حماتي سالتني

قالتلي: “لا.. موضوع العفش ده نسيبه لأهلك يشوفوا هيعملوا فيه إيه”.
بصلتها باستغراب، فشريف اتدخل بسرعة: “يا ماما، مريم مش محتاجة تطلب أي حاجة من أهلها”.
إلهام ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت: “محدش طلب حاجة من حد يا حبيبي”.
​بعدها بأسبوعين، طلبت مني أجيلها البيت لوحدي. لقيتها مجهزة شاي وبسكويت، وحاطة فولدر أوراق على الترابيزة قدامها.
قالتلي: “الظروف اتغيرت يا مريم يا بنتي”.
سألتها بلهفة: “خير؟ في حاجة حصلت؟”.
قالت: “موضوع المساعدة.. مش هنقدر نديكم المليون والميتين ألف.. هما ستمية ألف بس”.
افتكرت إن في كارثة أو ظرف طارئ حصل.
سألتها: “هو عمو حسني جراله حاجة؟ صحته كويسة؟”.
ردت بكل برود: “زي الفل الحمد لله”.
​”طب أومال إيه اللي اتغير؟”.
ظبطت طرحتها وقالت: “اصل الواحدة لازم تأمن نفسها برضه. صاحباتي قالولي لو أهل العروسة مش هيتحركوا ويحطوا إيدهم، يبقى إحنا مش ملزمين نشيل الشيلة كلها لوحدنا!”.
​كلمة “نشيل الشيلة” نزلت عليا زي الصاعقة.
رديت: “بس أنا داخلة بتسعمية ألف جنيه!”.
قالتلي: “ده قرشك أنتِ وداخلة بيه لنفسك.. أنا بتكلم عن أهلك هما”.
​”بس أهلي عمرهم ما وعدوا بحاجة ولا دخلوا في الاتفاق ده!”.
​”أهو ده بقى القصد بالضبط!”.
​قعدت تشرحلي إن النهاردة “لازم العيلتين يظهروا النية والجدية”، وإنهم لو دفعوا كل حاجة، أهلي هيتعودوا على الراحة وياخدوا على كده.
قلتلاها: “يا طنط إلهام، أنتم اللي استعجلتونا عشان نتجوز واستعجلتم الفرح، وقلتم هتساعدونا في السكن!”.
ردت: “ما إحنا بنساعدكم أهو!”.
​”بس بالنص من اللي اتفقتوا عليه!”.
​”والستماية ألف دول شوية يعني؟ ولا طايراهم من السماء؟”.
​”أنا عمرى ما قلت إنهم شوية يا طنط”.
​قلتلها إني شاكرة لأي قرش يحبوا يساهموا بيه، ولو نقصنا حاجة، أنا وشريف هنكمل بقرض شخصي من البنك.
فتحت عينها على آخرهم وقالتلي: “وهما أهلك يرضوا بسخاء كده إن بنتهم الوحيدة تبدأ حياتها ومجوزة بمديونية وقروض؟!”.

​هنا بس فهمت اللعبة! دي ما كانتش زنقة فلوس ولا ظروف.. دي كانت اختبار ورسم منظر.
​في الليلة دي، حكيت لأمي القصة بس على قد إن المساعدة قلّت للنص. أمي سألتني بكل هدوء عن المبلغ اللي هينقصنا، ونصحتني أحسبها بالورقة والقلم من غير ما أدخل في مشاكل ولا أقف مع حد على قرش.
​بعدها بتلت أيام، العيلتين اتجمعوا عشان يرتبوا لمصاريف وتفاصيل الفرح. طنط إلهام بدأت الكلام وقالت قدام الكل إنها للأسف مش هتقدر “تزنق نفسها” للمليون والميتين ألف زي ما كانت متوقعة.
​أمي ردت بكل رصانة: “مفيش مشكلة يا حبيبتي، مقدرين.. الظروف بتتغير على الكل”.
أنا افتكرت إن الموضوع اتقفل عند النقطة دي خلاص.
​بس إلهام ما سكتتش، وراحت ضايفة بتمثيلية زعل: “والله زعلانة عشان العرسان هيضطروا يتدينوا وياخدوا قروض، بس يلا.. كل عيلة بقى وأدرى بإمكانياتها وقدرتها!”.
​شفت أمي ساعتها رفعت عينها فيها ببطء.. أنا حافظة الوش ده كويس! دي اللحظة اللي أمي بتبطل فيها تسمع الكلام الفاضي وتبدأ تقرأ النوايا الخبيثة بوضوح.
​أمي قالت بصوت هادي وتقيل: “لو على كده.. إحنا هندفع الستمية ألف جنيه اللي فاضلين عشان الولاد ما يمدوش إيدهم ولا يتدينوا للبنك”.
​إلهام اتسمرت في مكانها وتنحت: “ستمية ألف؟! هتدفعوهم كاش كده مرة واحدة؟!”.
أمي ردت بثبات: “أيوه، كاش ومرة واحدة”.
وابتسمت أمي ابتسامة هادية وقالت لها: “بس عشان نكون واضحين يا حبيبتي.. مش بنحطهم عشان بنقايض ولا بنعادل حد.. إحنا بنحطهم عشان معانا وقادرين، وعشان دي بنتنا وحبيبتنا”.
​ولأول مرة من يوم ما عرفتها، طنط إلهام ملقتش كلمة واحدة ترد بيها وتسكت خالص.
​بس اللي ما كنتش أعرفه ساعتها.. إن الستمية ألف جنيه دول، هيتحولوا بعد كم شهر للحبل اللي هيتلف حوالين رقبتها وتتكشف بيه قدام الكل!
​بفلوسنا وبالمساعدة دي، اشترينا شقة قديمة شوية أوضتين وصالة في التجمع. ما كانتش فخمة، السيراميك بتاعها قديم والأبواب بتزيق، بس كانت عاجباني وطايرة بيها للسما لأنها بتاعتنا.
​الفرح كان صغير ولمة دافية. أهلي هم اللي دفعوا مصاريف السفرية بتاعة شهر العسل وجابوا جزء من العفش، وأنا وشريف كملنا الباقي واحدة واحدة.
​لمدة كم شهر، الدنيا كانت ماشية هادية ورايقة، لحد ما أخويا أحمد قرر يتجوز صفاء.
​أحمد وصفاء كان بقالهم سنين مع بعض. صفاء دي بنت بسيطة جداً في لبسها، شغالها في الإدارة، وعمرها ما اتكلمت عن فلوس أهلها ولا أملاكهم. ومكانش حد يعرف غير بعد الخطوبة إن باباها صاحب شركة مقاولات ونقليات كبيرة، وإنهم قرروا يهدوا العرسان شقة فخمة بـ 6 مليون ونص في الشيخ زايد!

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *