمش كويس: “دي مجرد سكرتيرة”. وبابا وافقها على طول من غير ما يحاول حتى يسأل إيه هو شغلي ده.
عمي إبراهيم طبق الجرنال وقال: “اقرأ المقال بنفسك.” بابا بدأ يقرأ، وملامح وشه بدأت تتغير لما استوعب إني ما كنتش مجرد واحدة بترد على التليفونات وخلاص.
حسام أخيرًا اتكلم وقال: “هي فضلت شغالـة لساعات متأخرة بالليل لشهور عشان تبني النظام ده. حتى رفضت عرض شغل بمرتب أكبر عشان شركة النيل وافقت تمول البرنامج المجتمعي بتاعها.” بابا وماما بصوا لبعض، ومكنوش مستوعبين كمية التفاصيل اللي عمرهم ما فكروا يسألوني عنها.
كريم ضغط على إيدي وقال: “أنا كنت عارف إنك ماشية كويس، بس ما كنتش متخيل إن الموضوع كبير أوي كده.” ضحكت، بس كلمة أسف ما كانتش كفاية إنها تمسح سنين من الكلام الدبش اللي كان بيتقال بدون إحساس.
ماما قامت وجت ناحيتي وعينها دمّعت: “أنا آسفة،” وقالتلي: “كنت فاكرة إني بحميكي من الصدمات والتوقعات العالية لما أبين إن شغلك عادي وبسيط.” قلتلها إن اللي عملته كان العكس تمامًا.
بابا وطي رأسه وقال: “وأنا كمان كنت غلطان.” اعترف إنه قعد سنين يقارن بيني وبين عيال الناس التانية، وكان فاكر إن المسمى الوظيفي الرنان هو بس اللي بيثبت النجاح. “كان المفروض أسألك أنتِ بتعملي إيه بالظبط.”
قبلت اعتذارهم، بس ما مثلتش إن كل حاجة بجمال ودلوقتي بقت فل. قلتلهم إن المرة دي أنا محتاجة شغلي، واختياراتي، وحدودي تحترم. وهما وافقوا.
قبل ما ينزل الحلو، عمي إبراهيم رفع كاسته وقال: “في صحة أكتر واحدة اتظلمت واتقلل منها في العيلة دي.” الكل ضحك، وأنا ابتسمت وأنا مستوعبة إني قضيت سنين بحاول أخلي أهلي يفخروا بيّ، في حين إني من زمان عارفة قيمة نفسي كويس.
تاني يوم الصبح، ماما اتصلت بيّ قبل الفطار. ما سألتنيش عن الترقية ولا عن الجرنال، هي بس سألت بأسلوب بسيط: “أنتِ عاملة إيه؟” ولأول مرة في حياتها، استنت تسمع الإجابة الحقيقية مني. ومن هنا كان لازم علاقتنا تبدأ صح.
السكوت استمر لفترة طويلة لدرجة إني كنت سامعة صوت موتور التلاجة. بعد كده بابا سألني: “ليه ما قلتيلناش؟” صوته كان أهدى بكثير. جاوبته: “عشان كل ما كنت بكلمكم عن شغلي، كنتم بتحسسوني إنه حاجة تفشل.”
ماما هزت رأسها بالنفض: “احنا ما كانش قصدنا كده.” بس كل اللي قاعدين افتكروا كلامها. هي لسه قايلاها قدام ناس أنا أصلًا ما أعرفهمش كويس: “دي مجرد سكرتيرة”. وبابا وافقها على طول من غير ما يحاول حتى يسأل إيه هو شغلي ده.
عمي إبراهيم طبق الجرنال وقال: “اقرأ المقال بنفسك.” بابا بدأ يقرأ، وملامح وشه بدأت تتغير لما استوعب إني ما كنتش مجرد واحدة بترد على التليفونات وخلاص.
حسام أخيرًا اتكلم وقال: “هي فضلت شغالـة لساعات متأخرة بالليل لشهور عشان تبني النظام ده. حتى رفضت عرض شغل بمرتب أكبر عشان شركة النيل وافقت تمول البرنامج المجتمعي بتاعها.” بابا وماما بصوا لبعض، ومكنوش مستوعبين كمية التفاصيل اللي عمرهم ما فكروا يسألوني عنها.
كريم ضغط على إيدي وقال: “أنا كنت عارف إنك ماشية كويس، بس ما كنتش متخيل إن الموضوع كبير أوي كده.” ضحكت، بس كلمة أسف ما كانتش كفاية إنها تمسح سنين من الكلام الدبش اللي كان بيتقال بدون إحساس.
ماما قامت وجت ناحيتي وعينها دمّعت: “أنا آسفة،” وقالتلي: “كنت فاكرة إني بحميكي من الصدمات والتوقعات العالية لما أبين إن شغلك عادي وبسيط.” قلتلها إن اللي عملته كان العكس تمامًا.
بابا وطي رأسه وقال: “وأنا كمان كنت غلطان.” اعترف إنه قعد سنين يقارن بيني وبين عيال الناس التانية، وكان فاكر إن المسمى الوظيفي الرنان هو بس اللي بيثبت النجاح. “كان المفروض أسألك أنتِ بتعملي إيه بالظبط.”
قبلت اعتذارهم، بس ما مثلتش إن كل حاجة بجمال ودلوقتي بقت فل. قلتلهم إن المرة دي أنا محتاجة شغلي، واختياراتي، وحدودي تحترم. وهما وافقوا.
قبل ما ينزل الحلو، عمي إبراهيم رفع كاسته وقال: “في صحة أكتر واحدة اتظلمت واتقلل منها في العيلة دي.” الكل ضحك، وأنا ابتسمت وأنا مستوعبة إني قضيت سنين بحاول أخلي أهلي يفخروا بيّ، في حين إني من زمان عارفة قيمة نفسي كويس.
تاني يوم الصبح، ماما اتصلت بيّ قبل الفطار. ما سألتنيش عن الترقية ولا عن الجرنال، هي بس سألت بأسلوب بسيط: “أنتِ عاملة إيه؟” ولأول مرة في حياتها، استنت تسمع الإجابة الحقيقية مني. ومن هنا كان لازم علاقتنا تبدأ صح.
وعلى مدار الأسابيع اللي بعد كده، بابا وماما بدأوا يعملوا مجهود حقيقي عشان يتغيروا. التغيير ما كانش مفاجئ أو مبالغ فيه، وده بالذات اللي خلاه حقيقي ويترد عليه بثقة. ماما بطلت تقطّم أو تعمل إفيهات على شغلي، وبابا بطل يسأل ناس تانية بتكسب كام. بدل كل ده، بدأوا يسألوني بتشتغلي على مشاريع إيه ومستنية تحققي إيه الفترة الجاية.