جديدة
جلس الثلاثة على مائدة الغداء، فمدت نادية يدها تطعم يحيى بدلال قائلة:
“كل دي يا يحيى.. أنت تعبت كتير في الغيط انهارده، ولازم تتغذى زين يا حبيبي.”
ابتسم يحيى لها وربت على يدها، بينما كانت فاطمة تجلس في مواجهتهما، يشاهد قلبها هذا المشهد ويعتصر ألماً. لم يعد وجعها بسبب كرامتها المجروحة فقط، بل لأنها اكتشفت أنها باتت تحب يحيى بصدق، وتتمنى لو كانت هي المكان هذه الزوجة.
لم تحتمل فاطمة المشهد، فتركت الطعام ووقفت قائلة بصوت مخنوق:
“الحمد لله.. سفرة دايمة.”
انسحبت إلى غرفتها، وانفجرت في بكاء مرير، وهي تسمع ضحكات نادية ويحيى تصعد من الأسفل، لتدرك أن أيامها القادمة في هذه السرايا ستكون قطعة من الجحيم. وفي نفس التوقيت، كانت سيارة أجرة تقترب من مدخل البلدة، تحمل فريدة ويونس العائدين بنيران الغيرة والندم لتقليب المواجع.
لم تكد السرايا تهدأ بعد عرس يحيى ونادية، حتى توقفت سيارة أجرة أمام الباب الكبير. ترجلت منها فريدة ووجهها يحمل ملامح الشماتة والفضول، يتبعها يونس بخطوات ثقيلة وعينين منكسرتين.
دخلا إلى ساحة السرايا دون سابق إنذار، ليتفاجأ الجميع بوجودهما بعد أشهر من الهروب والخزي.
خرج الحاج علام ووالدتهما، وتبعهما يحيى وفاطمة التي كانت تقف في الشرفة العلوية. عندما وقعت عينا يونس على فاطمة، تجمدت الدماء في عروقه. لم تكن فاطمة التي تركها مكسورة؛ بل كانت تقف بكبرياء صعيدي طاغٍ، وقد زادها الحزن نضجاً وجمالاً ساحراً جعل قلبه ينبض بعنف وندم لم يحسب له حساباً.
نزلت فاطمة إلى الساحة بخطوات واثقة، ووقفت أمام أختها. نظرت إليها فريدة بخبث وقالت بعاميتها:
“كيفك يا فاطمة؟ خابرين إننا جينا في وقت مش مناسب وعاد يحيى اتجوز عليكي.. قولت آجي أقف جمب أختي في محنتها!”
نظرت إليها فاطمة بنظرة ثاقبة جعلت فريدة تتراجع خطوة للخلف، وقالت بقوة وثبات:
“نورتي بيتك يا فريدة.. بس المحنة دي في خيالك أنتِ وبس. أنا ست السرايا هنا، والراجل لما يتجوز على مراته في الصعيد ده شرع ربنا وميعيبش الست في حاجة.. العيب والواعر بجد هو اللي يهرب في ضلمة الليل ويسرق فرحة أخته!”
اشتعل وجه فريدة غيظاً، بينما كان يونس يقف عاجزاً عن الكلام. استغل يونس انشغال العائلة بالحديث مع فريدة، واقترب من فاطمة في ممر السرايا الجانبي، ونظر إليها بعينين تملؤهما الدموع والرجاء وقال بصوت مرتعش:
“فاطمة.. ارجعيلي يا فاطمة! أنا كنت عَمي ومش شايف، فريدة لفت عَقلي وضحكت عليا.. أنا مش طايق العيشة معاها، ومستعد أطلقها حالا وأتحدى الدنيا كلها عشانك.. أنتِ لسه بتحبيني صح؟”
نظرت إليه فاطمة باحتقار شديد، وقالت بعامية حاسمة:
“حبك برص وعشرة خرص يا يونس! يونس اللي كنت بحبه مات في الليلة اللي هربت فيها مع أختي. أنا دلوقتي على ذمة راجل بجد، يحيى برقبتك ورقبة بلد بحالها.. ومباقاش ليك في قلبي غير القرف!”