سبع سنين
بعد 7 سنين من طلاقنا، رحت بيت مراتي القديمة في ليلة رأس السنة عشان أقولها حاجة أخدت مني وقت طويل أوي عشان أتحمل مسؤوليتها وأعترف بيها.
أنا كنت غلطان.
ما كنتش مستني إنها تسامحني.
ولا حتى كنت مستني إنها تفتحلي الباب وتدخلني.
كل اللي كنت عايزه إني أبص في عينها وأعترف إني هديت بيتنا ودمرت جوازنا بسبب كبريائي وغروري.
بس أول ما ياسمين فتحت الباب، طلع ولد صغير من وراها.
كان عنده حولي 7 سنين.
لابس شراب أحمر، وتيشرت عليه صورة ريناد، وماسك في إيده نجمة كرتون مكسورة وبتتحرك.
— يا ماما، اتفكّت تاني.
وفي اللحظة دي شافني.
الولد سكت وما كملش كلامه.
بصلي بنظرة كلها شك وديرة رأس كده كنت بشوفها مئات المرات في صوري وأنا صغير.
بس عينيه هي اللي طيرت النفس مني.
رمادي ميلة للزراق.
شبه عيني بالظبط.
— أنت مين؟ — سألني.
حسيت بحاجة اتعصرت جوة صدري.
— اسمي إسلام.
بصيت لياسمين.
وشها كان أصفر زي الورق.
— أنا كنت أعرف مامتك من زمان أوي.
كان رد جبان، بس أنا فعلاً ما كنتش فاهم إيه اللي بيحصل حواليا.
الولد شاور على شارة الجيش الصغيرة اللي كانت لسه متخيطة على الجاكيت بتاعي.
— أنت كنت ضابط؟
— أيوة.
تعبيرات وشه اتغيرت فوراً.
— بجد؟
قبل ما ألحق أرد، ياسمين اتدخلت.
— سيف، روح بص على البسكويت كده.. مش قلت هتروح تزوقه؟
— بس يا ماما…
— سيف.
الولد بصلي بصة أخيره ورجع يجري على المطبخ.
استنيت لحد ما سمعت صوت خطواته بعدت.
وبعدين بصيت لياسمين.
— عنده كام سنة؟
غمضت عينها لحظة.
— إسلام، بلاش تعمل كده هنا.
— عنده كام سنة؟
ياسمين قطعت إيدها وربعتهم.
— 7 سنين.
حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
ورقة طلاقنا كانت اتكتبت ورسيت بالظبط من 7 سنين.
وبعدها بـ 3 أسابيع، أنا اتقلت في مأمورية عسكرية خدتني برة الإسكندرية لمدة 14 شهر متواصلين.
لما رجعت، كانت ياسمين اختفت تماماً من حياتي.
وأنا بنفسي اللي سعيت إن ده يحصل.
غيرت رقم تليفوني.
عملت لها بلوك في كل حته.
وطلبت من أمي هي اللي تستلم أي جوابات أو أوراق مهمة تخصني وأنا مسافر.
في الوقت ده، كنت متأكد ومقتنع إن ياسمين خانتني.
كنت شفت صورة ليها وهي حاضنة راجل تاني برة المستشفى.
طارق.
أنتيمها وصديقها من أيام الكلية.
هي حاولت تشرحلي إن طارق كان لسه فايد أبوه في اليوم ده وإن الصورة ما فيهاش أي حاجة.
بس أنا ما رضيتش أسمع.
كبريائي كان محتاج يعلق شماعة ويلبس حد الذنب.
وكانت ياسمين هي أسهل حد أظلمه.
بصيت جوة البيت.
كان فيه رسومات أطفال ملزوقة جنب السفرة، وشنطة مدرسة مرمية على كرسي، وصورة لسيف في حفلة الملاكمين.
كان بيضحك وسنته المكسورة باينة.
الضحكة كانت هي هي ضحكة أبويا الله يرحمه.
— ياسمين…
الكلمة كانت طالعة بصعوبة من زوري.
— هو ده ابني؟
ما ردتش.
ما كانش فيه داعي ترد.
طلعت برة في التراس وقفلت الباب وراها تقريباً.
— اسمه سيف.
— ابني أنا؟
— أيوة.
سندت إيدي على السور عشان ما أقعش.
طوال 7 سنين كنت بتخيل آلاف الطرق عشان أبدأ حياتي من جديد.
ما كانش في ولا طريقة منهم فيها إن عندي ابن.
— ليه ما قلتيليش؟
ياسمين ضحكت ضحكة مكسورة من غير أي أمل.
— أنت بجد بتسألني السؤال ده؟
سكت وما عرفتش أرد.
كان عندها حق.
— أنا كتبتلك جوابين — كملت كلامها — الجواب الأولاني رجعلي تاني.. والجواب التاني بعته على بيت أمك عشان ده العنوان الوحيد اللي كان معايا ساعتها.
حسيت ببرودة في جسمي أصعب من برد ديسمبر.
— أنا عمري ما وصلني أي جواب.
ياسمين بصت في عيني بثبات.
— أنا عرفت ده دلوقتي.
قبل ما ألحق أسألها تقصد إيه، سيف فتح باب التراس تاني.
كان ماسك 3 بسكويتات محروقين ومكعبلين.
— ماما بتقولي ما أكلمش الغرباء، بس عادي أديهم بسكويت.
ما عرفتش أضحك ولا أعيط.
أخدت واحدة منه.
— شكراً يا سيدي.
— دي فيها سكر زيادة أوي على فكرة.
— يبقى أنت اخترت أحسن واحدة.
سيف ابتسم.
نفس الضحكة تاني.
أبويا.
وطفولتي أنا شخصياً.
7 سنين طاروا من عمري وعمره مش هعرف أرجعهم تاني أبداً.
ياسمين مشّت الولد على المطبخ تاني، وبعدها دخلتني الصالة بس.
ما عزمتش عليا أقعد.
وما كانش ليها حق تعزم عليا.
غابت ثواني ورجعت بحديدة خشب صغيرة.
حطتها قدامي.
كان جوة الحصالة دي حظاظة مستشفى صغيرة أوي بتاعة الأطفال الحديثي الولادة.
سيف إسلام.
تاريخ الميلاد: 28 ديسمبر.
وكان فيه خصلة شعر صغيرة غامقة، وصورة لبيبي لسه مولود، وجواب أصفر قديم.
اسمي كان مكتوب عليه من برة.
إسلام طاهر.
عرفت خط ياسمين فوراً.
إيدي بدأت تترعش.
— ده الجواب اللي رجعلي — قالت ياسمين.
قلبت الجواب على الظهر.
كان فيه ختم البوستة.
وتحته، مكتوب بخط أزرق واضح، جملة خليت الدم يضرب في دماغي.
الخط ده أنا حافظه أكتر من اسمي.
خط أمي.
قريت الجملة مرتين.
وبعدين قريتها للمرة التالتة.
“هو اختار شغله في الجيش، ومش عايز يعرف حاجة عنك ولا عن الولد.. ياريت تبطلي تدوري عليه وتنسيه.”
رفعت عيني ليها بالراحة.
— أنا عمري ما كتبت الكلام ده.
ياسمين ما ردتش.
— ياسمين بصيلي.. أنا والله العظيم ما قلت الكلام ده ولا كتبته!
— عارفة.
— عارفة منين ومن إمتى؟
— من كام أسبوع بس.
— إزاي؟
أخدت نفس عميق.
— لأن أمك جاتلي لحد هنا ودورت عليا.
جسمي كله اتجمد.
— أمي كانت عارفة أنتِ عايشة فين؟
ياسمين بصتلي بحزن كفيل يهد أي راجل.
يتبع