بنت الشغالة

بنت الشغالة اختفت من البيت من غير ما تسلّم، وما سابتش غير جواب واحد: “أرجوك، ما تدورش علينا”. الراجل اللي كل العيلة بتهابه افتكر إنهم خانوه، لغاية ما لقى 600 ألف جنيه في حسابه وأرنب قماش متخيط بالايد. ولما فتح اللعبة، سمع صوت عمره ما توقع إنه يسمعه أبداً
—لو الست دي مشيت من غير ما تسلم ولا تستأذن، يبقى متعديش عتبة البيت ده ثاني أبداً.
​عمرو الألفي قال الجملة دي من غير ما يرفع صوته، بس كل اللي في الفيلا فهموا إن ده أمر سيف على الكل.
​الساعة ستة الصبح، منى، الشغالة اللي شغال بقالها أربع سنين عند العيلة، كانت اختفت هي وبنتها مريم اللي عندها يادوب ثلاث سنين. أوضتها الصغيرة اللي في آخر الجنينة كانت فاضية تماماً. مفيش فلوس ناقصة، مفيش أدراج مكسورة، ومفيش أي أثر لخناقة.
​كان فيه بس جواب واحد.
​”عمرو بيه: شكراً على كل حاجة. أنا بستقيل من النهاردة. أرجوك متدورش علينا.”
​عمرو قرأ الجواب مرة واحدة بس.
​—مصطفى، اتصل بالشركة. عايز واحدة بديلة قبل يوم الاثنين.
​مصطفى، رئيس الحرس والراجل الأمين بتاع العيلة من أيام الحاج سامح، أبوه، أخد وقت طويل أوي عشان يرد.
​—تمام يا باشا.
​عمرو لاحظ التردد في صوته.
​—عايز تقول حاجة؟
​—أنا بس أقصُد إن منى عمرها ما غابت يوم واحد. ولا حتى لما مريم كانت بتسخن. ولا حتى لما أمها اتوفت.
​—الناس بتروح وتيجي يا مصطفى.
​—صح. بس مش بالطرية دي.
​عمرو أنهى الكلام بنظرة حادة.
​على مدار سنين، كان مقنع نفسه إن منى دي مجرد جزء من نظام البيت الكبيرة ده اللي في أطراف التجمع الخامس. زي الشيش اللي بيتفتح مع الشروق. زي القهوة اللي بتتقدم الساعة سبعة بالثانية. زي اللمبة الصغيرة اللي بتفضل قايدة جنب السلم لما يرجع متأخر أخر الليل.
​بس في الليلة دي، اكتشف حاجة مستفزة جداً.
​البيت م بقاش شغال زي الأول.
​الشغالة الجديدة عملت العشاء بدقة، بس الشوربة كانت حادقة زيادة عن اللزوم.
​واحدة ثانية سابت أضواء البيت كلها قايدة.
​وواحدة ثالثة غيرت ترتيب هدومه ونقلت أوراق من مكانها منى عمرها ما كانت بتلمسها.
​عمرو مشى الثلاثة قبل ما الأسبوع يخلص.
​يوم الخميس، وهو مش عارف يركز خالص، مشى لحد طرقة الخدم القديمة.
​وقتها شاف كرسي خشب صغير محطوط جنب باب المكتب بتاعه.
​الكرسي بتاع مريم.
​افتكر البنت الصغيرة وهي قاعدة عليه وأمها بتكوي، ومخبية في حضنها دبدوب أرنب صغير كانت مسمياه “أرنوب”.
​وافتكر كمان حاجة كان ألقاها من كام يوم جوة درج مكتبه: رسمة بألوان الشمع.
​كان فيها ثلاث أشخاص.
​ست شعرها طويل.
​وبنت صغيرة بضفيرتين.
​وراجل طويل لابس أسود.
​وتحت، بحروف معوجة، مريم كانت كاتبة:
​”ماما. مريومة. عمو عمرو.”
​عمرو شال الرسمة في الدرج في سکوت.
​بعد الظهر اتصل بالدادة فاطمة، ست كبيرة كانت شغالة عند عيلة الألفي من لما عمرو كان صغير.
​—اللمبة اللي في الطرقة —سألها—. مين كان بيبقي قايدها؟
​فاطمة ابتسمت بحزن.
​—منى.
​—ليه؟
​—عشان في ليلة من السنين حضرتك رجعت حوالين الساعة ثلاثة بالليل وخبطت في العفش في الضلمة. هي سمعت الخبطة. ومن ساعتها عمرها ما سابتك ترجع والبيت ضلمة كحل كدة.
​عمرو حس بنغزة وتقلت في صدره.
​—ومريم؟
​—كل ليلة كانت بتسأل: “هو إحنا ولعنا النور عشان عمو عمرو يعرف يوصل لبيته؟”
​الكلام ده فضل يطارده لساعات.
​ولأول مرة، أمر إنه يتم البحث والتفتيش ورا منى.
​بعد ثلاث أيام، مصطفى حط فايل على مكتبه.
​الحكاية كانت بسيطة وموجعة.
​منى اتجوزت وهي صغيرة. جوزها اتوفى في حادثة عربية على الصحراوي بعد ولادة مريم بكام شهر بس. وبعدها فقدت أمها. اشتغلت في تنظيف البيوت، وتفصيل الهدوم، وفي كافيه، لحد ما لقت الشغل عند عيلة الألفي.
​عمرها ما كان لها مشاكل مع القانون.
​عمرها ما استلفت فلوس.
​عمرها ما عاشت في مستوى أعلى من إمكانياتها.
​بس الورقة الأخيرة غيّرت كل حاجة.
​مصطفى أشر على تحويل بنكي.
​ستمية ألف جنيه.
​اتحولوا من ثلاث شهور.
​—الفلوس دي جاية منين؟
​—من شركة اسمها “المرجان للخدمات البحرية”.
​عمرو نفسه اتدعم ولحظة مكنش عارف يتنفس.
​كان عارف الاسم ده كويس.
​المرجان دي كانت شركة وهمية المحامين بتوعه ربطوا بينها وبين “مجموعة السويدي”، المنافس اللي بقاله سنين بيحاول يهد شغالة العيلة ويكسرهم.
​ستمية ألف جنيه اتعلموا في حساب الست اللي كانت عارفة عمرو بينام إمتى، بيسافر إمتى، أنهي أبواب بتفضل مفتوحة، وأنهي طريق بيمشي فيه كل يوم الصبح.
​عمرو قفل الفايل بالراحة.
​وفجأة، اللمبة اللي كانت بتفضل قايدة كل ليلة م بقتش تبان حنية.
​ورسمة مريم م بقتش تبان بريئة.
​واختفاء منى م بقاش يبان مجرد استقالة.
​—هاتها —أمر مصطفى—. قبل ما حد ثاني يوصل لها.
​لأن لو الستمية ألف جنيه دول معناهُم اللي هو فاهمه، يبقى الست اللي عاشت أربع سنين تحت سقف بيته م هربتش من الخوف.
​دي هربت بعد ما خانته.
​وعمرو مكنش لسه يعرف إن الخيانة الحقيقية كانت شايلة نفس اسم عيلته.
لمدة تسع أيام محدش قدر يوصل لمنى ولا يعرف لها طريق. عمرو منع أي حد ينطق اسمها جوة البيت. بس رغم كده، كان كل ليلة وهو طالع السلم يرجع يبص على اللمبة الضلمة اللي في الطرقة. في اليوم العاشر الصبح، شغالة مؤقتة دخلت عليه المكتب وهي ماسكة حاجة في إيدها. —يا باشا، أنا لقيت ده ورا الدولاب في أوضة الخدم.
​كان “أرنوب”. الدبدوب الأرنب بتاع مريم. عمرو عرفه على طول من عينه اللي كانت مخلوعة ومتحاط بدالها زارار أسود، والشريطة الزرقاء اللي ملفوفة حولين رقبته.
​—سيبيه وامشي.
​الست خرجت، وعمرو فضل باصص للدبدوب. مريم كانت بتنام مع الأرنب ده. بتاكل معاه. بتاخده معاها الجنينة. إزاي هربت وسابته وراها؟ لما مسكه في إيده، سمع خبطة وجسم صلب جوة القماش والتنجيد. فك الخياطة الجديدة اللي كانت في ظهره، ولقى جوة جهاز تسجيل صوت صغير أوي.
​مصطفى افتكر وقتها إن منى كانت اشترت من كام شهر جهاز رخيص عشان تسجل عليه قصص وأغاني لمريم لما تكون شغالة لوقت متأخر.
​وصلوا الكارت بالمبيوتر. في الأول مكنش فيه غير أصوات عادية من الحياة اليومية: خطوات رجليها، صوت الأطباق، منى وهي بتغني، ومريم وهي بتتكلم مع أرنوب. لحد ما ظهر تسجيل من شهرين فاتوا.
​كان فيه راجلين بيتكلموا في الطرقة بتاعة الخدم. عمرو عرف صوت واحد منهم على طول.
​—سامح. سامح الألفي. عمه. الأخ الأصغر لأبوه. الراجل اللي وقف جنبه في جنازة الحاج سامح الكبير، والراجل اللي فضل من بعد الوفاة يكرر على مسامعه كل سنة: “طول ما أنا عايش، إنت عمرك ما هتبقى لوحدك.”
​الصوت الثاني كان بتاع إبراهيم، واحد من حراس أمن الفيلا.
​—السويدي هيدفع أول ما الموضوع يخلص —سامح كان بيقول كده—. بس الأول لازم يبان إن التسريب جه من حد جوة البيت.
​—والشغالة؟
​—إحنا خلاص حولنا الفلوس. أول ما كل حاجة تفرقع، هيلاقوا الستمية ألف في حسابها. محدش هيدافع عن حتة شغالة قدام كشف حساب بنكي.
​عمرو حس إن معدته اتعصرت والدم اتجمد في جسمه. التحويل المالي مكنش مكافأة خيانة. دي كانت حبل المشنقة اللي متجهز لها.
​كملوا سمع للتسجيل. كانوا بيتكلموا عن مواعيده. عن باب الجراج. وعن اجتماع في الإسكندرية عمرو كان مسافر له من غير حراسة كاملة. وبعدها سمعوا حاجة أوحش بكتير.
​صوت مريم الصغيرة:
—ماما، أنا شفت عمو سامح جوة أوضة عمو عمرو.
​سكوت.
​—إنتي متأكدة يا قلب ماما؟
​—اه. كان بيبص في الأوراق بتاعته.
​في الليلة دي بالتحديد أكيد الخوف بدأ ينهك منى. مصطفى راجع كاميرات المراقبة، ولقوا مريم فعلاً كانت ماشية في الطرقة وسامح طالع من مكتب عمرو وهو بيحط حاجة جوة الجاكيت بتاعه. وبعدين اكتشفوا إن منى راحت البنك بعد الواقعة دي بثلاث أيام عشان تسأل عن الستمية ألف جنيه، وطلبت تجميد الحساب لأنها متميزش مصدر الفلوس دي، وعمرها ما صرفت منها مليم واحد.
​—يبقى هي عرفت إنهم بيلبسوا لها مصيبة —عمرو قالها بصوت واطي.
​—وكانت عارفة إن واحد من حراسك مع معاهم —مصطفى رد عليه—. غالباً مكنتش عارفة تثق في مين.
​عمرو غمض عينه. منى م هربتش بعد ما باعته. دي هربت لما اكتشفت إن حد من عيلته عايز يدمره ونشّن عليها هي عشان يشيلها شيلته.
​بس كان لسه فيه سؤال ناقص. سامح بيشتغل ضد العيلة من إمتى؟
​مصطفى نزل في الفجرية لأرشيف الحاج سامح القديم. الساعة اتنين واربعين دقيقة اتصل بعمرو:
—تعالى بسرعة يا باشا.
​في صندوق قديم لقوا تحويلات اتعملت من سبع سنين لشركة ثانية. الاسم كان مختلف، بس الحساب البنكي هو هو بتاع شركة المرجان. وفي الورقتين كان فيه إمضاء وموافقة سامح الألفي.
​عمرو بص للتااريخ. حس إن الهواء انسحب من الأوضة. التحويل ده اتعمل قبل ست أيام بس من الحادثة اللي اتوفى فيها أبوه على الطريق الصحراوي. الحادثة اللي حصلت في طريق أبوه كان بيمشي فيه في السر عشان يزور مدافن مراته. خمس أفراد بس في العيلة هم اللي كانوا يعرفوا الطريق ده. وسامح كان واحد منهم.
​عمرو رفع عينيه بالراحة. مصطفى حط قدامه ورقة ثالثة:
—فيه حاجة ثانية يا باشا.
​كان وصل قديم يخص العربية اللي تسببت في حادثة الحاج سامح. الشركة اللي كانت مأجرة العربية طلعت تبع نفس الشبكة والشركات الوهمية دي.
​ساعتها عمرو فهم إنه مكنش بيكتشف خيانة عمرها ثلاث شهور. ده كان بيفتح مقبرة مقفولة من سبع سنين. والراجل اللي فضل طول عمره يناديه “يا عمي”، هو نفسه اللي بعت أبوه للموت.
​قصة مشوقة جداً والأحداث بقت سخنة! منتظرين الجزء الثالث لمعرفة مواجهة عمرو مع عمه، وإزاي هيوصل لمنى ومريم ويحميهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *