يوم راس السنة 1
الفصل الرابع: خيط الخيانة المستخبي
صدمة كهربائية باردة نزلت من أخر رقبتي لحد كعاب رجلي.
قعدت على كرسي المكتب، ونور الشاشة كان منوّر خشَب المكتب المغلق. الجرأة والجبن والندالة بتوع طارق سحبوا الهواء من زوري مرة واحدة. طارق ما كانش راجع البيت عشان يزعق ويفركش وبس؛ ده عدّى على المطعم الأول، وكان بيحاول يسحب من فلوسي بالعافية عشان يغطي العجز من غير ما يضطر يفتح جيبه الشخصي.
مسكت تليفون البيت وطلبت رقم المطعم في ساعتها.
”مطعم الكوربة، معاكي جيهان،” صوت بنت هادي ورد على التليفون.
”أهلاً يا جيهان. أنا رانيا، بكلمك بخصوص حجز رقم 4489.”
نبرة البنت على الناحية التانية اتغيرت وهديت فوراً. “أه يا مدام رانيا. تمام. إحنا كنا بنحاول نخلص الحساب المتبقي ده.”
”جيهان، أنا عايزاكي تقوليلي بالظبط إزاي رقم الكارت ده اتقدم لكم الصبح.”
سكتت دقيقة وترددت. “فيه أستاذ دخل عندنا على الساعة تمانية وأربعين دقيقة. قال إنه جوز حضرتك، الأستاذ طارق. وورا الموظف صورة لكارت الفيزا بتاع حضرتك على موبايله، وطلب مننا نسحب منها مصاريف العزومة والرسوم الإدارية.”
”وأنتم سحبتوها؟”
”حاولنا، بس البنك رفض المعاملة. ولما فشلت، هو اتوتر جداً وقال أكيد فيه مشكلة في السيستم عندكم، وقال هيروح يحب موضوع الحساب ده في البيت.”
”جيهان، الكارت ده اتستخدم من غير علمي ولا إذن مني،” قلتها بصوت هادي وثابت بطريقة تخوف. “لو أي حد حاول يقدم البيانات دي تاني، أرجوكي اطلبي الشرطة. أنا هسدد رسوم الإلغاء اللي عليا بشيك بنكي، بس إياكم تسحبوا أي حاجة من الكارت ده.”
”مفهوم يا مدام رانيا. أنا كتبت ملاحظة في السيستم عندي دلوقتي.”
قفلت السكة.
صدري كان حاسس كأن فيه طوق حديد مشدود عليه بحبل. الموضوع ما بقاش مجرد خناقة بيوت على عزومة وطبيخ. ده بقا سرقة ونصب. طارق كان مقتنع كلياً بإنه يملك فلوسي وموارد، لدرجة إنه ما بقاش شايف فرق بين حسابي الشخصي والكهرباء اللي في جيبه.
دخلت على موقع البنك بتاعي.
على مدار السنين اللي فاتت، طارق كان مصّر إننا نعمل حسابات منفصلة لمصاريفنا الشخصية، ونخلي حساب مشترك واحد بس للتمويل والخدمات الرئيسية. “كده أروق وأوضح،” كان بيقولها زمان في 2019. “مع تغيير نسبتي وعمولتي في الشغل، الأحسن أحط نصيبي في الحساب المشترك وأشيل باقي فلوسي لوحدي.”
وأنا صدقته. وليه ما أصدقوش؟ إحنا متجوزين من أواخر العشرينيات. وقسمنا اللقمة سوى أيام ما كنا ساكنين في أوضة فوق السطوح جنب جامعة القاهرة وبنجمع القرش على القرش عشان المصاريف.
فتحت دفتر كشف الحساب المشترك.
خلال الست شهور اللي فاتوا، طارق كان دايماً بيكرر إن الفلوس زنقة ومقنكة بشكل يخوف. في أغسطس لما موتور التكييف المركزي باظ، أصر إننا نعمله صيانة ومشي حالك بدل ما نغيره. وفي أكتوبر لما جيت أجيب جاكت شتوي جديد عشان التوست بتاع البالتو القديم اتقطم، كشر وقال: “يا رانيا وخدي بالك من المصاريف دلوقتي، السوق مريح. استني لما الشتا يخلص.”
بصيت على التحويلات اللي بتدخل الحساب المشترك.
المبالغ اللي كان بيحطها نزلت تقريباً بنسبة أربعين في المية على مدار الأربع شهور اللي فاتوا. ومع ذلك، فواتير البيت فضلت زي ما هي. وعشان أغطى العجز، سحبت بهدوء من حساب توفيري الشخصي قريب من أربعين ألف جنيه وحطيتهم في الحساب المشترك عشان الشيكات ما تتردش.
الفلوس بتاعته كانت بتروح فين؟
سندت ضهري وبصيت للشاشة. أنا محاسبة بشتغل بالورقة والقلم. بقضي يومي بأكتشف أخطاء الحسابات، وبدور على الفواتير الضايعة، وبظبط ميزانيات الشركات. لو طارق فاكر إنه يقدر يخبي ورايا أثر مالي، فغروره طغى على ذكائه.
سحبت الإقرارات الضريبية المشتركة من الدرج اللي ورايا.
في صفحة تلاتة من الإقرار الضريبي بتاع السنة اللي فاتت، كان فيه كشف بالحسابات البنكية اللي باسم طارق. جنب بنكنا الرئيسي، كان فيه بنك تاني: حساب في بنك التنمية والإئتمان في التجمع.
مسكت التليفون وكلمت البنك.
عشان إقرارنا الضريبي مشترك وعنواننا واحد، كان ليا حق استفسر عن الحسابات اللي شايلة بياناتنا الزوجية الرسمية. ادبت الموظفة بياناتي.
”يا مدام رانيا، أقدر أأكد لك إن الأستاذ طارق هو العميل الرئيسي للحساب ده،” الموظفة قالتها بحذر. “بس حضرتك مكتوبة كـ مستفيد تاني، مش مجرد اسم محطوط.”
”فاهمة،” قلتها. “ممكن تقوليلي إذا كان فيه تحويل جه من حسابنا المشترك في خلال التسعين يوم اللي فاتوا؟”
الست سكتت. صوت تكتكة الكيبورد طلع في السماعة. “أيوه يا فندم. يوم 14 سبتمبر، كان فيه تحويل إلكتروني خارجي بمبلغ ثمانين ألف جنيه.”
ثمانين ألف جنيه!
المبلغ بالظبط اللي طارق حلف إنه مش معاه لما التكييف باظ. المبلغ بالظبط اللي قال مستحيل نطلعه لما بنتنا إنجي كانت محتاجة تغير كوتشات عربيتها قبل زحمة الشتا والمطرة.
”شكراً،” همست وقغلت الخط.
وقبل ما أستوعب الحقيقة المادية والأرقام اللي في التحويل ده، جرس الباب رن.
مشيت للباب، وكنت متوقعة إن طارق رجع تاني يكمل شتيمة وسفالة. بس لما فتحت، لقيت بنتنا إنجي واقفة على المشاية، بتترعش في جاكت أحمر، وماسكة كرتونة فيها اتنين قهوة سبانيش لاتيه.
”ماما،” قالتها وصوتها طالع مخنوق ومتردد.
”إنجي،” رجعت خطوة وسحبتها جوه بعيد عن الهوا والساقعة. “أنتِ إيه اللي جابك في الوقت ده؟ مش المفروض تكوني في الشغل؟”
”أنا أخدت أجازة الصبح،” قالت وهي بتحط القهوة على بنش الممر وبتخلع بوطها. بصتلي بعيونها البني—اللي شبه عيون طارق بالظبط—وكانت محمرة من الدموع. “بابا كلمني الساعة سبعة الصبح. كان متوتر وهيجنن. قال… قال إنك بتطلبي الطلاق.”
وقفت في مكاني. “قال إيه؟”
”قال إن جالك إنهيار عصبي ليلة العيد، ولغيتي كل عزومات العيلة عشان تعاقبي تيتة، وقلتيلو إنك بتلمي شنطتك وماشية.” صوت إنجي اتقطع، ودمعة نزلت من عينها. “ماما، إيه اللي بيحصل؟ تيتة كلمتني بتبكي إمبارح وتقول إنك بوظتي العيد، وبابا بيتكلم زي المجانين، ومحدش بيكلم حد!”
حزن عميق وتقيل نزل عليا—مش عشان طارق، بس عشان السم اللي كان مستعد يضخه في ودان بنتنا لمجرد إنه يحمي صورته وموقفه الوهمي.
”تعالي المطبخ يا حبيبتي،” قلتها بهدوء وأنا بمسكها من دراعها. “اقعدي. اشربي القهوة.”
”ماما، أنتِ بجد هتسيبيه؟” سألت بلهفة، ورفضت تقعد، واقفة مشدودة في نص المطبخ.
”أنا ما لميتش شنطة واحدة يا إنجي،” رديت وأنا بصة في عينها المباشرة. “أبوكي بيكذب عليكِ.”
”وليه هيكذب في حاجة زي دي؟”
”عشان الحقيقة هتبينه بني آدم واطي، وأبوكي مبيقدرش يستحمل يبان أي حاجة غير دور البطل المظلوم الصابر.”
مشيت لترابيزة المطبخ، سحبت الفايل، وحطيت إيميل مطعم الكوربة فوق الوش. وبعدين شاورت على الكرسي. “اقعدي يا إنجي. أنتِ عندك اتنين وعشرين سنة. جه الوقت اللي تعرفي فيه العيلة دي كانت ماشية إزاي بالظبط.”