جوزي عزم مديره
“جوزي عزم مديره على العشا عندنا، بس قبل ما يوصل بلحظة، بصلي بقرف وهمسلي: «اقعدي جوة ف الأوضة. أنا مكسوف حد يشوفك بالمنظر ده. لو مديري شافك، هتضيعي عليا الترقية.»
طبخت العشا، وقدمتلهم المشروبات، وسمعت الكلام من غير ولا كلمة.
بعدين ف نفس الليلة، مديره رجع تاني عشان نسي تليفونه. أول ما شافني، اتسمر ف مكانه كأنه شاف عفريت.
وبعدها سألني سؤال واحد خلى الدم يهرب من عروقي:
«أنتي كنتي بتشتغلي ف مستشفى إيه من كام سنة؟»
وفي نفس الليلة، جاتلي رسالة من رقم غريب—وكانت هي السبب اللي كشفلي أخيراً ليه جوزي كان مستميت يخبيني عن كل الناس.
الجزء الأول
«مديري جاي يتعشى معانا النهاردة. جهزي السفيرة واستغبي جوة ف الأوضة. مش عايزه يشوفك بالمنظر ده… طالعة شبه كركوبة أهملت ف نفسها.»
مريم كانت واقفة متسمرة ف نص المطبخ، وماسكة معلقة خشب ف إيدها.
كانت عندها تمانية وأربعين سنة. قَضّت أغلب اليوم بتحضر عشا، جوزها هشام غير رأيه فيه تلات مرات: الأول كان عايز طبيخ بلدي، بعدين لحمة مشوية، وف الآخر قرر إن حاجة «أشيك وأرقى» هتبقى أحسن عشان يبهر صلاح المنشاوي، المدير الإقليمي للشركة اللي شغال فيها.
«عايزني أقفش على نفسي وأقفل الأوضة عليا؟» مريم سألت بالراحة.
هشام حتى مبصلهاش وهو بيبص ف المراية بتاعة الممر وبيظبط لياقة قميصه. «بلاش دراما بقى. أنا على وش ترقية لمدير عام. صلاح جاي البيت لأول مرة، وعايز كل حاجة تمشي مسطرة.»
«ما هو بيتي أنا كمان.»
«وعشان كده بالظبط بطلب منك الخدمة دي. حطي الأكل واختفي شوية.»
مريم حست بالخنقة إياها ف زورها، الخنقة اللي بقالها سنين بتتعلم تبلعها وتسكت.
الشقة الدوبلكس دي ف التجمع كانت ملكها. كانت شاريها من سنين قبل ما تتجوز. ولفترة طويلة، كانت جراحة طوارئ شاطرة ومحترمة، متعودة تقضي ساعات طويلة وطافحة الكوتة ف أوض العمليات، بتاخد قرارات ف ثواني وحياة الناس على المحك.
بعدين، من سبع سنين، بنتها ندى اللي كان عندها اتناشر سنة اتوفت ف حادثة عربية باب زويله بشعة.
بعدها، مريم سابت المستشفى.
ف الأول بطلت تنام. بعدين بطلت ترد على التليفونات. وبعدين بطلت تعرف الست اللي بتبصلها ف المراية.
هشام وقف جنبها ف الأيام السودة دي. كان بياخدها لمواعيد الثيرابي، ويطبخ لما متقدرش تقوم من السرير، ويرفض عزومات أصحابه عشان يفضل قاعد معاها ف البيت.
مريم عمرها ما نسيتله ده.
يمكن عشان كده، لما حنيته دي بدأت تتحول بالتدريج للؤم وقرف وكلام يضايق، اختارت تسكت.
«أنا اللي شلتك وشلت القرف ده كله.»
«أنتي مبقتيش الست اللي اتجوزتها.»
«بصي ف المراية الأول قبل ما تنتقديني.»
على مدار السنين، أقنعت نفسها إن استحمالها لقسوته ده مجرد طريقة بتردله بيها جميله إنه متخليش عنها.
الساعة سبعة بالظبط، صلاح المنشاوي وصل.
أول ما جرس الباب رن، هشام اتحول. بقى بيضحك بملء فيه، وبيتكلم بثقة وثبات، وفتح إزازة عصير فواكه غالية، ورحب بمديره كأنه مقضاش الأربع دقائق اللي فاتوا بيذل ف مراته.
مريم فضلت جوة أوضة النوم الرئيسية.
من مكانها، كانت سامعة صلاح وهو بيمدح ف الأكل. «أكل مدامتك تحفة يا هشام. ادعيها تقعد معانا.»
حصلت سكتة صغيرة.
«متقدرش،» هشام رد، وموطي صوته بنبرة فيها حزن ومأساة. «من ساعة الحادثة بتاعة بنتنا، وهي حالتها النفسية صعبة جداً. بتموت من القلق ومبتستحملش حد غريب.»
مريم رفعت رأسها، وقلبها نزل ف رجليها.
«أكيد الوضع ده صعب عليك أوي،» صلاح قالها وهو متأثر.
هشام أخد نفس عميق وآهة طويلة. «يعني، الواجب بيقول أصلك متبعدش عن حد وهو مكسور. ياما ألغيت سفريات شغل، وراحت عليا اجتماعات مهمة، وحتى ضيعت فرص ترقية عشان بتجيلي نوبة هلع وتكلمني فالتليفون وأضطر أرجع ألحقها. ده فيه أسابيع مبتعتبش برة باب الشقة.»
مريم حست بقشعريرة تلج مشيت ف جسمها.
ده كان كذب ف كذب.
ف السنتين اللي فاتوا، عمرها ما طلبت منه يلغي سفرية. كانت بتنزل تقضي طلباتها بنفسها. تشتري طلبات البيت. تزور أختها ف مصر الجديدة. حتى إنها بدأت تقرأ مجلات طبية تاني.
ف الوقت اللي هي كانت بتحاول ف صمت تجمع شتات حياتها المكسورة، هشام كان ف الشغل بيفصل حكاية درامية عن زوجة عاجزة ومختلة مبتعرفش تعيش من غير تضحيته النبيلة.
بعد تسعة بشوية، صلاح استأذن ومشي.
مريم استنت لحد ما سمعت تكة الباب الثقيل وهو بيقفل، وخرجت عشان تلمس السفره.
فجأة، صوت راجل ندى من عند المدخل. «أنا أسف جداً، نسيت تليفوني المحمول على الطقطوقة اللي هناك دي!»
صلاح كان دخل تاني.
لما رفع رأسه وشاف مريم واقفة جنب سفره الأكل، اتسمر ف مكانه. فضل باصلها كام ثانية، ووشه أصفر والدم هرب منه.
«دكتورة مريم؟»
هشام ظهر وراه، ووشه ف ثواني اتغير وبقى باين عليه الرعب. «إيه ده… أنتم تعرفوا بعض؟»
صلاح حتى مبصش لهشام. عينيه فضلت متثبتة على مريم. «أنتي عملتي عملية لابني.»
مريم حطت الطبق بالراحة على الترابيزة. «كان اسمه إيه؟»
«أحمد المنشاوي،» صلاح همس، وصوته بيرتعش. «كان عنده عشر سنين. دخل الطوارئ الساعة اتنين بالليل بعد ما وقع وقعة جامدة. دكاترة الاستقبال قالولنا إنه غالباً مش هيعيش للصبح.»
الذكريات رجعتلها زي ضربة البرق. ولد وش أبيض. أب مرعوب مستني ف الطرقات. أربع ساعات مرعبة ف أوضة العمليات.
«أحمد…» قالتها وهي بتاخد نفس.
صلاح ابتسم، وعينيه اتملت دموع فجأة. «هو عايش يا دكتورة. عنده تلاتة وعشرين سنة دلوقتي.»
مريم نفسها اتقطع للحظة. «بجد؟»
«ف سنته الأخيرة ف كلية طب القصر العيني،» صلاح قال وهو بياخد خطوة ناحيتها. «عايز يطلع جراح طوارئ. زيك بالظبط.»
صلاح طلع كارت عمل وحطه بالراحة على الترابيزة. «أنا بقالي تلطاشر سنة بتمنى ألاقيكي عشان أقولك شكراً.»
هشام كان واقف متسمر ف الممر، جافيه مشدود، وجسمه متخشب من الغضب.
لما صلاح مشي أخيراً، هشام رزق باب الشقة ولف لمراته وهو بيغلي. «هو أنتي كان لازم تخرجي وتهلي علينا أول ما رجع؟!»
مريم بصتله وهي مش استوعبة رد فعله. «ده كل اللي فارق معاك؟»
«أنا بقالي ست شهور بظبط علاقتي بالراجل ده!»
«وعشان تظبطها، روحت تقولوا إني واحدة معاقة ومبستحملش الناس!»
«بلاش مبالغة بقى!»
«أنا سمعتك يا هشام!»
وش هشام بقى قاسي وحجر…
تفتكري ليه هشام كان مستميت يخلي مريم مخفية عن الكل كدة؟ تفتكري الرسالة اللي جاتلها دي فيها إيه؟
مرت سنتين على اليوم اللي خرج فيه هشام ومكتف بالكلبشات من مقر الشركة.
مريم مش بس قفلت الصفحة القديمة، دي ردمت عليها تماماً. الشقة الدوبلكس اللي ف التجمع باعتها واشترت مكانها بيتها الخاص ف منطقة أهدى، والتبرعات اللي قدمتها باسم بنتها “ندى” كانت البداية لتأسيس جناح كامل لطوارئ الأطفال ف مستشفى قصر العيني.
ف صباح يوم أخير من شهر سبتمبر، مريم كانت واقفة قدام جدول العمليات ف مستشفى السلام الدولي. لابسة بالطوها الأبيض، شعرها مربوط للورا، وعينيها فيها نفس اللمعة والتركيز اللي غابوا عنها سبع سنين.
«دكتورة مريم، حالة طوارئ جاية ف السكة! حادثة عربية على الدائري، وفيه حالة حرجة نزلات غيبوبة ومحتاجة تدخل جراحي فوري!»
التروللي دخل يجري، ومريم كانت ف استقبالهم. بس أول ما بصت لوش المريض ف السرير، رجليها اتسمرت لثانية واحدة.
كان هشام.
وشه مليان جروح، هدمومه مقطعة، وحالته بين الحياة والموت بعد ما عمل حادثة بنفس الطريقة اللي نهى بيها حياة بنته.
نائب الجراحة وقف جنبها متوتر: «دكتورة، دي حالة معقدة جداً وفيه نزيف داخلي ف المخ، حضرتك جاهزة تدخلي العملية ولا نطلب حد تاني؟»
هشام فتح عينيه بالعافية ف لحظة إدراك أخيرة، شاف مريم واقفه فوقه بالبالطو الأبيض. عيونه اتملت رعب وندم، وكان بيحاول يرفع إيده كأنه بيتوسلها، بس مكنش قادر ينطق كلمة واحدة.
مريم بصلته بكل برود، من غير غل ومن غير شفقة. بالنسبة لها، الشخص اللي قدامها مش الراجل اللي دمر حياتها وموت بنتها، ده مجرد “جسد” ف أوضة الطوارئ بيخضع لقسم الأطباء اللي حلفته من عشرات السنين.
سحبت الجوانتي المعقم، ولبسته بثبات:
«جهّزوا أوضة العمليات رقم ٣.. النزيف ده لازم يقف ف خلال عشر دقائق.»
دخلت مريم أوضة العمليات، وأنقذت حياة هشام بعد أربع ساعات شغل شاق متواصل. خرجت من الأوضة، قلعت الكمامة، وبصت لأخته اللي كانت مستنية برة وبتعيط.
«العملية نجحت ووقفنا النزيف، بس الإصابة سابت أثر على المراكز الحركية.. مش هيقدر يمشي تاني على رجليه، وهيحتاج رعاية كاملة بقية حياته.»
هشام عاش، بس عاش وهو محبوس ف جسمه، عاجز ومحتاج اللي يخدمه ف المستشفى.. بنفس الطريقة اللي كان عايز يحبس فيها مريم ف أوضة النوم ويقنعها إنها عاجزة ومبتفهمش.
أما مريم، ففتحت باب المستشفى، وخرجت للهوا النظيف بتاع القاهرة. ابتسمت ابتسامة هادية وهي بتفتكر أحمد المنشاوي اللي بدأ نيابته معاها ف نفس القسم.
عرفت إنها أخيراً اتعافت.. وإن الانتقام الحقيقي مكنش ف موته، بل ف إنها عاشت ونجحت، ورجعت الدكتورة مريم اللي محدش يقدر يكسرها تاني.
تفتكري لو كنتي مكان مريم ف أوضة العمليات، كنتي هتسعفيه برضه ولا هتسيبي القدر ياخد مجراه؟
الجزء الثالث والأخير
هشام اتوتر، ووشه اتخطف لثواني قبل ما يرجع لجموده. «شيرين دي واحدة زميلتي ف الشركة، وبتسأل عن شغل.. بلاش أوهام ومرض!»
أخد مفاتيح عربيته وخرج ورزع الباب وراه، وساب مريم واقفة وسط الصالة، قلبها بيدق زي الطبول.
ف اللحظة دي، تليفونها هو اللي رن بإشعار رسالة من رقم غريب: