جديدة
عندما وقعت عيناه عليها، اعتصر قلبه من الألم. شعر بغصة مريرة في حلقه؛ فبرغم أنه يحب غيرها الآن ويخطط لمستقبل آخر، إلا أن رؤيتها بهذا الانكسار أيقظت في داخله بقايا ذلك الحب القديم. آلمه بشدة أنها ستكون له بهذه الطريقة المهينة، وأنها أصبحت ضحية لغدر أخيه.
اقترب منها بخطوات ثقيلة، ونظر في عينيها قائلاً بنبرة حزينة لكنها حازمة:
“اسمعي يا فاطمة.. أنا عارف إن المكتوب واعر علينا احنا الاتنين. أنتِ خابرة إني مكنتش في البال، وإني رتبت حياتي على حد تاني خالص.. بس الشرف عاد، ومكنش ينفع نسيبك لكيلام الناس. الجوازة دي صوري قدام الخلق، لحد ما نشوف هنعمل إيه في المصيبة دي.”
نظرت إليه فاطمة، ولم تنطق بكلمة واحدة. كان صمتها أبلغ من أي عويل، وجسدها يرتجف وهي تدرك أن رحلة عذابها قد بدأت للتو، وأنها أصبحت زوجة لرجل ينبض قلبه لامرأة أخرى.
مرت الأيام متشابهة وثقيلة داخل السرايا. تحولت حياة فاطمة اليومية إلى طقوس من الصمت والوجع المكتوم. كانت تستيقظ كل صباح قبل شروق الشمس، ترتدي ثوبها الأسود الذي بات يعبر عن حال قلبها، وتبدأ في الإشراف على أعمال البيت ومساعدة والدة يحيى، محاولةً هروباً بائساً من التفكير في مصيرها.
كانت تجلس على مائدة الإفطار الكبيرة، ويحيى يجلس في مواجهتها. لا نظرات تلتقي، ولا كلمات تتبادل إلا في أضيق الحدود. كان يحيى يغادر السرايا سريعاً ليتحاشى البقاء معها في مكان واحد، فرغم أنه يحاول احترامها، إلا أن وجودها كان يذكره دائماً بذنبه تجاه المرأة التي يحبها وتنتظره.
في المساء، دلف يحيى إلى الغرفة، ووجد فاطمة تجلس بجوار النافذة، تتأمل الظلام في صمت. تنحنح يحيى وقال بنبرة جافة وهو يخلع جلبابه:
“أنا كلمت المحامي انهارده يا فاطمة.. وكتبت ليكي البيت الصغير اللي على أول البلد باسمك، عشان تأمني مستقبلك، وعشان متبقيش حاسة إنك مللوحة في السرايا هنا واصل.”
التفتت إليه فاطمة، ونظرت في عينيه بعزة نفس انكسرت أمامها قسوته، وقالت بهدوء وعاميتها الصعيدية:
“كتر خيرك يا ابن خالي.. بس أنا مكنتش مستنية منك طين ولا بيوت. أنا اللي يهمني كرامتي اللي اتدست في الأرض، وأنت بتجهز للسرايا دي ست تانية، وأنا لسه على ذمتك واقرة في أوضتك.”
أشاح يحيى بوجهه عنها، وشعر بوخزة في ضميره، لكنه صلب ملامحه وقال:
“أنا قولتلك من الأول يا بنت الناس.. قلبي مش ملكي، والبنت دي صبَرت عليا كتير ومقدرش أكسر بقلبها. الفرح زمانه قِرب، وأنا عايزك تجهزي نفسك وتجهزي الأوضة اللي في الدور التاني ليها.. مش عايز مشاكل في السرايا واصل.”