الاوضة سكتت
الأوضة سكتت تماماً أول ما حطيت صورة السونار على الترابيزة اللي في نص الصالة. جوزي، شريف، بص للصورة، وبعدين بصلي، في حين إن أمه كانت واقفة جنب سرير البيبي ماسكة الطفل اللي عنده تلات شهور، اللي هو كان لسة جايبه بيتنا في الزمالك من كام يوم بس. “أنا حامل،” قلتها بهدوء. ملامح وشه ماشدتش ولا ابتدت تطرّى، وما ابتسمش. هو بس سند ضهره لورا وقال: “إحنا خلاص عندنا يوسف.” إيد فايزة اتجمدت فوق بطانية البيبي. والشغالة نزلِت عينيها في الأرض. وفي السكوت الغريب ده، فهمت إنهم كلهم كانوا مستنيين يشوفوا هل أنا أخيراً هعمل شو وشوشرة وأقلب الدنيا ولا لأ.
ما عملتش.
وده يمكن حيرهم ولخبطهم أكتير من أي حاجة تانية ممكن أعملها.
قبلها بأسبوع، كنت راجعة البيت من مشوار عند الدكتورة في مصر الجديدة، ومعايا ظرف فيه نتائج تحاليل وفحوصات كنت طايرة من الفرحة ومتحمسة أوريها لجوزي.
بدل كده، دخلت الريسبشن ولقيت فايزة قاعدة على الكنبة وفي حضنها طفل صغير.
وشريف كان واقف جنب الشباك بيكلم حد في التليفون بصوت واطي.
— أيوة — سمعته بيقول — الأوراق خلاص تقريباً خلصت.
وقفت على الباب.
— البيبي ده بتاع مين؟
فايزة بصتلي بنظرة كأنها بتقولي إنك قطعتي حاجة مهمة.
— بتاع حد من قرايبنا من بعيد — قالت هي. — وشريف هيتحمل مسؤوليته.
جوزي أنهى المكالمة وقرب مني.
— أمه مش قادرة تخلي بالها منه — وضحلي — وأنا قررت أتبناه وأكتبه.
— أنت قررت؟
— هنبقى نتكلم في التفاصيل بعدين.
بعدها فايزة ابتسمت للبيبي وقالت كلمة عمرها ما هتروح من بالي.
— بص له كده.. ده دم عيلة الألفي أصلي.
شريف على طول غير الموضوع.
بصيت للبيبي تاني.
كان في حاجة غريبة في شكل حواجبه، رسمة وشه.. حتى الطريقة اللي عينيه الغامقة تفتح بيها لثانية وتلقط النور قبل ما تقفل تاني.
كان شبه حد أعرفه.
شبه حد جداً.
بس بعد خمس سنين جواز، بقيت شاطرة أوي في إني ما أظهرش رد فعلي في ساعتها.
ده الدور اللي تعلمت ألعبه في البيت ده.
أنا زمان كنت محامية شاطرة وعندي طموح وأحلام أعمل اسم وكاريير في القواضي في القاهرة. بعد ما اتجوزنا، شريف طلب مني أريح شوية وأسيب الشغل.
— أنا محتاجك جنبي هنا — قالها لي ساعتها — إحنا بنبني حياة مع بعض.
”شوية” دي تحولت لخمس سنين.
مسكت البيت، نظمت العزومات، افتكرت أعياد الميلاد، قعدت في حفلات الجمعيات الخيرية، ابتسمت جنبه في المؤتمرات والاجتماعات بتاعة الشغل، وكنت بذوق وبسمع بهدوء كل ما فايزة تلمح أو تقول كلمة عن الخلفة والأحفاد.
في الفطار بتاع يوم الجمعة، كانت تتنهد وتقول: “في ستات سبحان الله ربنا خاقهم وعندهم موهبة وطبيعة أمومة.. وستات تانية لأ.”
وبعدين تبصلي.
شريف عمره ما أخدلي حقي ولا صلح كلامها.
كنت كل شوية أقول لنفسي الأمور هتتغير.
لحد ما يوسف شرف.
في أول ليلة، شريف فضل قاعد تحت وأنا طلعت الأوضة لوحدي.
بليزر بدله كان متبهدل ومتعلق جنب الدولاب. مسكته عشان أوديه المغسلة، صوابعي خبطت في حاجة ناشفة جوة الجيب.
حافظة أوراق طبية متطبقة.
كنت هحطها مكانها تاني وارفض أفتحها.
بس فتحتها.
مركز الساحل لطب النساء والتوليد.
اسم المريضة: ريم الكردي.
قعدت على طرف السرير.
أنا عارفة الاسم ده كويس.
ريم دي كانت حضرة فرحنا من خمس سنين. لما سألته مين دي، شريف قالي إنها بنت خالته ومتربيين سوا من صغرهم.
فاكرة فستانها اللي كان لونه أوف وايت يومها.
وفاكرة الطريقة اللي كانت بتبصلنا بيها طول الفرح.
وفاكرة رسالة كنت شفتها بالصدفة على موبايل شريف بعد جوازنا بشهور.
كانت جاية من رقم متسجل “بنت الخالة”.
لما واجهته وسألته، ضحك وقال:
— أنتِ دماغك بتروح لبعيد وبتمثلي سيناريوهات من ولا حاجة.
حتى إنه كلم ريم وأنا قاعدة جنبه.
وهي اعتذرت وقالت إنها مش قصدها.
أنا صدقتهم هما الاتنين.
وانا واقفة في أوضة نومي بعد خمس سنين، ماسكة ورق متابعة الحمل بتاعها، فهمت أخيراً أنا أد إيه كنت مريحة وسهلة بالنسبة لهم ومهدت لهم الطريق.
طبقت الورق بالراحة ورجعته في جيب البدلة بالظبط زي ما لقيته.
تحت، فايزة كانت لسة قاعدة بتتأمل في يوسف.
والشغالة بتبتسم للبيبي.
— ده شبه حد جداً وعارفاه.
فايزة ردت من غير ما تفكر:
— ده نسخة طبق الأصل من شريف وهو في السن ده.
وبعدين لمحتني.
ابتسامتها اتقلبت ووشها اتغير.
— قصدي.. أكيد يعني، ما هما قرايب من الدم.
هزيت راسي:
— أكيد طبعاً.
في الليلة دي، سمعت أصوات جاية من أوضة الأطفال.
ما دخلتش.
وقفت في الطابق واستنيت وأنا بلمح الكلام.
فايزة بتسأله: “أنت ناوي تقول إيه لفريدة؟”
صوت شريف كان فيه استخفاف وسخرية:
— ولا حاجة من اللي محتاجة تعرفها.
— ممكن تبتدي تسأل وتدور.
— مش هتسأل.
وبعدين قال الجملة اللي غيرت كل حاجة جوايا وللأبد.
— هي معتمدة عليا في كل حاجة وما حيلتهاش غيري، مش رايحة في أي حتة.
رجعت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.
ولأول مرة من سنين، بطلت أسأل نفسي إزاي أنقذ جوازي.
وبدأت أسأل نفسي إيه اللي محتاجة أعرفه وأجمعه قبل ما أغور وأسيب البيت ده.
صورت أوراق الفحوصات الطبية.
وسوّلت الرسالة لما ريم كلمتني بعد يومين.
رسالتها كانت هادية بشكل يستفز.
قالتلي إنها تتمنى إن وجود يوسف ما يكونش عامل مشكلة أو مضايقني.
وبعدين كتبت: “شريف وأنا كان بيننا تاريخ قديم.. أظن أنتِ فاهمة ده كويس دلوقتي.”
فضلت باصة للشاشة فترة طويلة.
وبعدين كتبت:
”أنا فاهمة.”
ردت عليا في ساعتها:
— شكراً إنك عقلانية وبتفهمي.
عقلانية.
الكلمة دي علقت في دماغي.
هما افتكروا إن سكاتي ده موافقة واستسلام.
عشان كده سبتهم يفكروا كده براحتهم.
رجعت أعمل الفطار، أحضر العشا، أسأل أسئلة العادية عن مواعيد أكل ونوم يوسف، وأسمع فايزة وهي بتتكلم عن تقاليد وعراقة العيلة وكأن مفيش أي حاجة حصلت.
في نفس الوقت، كلمت حد ما اتكلمتش معاه من سنين.
شريف زكي كان معايا في حقوق ودفعتي، وبعدها بقى من أكبر محامين أحوال شخصية وقضايا أسرة في المعادي.
رد عليا من ثالث رنة.
— فريدة؟
— أهلاً يا شريف.
سكت ثانية.
— في إيه؟ حصل حاجة؟
— محتاجة محامي.
سكت تاني.
— تعاليلى بكرة المكتب.
مكتبه كان في التجمع الخامس.
جبتله الحافظة الطبية، الصور، السكرين شوتس، المواعيد، ونوتة فيها كل ملاحظة كتبتها بالراحة.
قرا كل كلمة من غير ما يقاطعني.
في الآخر، رفع عينه وبصلي.
— بقالك قد إيه عارفة؟
— مش كتير.
— وجوزك فاكر إنك تعرفي أد إيه؟
بصيتله:
— ولا حاجة تقريباً.
شريف قفل الفايل بالراحه.
— خليه فاكر كده لحد ما نقول إحنا.
وفعلاً عملت كده.
وبعدها بأيام، عرفت إني حامل.
لما قلت لشريف، رد الفعل في الريسبشن كان كفيل يفهمني أكتر من أي اعتراف ممكن يتقال.
فايزة تنحت في صورة السونار.
وشريف بصلّي بصة غريبة.
— ده هيعقد كل حاجة — قالها.
مسكت كاس المية بتاعي.
— هيعقدها على مين بالظبط؟
عينيه ضاقت:
— بلاش تتنشني وتبدأي مشاكل.
— أنا ما بدأتش حاجة.
قام وقف:
— يبقى تفهمي حاجة كويس.. يوسف خلاص هنا، وعيلتنا أخدت قراراتها.
— عيلتنا؟
ما ردش.
فايزة أخيراً نطقت:
— يا فريدة، ده مش الوقت اللي تعملي فيه مشاكل وتنزلي من نظري وتصعبي الأمور.
بصيتلها:
— أنا قاعد هادية خالص على الكنبة أهو.
محدش نطق بعدها بحرف.
بعدها بليلتين، طلعت المكتب بتاع شريف فوق وأنا شايلة ظرف أصفر تقيل كان شريف المحامي محضرهولي.
جوزي كان قاعد ورا مكتبه بيقرا تقارير مالية وشغل.
بالعافية رفع عينه بصلي.
— خير؟ في إيه تاني؟
مشيت في الأوضة وحطيت الظرف قدامه على المكتب.
ابتسملي نفس الابتسامة المليانة ثقة اللي شفتها منه لسنين — ابتسامة الراجل اللي فاكر إن كل قرار مهم في جوازنا لسة في إيده هو بس.
— أيًا كان ده إيه — قالها — ممكن نشوفه ونحكيه بكرة.
— لا — قلتله — أنت لازم تقراه الليلة دي.
فتح الظرف، سحب أول ورقة، وبص في العنوان اللي فوق.
وبعدين قلب للورقة الثانية.
الابتسامة اختفت تماماً من وشه.
ولما رفع عينه وبصلي أخيراً، مديت إيدي في شنطتي وطلعت ملف أصغر بكتير.. ملف هو لحد اللحظة دي ما يعرفش إنه موجود.
الجزء الثاني: خليني أحكيلكم قصتي.
في يوم، جوزي رجع البيت وهو شايل طفل عنده تلات شهور. ادّعى إن الطفل ده يخص حد من قرايبه من بعيد توفى قريب، وإنه من باب الشهامة والخير قرر يتبناه ويكتبه باسمه. بس وأنا باصة في وش المولود ده، شفت بعيني الشبه القاطع بينه وبين جوزي، شريف الألفي، مرسوم رسم في ملامحه الصغيرة.
حمتي، وهي ماسكة البيبي في حضنها، ماقدرتش تخبي فرحتها العارمة، وقالت بعفوية: “بصوا له بس.. ده دم عيلة الألفي الأصلي.”
في نفس الليلة بالليل، وجوة الجيب الداخلي لجاكيت بدلة جوزي المتقصلة مخصوص، لقيت حافظة متابعة حمل ورعاية قبل الولادة. اسم الأم في الملف كان ريم الكردي.. نفس الست اللي عرّفها عليا على إنها بنت خالته في فرحنا من 5 سنين.
اليوم اللي شريف جاب فيه البيبي فيلتنا في الزمالك كان يوم أربع، الساعة 3 الضهر بالظبط. فاكرة الوقت بالدقيقة لأن في نفس الصبحية دي، كنت في عيادة دكتورة النساء والتوليد في مصر الجديدة بعمل فحوصات وتحاليل عشان نجهز لحمل متخطط له.