جديدة

تركت فاطمة الغرفة وخرجت إلى الشرفة الواسعة لتبكي بحرقة في عتمة الليل. لم تكن تبكي يونس الخائن، بل كانت تبكي هذا الانجذاب السري الذي بدأ ينمو في قلبها تجاه يحيى؛ فكلما رأته يتصرف بشهامة كرجل صعيدي حقيقي، كلما تمنت لو كان هذا القلب النابض في صدره لها وحدها. لكنها الآن مجبرة على إعداد عش الزوجية لضرتها بيديها.

وفي تلك الأثناء، كانت الأنباء قد بدأت تصل إلى القاهرة، لتعلم فريدة بالزواج القريب ليحيى، وتبدأ في التخطيط للعودة إلى الصعيد مع يونس، ليس حباً في العائلة، بل لتشمت في أختها التي ظنت أنها أصبحت سيدة السرايا، لتجدها على وشك أن تصبح زوجة مهجورة.
الاول
التاني
ارتفعت أصوات الزغاريد والمزمار الصعيدي في ساحة السرايا، لتعلن عن وصول “نادية”، حبيبة يحيى وزوجته الجديدة. كانت الأضواء تتلألأ في كل مكان، والبهجة تملأ وجوه الحاضرين، إلا قلب واحدة كانت تقف وراء زجاج نافذتها العلوية، تراقب المشهد بدموع كادت تحرق وجنتيها.

نزلت نادية من السيارة بفستان زفافها، وكانت ملامحها تشع بالانتصار، ممسكة بيد يحيى الذي كانت عيناه تلمعان بفرحة حقيقية لم ترها فاطمة فيه قط.
تقدم يحيى بعروسته نحو باب السرايا، ودلفا إلى الداخل حيث كانت العائلة في الاستقبال.
نزلت فاطمة من درج السرايا بخطوات ثقيلة، متمسكة بكبريائها الصعيدي الذي يرفض الانكسار أمام الغرباء. وقفت أمامهما بجلابيبها الصعيدية الأنيقة التي تبرز جمالها الهادئ والآسر، ورغم الحزن، كانت تبدو كالملكة في بيتها.

نظرت نادية إلى فاطمة بنظرة تفحص وتحدٍ، وقالت بنبرة ناعمة تحمل خلفها الكثير:
“ألف مبروك لينا يا فاطمة.. يحيى حكالي عن الظروف اللي جمعتكم، وإن شاء الله نعيش كلنا في تبات ونبات، وأكون خفيفة على قلبك في البيت ده.”

حبست فاطمة غصتها المريرة في حلقها، ونظرت إلى يحيى الذي أشاح بنظره عنها شعوراً بالذنب، ثم التفتت إلى نادية وقالت بعامية قوية وثابتة:
“نورتي سرايا الحاج علام يا عروسة.. السرايا وسيعة وتشيل من الحبايب ألف، وأنا هنا في مقامي ومكاني، والصول والأصول خابرينها زين.. مبروك عليكي يحيى.”

انتهت الليلة وساد الصمت أرجاء السرايا، لكن العذاب الحقيقي لفاطمة كان قد بدأ للتو في تفاصيل الحياة اليومية. في الصباح التالي، تحولت السرايا إلى ساحة حرب باردة.
كانت نادية تتعمد إظهار دلالها وحب يحيى لها أمام فاطمة، وتتحكم في شؤون البيت لتقليص دور فاطمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *