الشاور
الشاور كان لسة شغال لما موبايل سمر سجل الحقيقة.
خطيبها كان على بعد خطوتين بس من السرير، بيفسفس في التليفون مع واحدة تانية.
والفرح اللي التحلّل عليها عشان تنظمه وترتبه… عمره ما كان مقصود يكون جوازة.
أول زنة للموبايل جت وسط صوت المية وهي نازلة على السيراميك.
سمر كانت واقفة تحت الدش السخن، ساندا إيديها الإثنين على الحيطة، وسايبة البخار يفك عضلات كتافها المشدودة بعد 12 ساعة شغل طحن ومواضيع الفرح اللي مبتخلصش. مراية الحمام كانت خلاص اتعفرت بالبخار. البليزر الكحلي بتاعها كان مرمي على سبت الغسيل عشان كانت تعبانة ومش قادرة حتى تعلقة في الشماعة. الشمعة البيضا الصغيرة اللي على الحوض كانت خلاص سيحت كل الشمع اللي فيها، وملت الأوضة ريحة لافندر على ريحة سكر… ريحة كانت مسكرة زيادة عن اللزوم لحد ما بقت تحسها مزيفة.
برة باب الحمام، في أوضة النوم، موبايلها زن مرة واحدة على الكومودينو.
وبعدين زن تاني.
وبعدين ثلاث زنات ورا بعض بسرعة.
كانت خلاص هتقفل المية عشان تروح تشوف مين، بس كانت مهدودة حيل بطريقة عدت مرحلة التعب العادي ورشقت في عظامها. سمر عندها 32 سنة، ومتعودة تشيل الضغط وتعديه. مواعيد الشغل مع العملاء، العرابين والمقدمات، ترتيبات القاعة وقعدة المعازيم، عزومة عيد ميلاد أبوها اللي قربت، التعديلات اللي بتطلع في آخر لحظة من بتاع الورد، شغلها هي شخصياً كمديرة تصميمات في شركة دعاية وإعلان في المهندسين… كل الناس هناك كانوا بيقولوا إنها شاطرة ومفيش بديل ليها، بس في الماهية كانوا بيبدلوها بأقل فلوس.
قالت لنفسها هتاخد دش سريع.
خمس دقايق.
عشرة بالكثير.
دش سريع يفك جسمها من هم اليوم قبل ما تطلع تتخمد جنمب شريف، وتحاول من جديد تلاقي الحنية اللي كانت بتطلع بينهم زمان بسهولة.
بس مؤخراً، الحنية بقت عاملة زي الضيف اللي كل شوية يعتذر وما يجيش.
شريف كان أسلوبه بعيد وبارد بقاله شهور. مش غايب تماماً… لو كان غايب كانت هتبقى أسهل وتعرف تسميها. كان لسة بيبوس قورتها وهو نازل الشغل، ولسة بيبعت لها “بحبك” في الرسائل بعض الصباحات، ولسة بيقعد جنبها لما يروحوا يدوقوا أكل القاعة ويهز رأسه على عينات المفرش ويقول لها “اللي تفصليه يا حبيبتي”، وكان الكلام يبان إنه بيشجعها، لحد ما اكتشفت إن قصده “أبوس إيدك بلاش توجعي دماغي وتخليني أهتم”.
كان دايماً مهدود.
دايماً سرحان ومش معاها.
دايماً يطلع الصالة أو البلكونة عشان يرد على “مكالمات شغل”، مع إن المكالمات دي كانت دايماً بتخلص بضحكة مش قادرة تفهمها ولا تطمن لها.
سمر كانت بترمى كل ده على الفرح وتعب التجهيز. ما هو كل الناس بتقول إن تجهيز الشقة والفرح بيجيب عصاب. بس إنك تجهزي فرح وأنتِ شغالاة دوام كامل، وبنتدفعي أغلبيته من جيبك، وبتساعدي في مصاريف علاج أباكي، وبتمثلي إنك مش خايفة من جواكي وأنتِ بتبني حياتك مع راجل تحسيه بيبعد عنك كل أسبوع أكتر من اللي قبله… دي قصة تانية خالص.
بس هي كانت بتحب شريف.
أو بمعنى أصح، كانت بتحب النسخة اللي عرفتها منه زمان.
عشان كده، لما قفلت المية ولفّت الفوطة حوالين جسمها، كانت خلاص قررت إنها مش هتفتح مشكلة ولا تنكد. هتطنش نور الموبايل اللي بيسهر في الوش بالليل، وطريقة إمساكه للفت فون وإمالته بعيد عنها، والدش المفاجئ اللي بياخده أول ما يرجع من “الأيام الطويلة في الشغل”. هتطلع تنام، وتشغل أبلكيشن التأمل، وتغمض عينها.
بكرة هتبقى أهدى وألين.
وبكرة يمكن هو كمان يلين.
أوضة النوم كانت ضلمة وهادية لما فتحت باب الحمام.
شريف كان خلاص دخل تحت اللحاف، وداهر ضهره لناحيتها. اللمبة اللي على الكومودينو بتاعه كانت مطفية، بس نور الموبايل كان ضارب في وشه بألوان زرقا وهو بيقلب. الملاية كانت منكوشة حوالين وسطه، وكتفه العريان متني بعيد عنها زي الباب المقفول.
”يوم طويل؟” سألها من غير ما يرفع عينه من الشاشة.
”زي العادة،” سمر قالت وهي بتنشف أطراف شعرها بالفوطة. “جسمي مكسر.”
”طب نامي وريحي جسمك.”
قالها بصوت هادي وذوق عادي. وهي دي العيبة في الجفا اللي بييجي بالبطيء. مبيجيش دايماً بقسوة أو بقلة أدب، أوقات بييجي في شكل ذوق وأدب زيارة… في المكان اللي كان المفروض يبقى فيه دفء وحب.
سمر غيرت هدومها ولبست بيجامة قطن طرية، ومدت إيدها تجيب موبايلها من على الكومودينو. كان لسة دافي من الشاحن. كام إشعار مستنيين على الشاشة: واحد من أمها بتفكرها بعزومة عيد الميلاد، وواحد من المحل بتاع التورتة بيكدوا الميعاد، وواحد من مديرها في الشغل عشان اجتماع الصبح بدري.
وبعدين لمحت تسجيل صوتي.
اتسجل النهاردة.
الساعة 11:14 بالليل.
سمر استغربت واستعجبت.
هي مش من العادة بتسجل فويسات أو تستعمل مسجل الصوت. أوقات بتسجل فكرة ديزاين وهي سايقة في الزحمة، أو ملاحظات للعميل لما تكون إيدها مش فاضية تكتب، بس هي متأكدة إنها ماسجلتش أي حاجة الليلة دي. أكيد إيدها جبالغلط دوست على الزرار وهي بتحط الموبايل على الكومودينو قبل ما تدخل تاخد دش.
صابعها وقف فوق كلمة “مسح”.
… الجزء الثاني
وقفت سمر ثواني، ودنها مع صوت نَفَس شريف المنتظم وهو مدّي ضهره ليها، وعينها على الموبايل. حاجة جواها – الخوف اللي كان بيزن في عقليتها الباطنة بقاله شهور – منعها تنفض للموضوع أو تمسح التسجيل.
حطت السماعات في أذنها بسرعة، ودست “تشغيل”.
في أول كام ثانية، الصوت كان مشوش. صوت مية الدش وهي طالعة من الحمام نازلة على السيراميك، وصوت شريف وهو بيتحرك برة في الأوضة. وبعدين، صوت خطوات قربت من الكومودينو، وصوت شريف بيكلم حد في التليفون… بس المرة دي بصوته الحقيقي، مش الصوت البارد الذوق اللي بيكلمها بيه.
”لا يا حبيبتي، هي جوة بتاخد دش… مش هتعرف تسمع حاجة.”
سمر حست بنغزة في قلبها كأن حد ضربها بس/كينة. صوابع رجلها أتلجت وهي واقفة مكانها.
صوت شريف كمل في التسجيل وهو بيضحك بكتف مكسور: “يا بنتي افهمي! الفرح ده كله تمثيلية عشان أهلي وأهلها يسكتوا، وأعرف ألم القرشين اللي حاطتهم في الصالة… أنا أصلاً مستني أول ما نكتب الكتاب وآخد الفلوس اللي باباها كاتبها باسمها، وهخلع بيكِ على دبي. هي فاكرة إنها بتعمل ديكورات فرحنا، وهي بتدفع ثمن جوازتنا أنا وانتِ.”
التسجيل خلص عند الدقيقة 11:18. أربع دقايق كانت كفيلة تهدّ كل حاجة بنتها سمر في حياتها.
وقفت سمر في ضلمة الأوضة، حاسة إن الهواء اتسحب منها. عيونها اتملت دموع، بس بدل ما تعيط أو تصرخ، حست ببرود غريب بيمشي في عروقها. البرود اللي بييجي بعد الصدمة لما الواقع يتكشف عريان.
شريف ما كانش بس بيخونها… شريف كان بيبتزها، وبيستغل تعبها وفلوسها، وشايفها مجرد كارت بنك وبوابة لربح سريع.
مسحت دمعة واحدة نزلت على خدها بالراحة. بصلته وهو نايم تحت اللحاف بكل بجاحة، كأنه ما عملش حاجة.
في اللحظة دي، سمر اتغيرت. البنت الصبورة اللي كانت بتلملم وراه وتبتسم وتدفع من جيبها وتعدي القسوة عشان “البيت يعمر”، ماتت جوة الحمام تحت المية السخنة.
قلعت السماعات بالراحة، وحطت الموبايل في جيب البيجامة. ما صرختش، وما صحتهوش من النوم بوفاء دموع.
مشيت بخطوات هادية ناحية الصالة، فتحت اللابتوب بتاعها، وبدأت تشتغل… بس المرة دي مش في تصميمات الدعاية.
أول حاجة: نقلت التسجيل الصوتي على Google Drive وخزنت منه ثلاث نسخ احتياطية في أماكن مختلفة.
ثاني حاجة: فتحت حساباتها البنكية وقَفلت كل الكروت المشتركة اللي كانت عاملاها معاه لتجهيز الفرح، وحولت كل الفلوس لحساب خاص باسمها هي وباباه.
ثالث حاجة: كلمت صاحب قاعة الفرح وبتاع الورد والمصورين، ولغت كل حجز باسمها، وسحبت العربون اللي دفعته من جيبها.
الساعة جَت 5 الصبح.
سمر لمّت كل هدومها في شنطتين كبار، وحطتهم عند الباب. طلعت أصل عقد الشقة والورق اللي يثبت إنها شاركت بالنص في تشطيبها، وحطته في شنطتها.
قبل الشمس ما تطلع، وقفت جنب السرير. شريف بدأ يتمطع ويفتح عينه، ولما شافها واقفة بالشنط وهدوم الخروج، اتعدل وهو بيفرك عينه باستغراب: “سمر؟ إيه الشنط دي؟ أنتِ مسافرة تبع الشغل ولا إيه؟”
سمر بصت له بابتسامة هادية جداً… ابتسامة تخوف.
طلبت تليفونها، وفتحت الفويس، وشغلت السبيكر على أعلى صوت.
صوت شريف وهو بيقول: “هي فاكرة إنها بتعمل ديكورات فرحنا، وهي بتدفع ثمن جوازتنا أنا وانتِ…” ملأ الأوضة.
وش شريف اتخطف. الألوان هربت من وشّه، وشفتيه اتجمدوا. حاول يقف: “سمر… أنتِ فاهمة غلط… ده… ده كان هزار…”
سمر قربت منه خطوة واحدة، وقالت بصوت واطي ومستقر زي السك/ينة: “الورق عند المحامي. الفلوس اللي في البنك اتسحبت. الفرح اتلغى. الشقة دي نصها بتاعي، وأمامك 24 ساعة تتصرف في نصك أو المحكمة هي اللي هتتصرف. وأهلك وأهلي… الفويس ده هيوصلهم كمان نص ساعة في مسج جروب العيلة.”
شريف اتسمر مكانه ومش عارف ينطق ولا يمسكها.
سمر مسكت شنطتها، وفتحت باب الشقة، وقبل ما تخرج بصت له وراها وقالت: “أنا كنت فاكرة إن الشاور فك ضهري… بس طلع فك عمايا.”
قفلت الباب وراها، ونزلت في نور الفجر الجديد.
تفتكري سمر كان المفروض تفضحه قدام العيلة فوراً ولا تتصرف بأدب وتنسحب في صمت من غير شوشرة؟