عند سن 17سنة
عند سن سبعطاشر سنة اختي تسببت إنهم يرموني في الشارع—وبعد سنين حاولت تفضحني قدام العيلة في الكريسماس وتطلعني مفلسة، وهي ما تعرفش إني بليونيرة في السر.
مالت بظهرها على الكرسي، وبصت لبلوفري العادي، وبعدين بصت ناحية العربيات قدام بيت أهلي على العربية التويوتا القديمة المركونة برة.
قالت وهي مبتسمة بقلة أدب: “عندك اتنين وتلاتين سنة يا سارة.. لسة برضه راكبة الكركوبة دي، ولسة قاعدة في الشقة الصغيورة دي، وما حيلتكيش تدفعي لأمي وأبويا غير خمستاشر ألف جنيه في الشهر؟”
السفرة كلها سكتت.
وبعدين ضحكت.
”بجد حاجة تكسف.”
من تمان سنين فاتت، الكلام ده كان ممكن يكسرني.
ليلتها، أنا بس حطيت شوكتي من إيدي.
عشان ياسمين ما كانتش تعرف إيه اللي محطوط في شنطة عربيتي.
وأكيد ما كانتش تعرف إيه اللي جواه.
أنا قضيت معظم طفولتي بتعلم إزاي اختفي.
لما كان عندي تمان سنين، ياسمين اتولدت في الشهر السابع. كانت صغننتة، ضعيفة، ولأيام طويلة كانت فعلاً بين الحياة والموت.
بيتنا اتغير في ليلة وضحاها.
البيت كله بقى ريحته ديتول ومطهرات. أمي كانت بتنظف طول الوقت. أي كحة كانت بتبقى حالة طوارئ.
لو عطست، يبعتوني بيت تيتا.
لو زوري وجعني، ألم شنطتي.
قضيت ليالي كتير أوي برة البيت لدرجة إن بقى ليا بيجامات وفرشة سنان في بيوت أقربائي.
في الأول، كنت فاكراها فسح وإجازات صغيرة.
مع الوقت، فهمت.
ياسمين كانت البنت اللي محتاجة حماية.
أنا كنت البنت اللي ينفع نتركن على جنب.
ومع المرور السنين، صحتها تحسنت.
بس معاملتهم ليا ما اتغيرتش.
كنت بجيب الدرجات النهائيات.
طلعت الأولى على الإدارة في مسابقة العلوم.
طحنت نفسي عشان أكون البنت المثالية عشان بس أخليهم يلاحظوني.
ولا الهوا.
لما رجعت البيت في مرة بامتياز في الرياضيات، أبويا بص للورقة يقرف: “الرياضة سهلة عليكي، طبيعي تجيب الامتياز.”
وبعدها ب دقيقة واحدة لف ل ياسمين وقعد يطبلها عشان عرفت تحفظ جدول الضرب.
في عيد ميلادي الياشر، ياسمين كان عندها حفلة باليه.
فـ عيد ميلادي بقى عبارة عن حتة تورتة بايتة بعد ما الكل رجع تعبان.
فاكرة كويس لما قعدت لوحدي في المطبخ وأنا ببتفرج على الشمع وهو بيسيح على الكريمة.
هي دي المشكلة لما حد يتجاهلك لوقت طويل..
في الآخر، بتبطلي تسألي هما ليه مش شايفينك.
وتبدئي تسألي هو أنا أصلاً أستاهل أتشاف؟
عاما دخلت ثانوي، ياسمين كانت عرفت نقطة ضعفهم كويس وأزاي تستغل قوتها.
كانت عارفة إن دموعها بتجيب نتيجة.
عارفة إن الخوف بيجيب نتيجة.
عارفة إن أمي وأبويا هيصدقوا أي حاجة تقولها عليا لو قالت إني ضايقتها.
ولما بقى عندي سبعطاشر سنة، استخدمت كارتها الأخير.
رجعت البيت من مسابقة المناظرات مهدودة وطلعت أوضتي أذاكر.
ياسمين كانت مشغلة أغاني بصوت عالي تحت، فـ قفلت باب أوضتي.
بس كده.
بعدها بـ عشر دقايق، أبويا اقتحم الأوضة وهو بيزأر.
”عملتي إيه في اختك؟”
ما كنتش فاهمة هو بيتكلم عن إيه.
ياسمين قالتلهم إني رزعت الباب في وشها وزعقت فيها.
وده ما حصلش أصلًا.
بس محدش سألني.
محدش كان عايز يسمع مني.
أمي قالت إن “نوبات غضبي” بقت خطيرة ومحدش يضمنها.
وأبويا قال إن كرهي لـ ياسمين خرج عن السيطرة.
وياسمين كانت واقفة وراهم في الصالة، مربعة إيدها، ومبتسمة نفس الابتسامة الخبيثة الصغيرة.
الابتسامة دي كسرت جوايا حاجة.
ولأول مرة انفجرت وطلعت كل اللي كتمته سنين.
إنهم طول عمرهم بيفضلوها عليا.
إنهم ما بيهتموش بالحق.
إني لو اختفيت بكرة محدش هيحس بيا غير لو ياسمين محتاجة حاجة وما لقتهاش.
وش أبويا اتغير.
وشاور على باب الشقة:
”اطلعي برة بيتي.”
كان عندي سبعطاشر سنة.
فـ مشيت.
أول ليلة، نمت في عربيتي التويوتا القديمة في جراج سوبرماركت كبير في مدينة نصر.
حاطة تليفوني جنبي لحد الساعة تلاتة الفجر.
كنت متأكدة إنهم هيرنوا.
قولت غضبهم هيهدى.
قولت أمي هتتخض وتترعب عليا.
قولت أبويا هيفوق ويستوعب إنه رمى بنته القاصر في الشارع في نص الليل.
التليفون ما رنش.
عشت في العربية دي قرب أربع شهور.
في عز الشتا.
من يناير لحد أبريل.
كنت بغسل هدومي في حمامات البنزينات.
وأستحمى في حمام النادي أو المدرسة.
وأذاكر في المكتبة لحد ما تقفل.
ساعات الصبح كان بيبقى في شبورة وتلج على أزاز العربية من جوة.
وبرضه كنت بروح مدرستي كل يوم.
ومحافظة على درجاتي.
ومصممة إني ما أخليهمش يهدوا الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي—مستقبلي.
أمي وأبويا ما سألوش عليا ولا مرة. ولا حتى بمسج.
وبعدين شفت صور على الفيس بوك.
كانوا خلاص قلّبوا أوضتي لأوضة هوايات لـ ياسمين.
مكتب جديد.
حاجات جديدة.
ديكورات بينك.
وكأني ما كنتش موجودة في البيت ده أصلًا.
في الآخر، مدرسة عندي في الفصل أخدت بالها إني بنام في الحصة لأن ماليش مكان آمن أنام فيه.
الأخصائية الاجتماعية ساعدتني أدخل دار رعاية للشباب.
قعدت هناك لحد ما تخرجت.
تخرجت بمجموع 98%.
الأولى على المدرسة.
محدش من عيلتي حضر التكريم.
ألقيت كلمة المتفوقين قدام صالة مليانة بأهالي الناس الثانية.
ورجعت دار الرعاية لوحدي.
الجامعة جالت لي بمنحة كاملة في الجامعة الأمريكية.