يوم راس السنة 1
الفصل الثاني: دفتر التضحيات المنسية
”رانيا! إيه معنى الجنان اللي بيحصل ده؟”
سميرة ما وكلتش عيش ولا سلمت حتى. صوتها قطع السبيكر زي المقس لما يقطع في قماش خيش. وفي الخلفية، كنت سامعة صريخ وابن ندى الصغير العالي، وصوت مصطفى الجحوري وهو بيحدف شتيمة بعلو صوته من الممر.
”مساء الخير يا طنط سميرة،” قلتها وأنا ساندة ضهري على دولاب المطبخ. “كل سنة وأنتِ طيبة بمناسبة العيد.”
”إياك تتكلمي معايا بالبرود ده!” صرخت بصوت مكتوم زي الهسيس. “المطعم بتاع الكوربة في الشيخ زايد لسة قايل لطارق إن حجز الترابيزة الخاصة اتلغى من أسبوعين! والحلويات مش موجودة في المحل! ومفيش ديك رومي ولا أكل! التلاجة مفيهاش غير تلات إزايز مياه وشوية كرفس! العيال بتموت من الجوع! أنتِ عملتي إيه؟”
”عملت اللي طلبتوه بالظبط،” رديت بمنتهى الهدوء.
”اللي طلبناه؟”
”أنتِ وطارق قلتم في نوفمبر إن وجودي بيبوّظ فرحة العيد. قلتم إن توتري بينكد على الكل، وإن العيلة كلها تفضل عيد هادي ورايق من غيري. فكل اللي عملته إني وسعت وسيبت لكم السكة.”
”إحنا كان قصدنا متجيش تقعدي معانا على السفرة!” سميرة صرخت، ووقتها طارت كل مظاهر الشياكة والبرستيج اللي بتتظاهر بيهم. “ما كانش قصدنا تتأمري وتلغي الأكل! هو في حد يلغي عزومة أكل لـ 14 بني آدم؟”
”الشخص اللي بيدفع ثمنها،” قلتها وقغلت السكة.
دوست على الزرار الأحمر، وقفلّت التليفون خالص، وحطيته على الرخامة ووشه لتحت. السكوت اللي رجع للبيت كان مطلق، ما بيقطعهوش غير تكتكة ساعة الحيطة اللي فوق الخزينة.
إيديا كانت ثابتة بشكل يتلاحظ. كنت متوقعة إن قلبي يفضل يدق بسرعة، أو أمتلي بمشاعر الذنب القذرة القتالة اللي كانت بتجيلي مع أقل إشارة لعدم رضا سميرة. بس مفيش أي حاجة من دي حصلت. كان فيه بس صفاء ووضوح شديد.
فتحت الفايل الأكورديون.
كان فايل قديم، شارياه من مكتبة في تاني سنة جواز. أطرافه الكرتون كانت متبهدلة، والاستك بتاعه متمط لدرجة إنه بقى مالوش لازمة. جوه كان فيه الفواصل المتعلمة بخط إيدي المرتب بتاع الحسابات: رمضان، العيد الكبير، رأس السنة، عزومات العيلة، مصاريف متفرقة لعيلة طارق.
على مدار سنين، كنت بمسك حسابات البيت بدقة متناهية. دي شغلي في الأول والأخر. الأرقام مش بتكذب. الأرقام مفيهاش من الحجج والتبريرات الملساء بتاعة طارق، ولا فيها من الدراما والتلقيح بتاع سميرة. الميزانية يا ملمومة يا مخرومة.
فرشت الورق على ترابيزة المطبخ تحت النور الأصفر الدافئ.
دي فاتورة من ديسمبر 2018: هايبر وان، 15,400 جنيه. عرقين فلتو، تلات كراتين زبدة، أجبان مستوردة، مكسرات، أطباق ومناديل شكلها شيك للعيد، ولعب وإكسسوارات للعيال أنا حتى ما اشتريتهاش بنفسي.
ودي فاتورة ديسمبر 2020: سعودي ماركت، 12,300 جنيه. ديك رومي بلدي، فواكه استوائية، مخبوزات جاهزة.
ديسمبر 2022: فواتير مطعم شيك في الزمالك، 28,500 جنيه. فاكرة السنة دي بالذات كويس جداً. سميرة اشتكت من وجع ركبها وقالت مش هتقدر تقف على البوتاجاز، وندى قالت إن عيالها عندهم حساسية من الجلوتين ولازم أكل محجوز مخصوص، وطارق ببساطة قال: “اتصرفي أنتِ يا رانيا، ادفعي بكارتك دلوقتي وإحنا هنظبط الحساب بعدين.”
وعمرنا ما “ظبطنا الحساب”.
ولا مرة في خلال سبعة وعشرين سنة، طارق حول مليم واحد من نسبة عمولته الخاصة لحسابي عشان يعوضني عن مصاريف العزومات دي. لما حاولت أفتح معاه الموضوع من أربع سنين، ووريته فاتورة بـ 16 ألف جنيه لحمة وفواكه، بصلي بذهول واستغراب حقيقي.
”رانيا، إحنا عيلة واحدة،” قالها وهو بيمد إيده يطول إزازة حاجة ساقعة من التلاجة. “أنتِ ليه بتحسبي بالقرش؟ شكلها بايخ أوي. عيلتي مبتتحاسبش مع بعضها بالجنيه والنص.”
عشان أنا الوحيدة اللي بدفع الجنيه والنص دول، فكرت وقتها، بس الكلام مات في زوري وما طلعش.
طلعت الآلة الحاسبة. وبضغطة صوابع سريعة، بدأت أجمع الأرقام بتاعة أخر خمس سنين بس. ما دخلتش الحاجات الصغيرة—الهدايا الرفيعة، إزايز العصير المستوردة اللي كنت بشتريها عشان مصطفى بيحب نوع معين، ولا بكر الفويل وورق الزبدة. جمعت الفواتير الكبيرة بس: أكل السوبرماركت، أوردرات الحلواني، عربون المطاعم، الكراسي المأجرة، والهدايا الفخمة للأحفاد اللي كانت دايماً بتتقدم مكتوب عليها من تيتة سميرة وجدو، مع إن سميرة ما كلفتش نفسها خمس دقايق تختارهم.
الرقم النهائي ظهر على شاشة الآلة الحاسبة: 486,350 جنيه.
قريب من نص مليون جنيه!
الفلوس دي ما جتش من فائض وهمي في حسابنا المشترك. دي جمدتها من مرتبي البسيط بتاع تلات أيام عمل في الأسبوع في عيادة الأسنان. دي فلوس كانت ممكن تسدد أقساط عربيتي الهوندا بالكامل من تلات سنين. كانت ممكن تغير السقف أو السباكة البايظة في بيتنا. كانت ممكن تفضل في شهادة أو حساب توفير، وتعملي قرشين محترمين لمعاشي.
بدال كل ده، أتاكلت، واتهضمت، واتحطت في بطون ناس كانوا شايفين إن قيمتي الوحيدة هي قدرتي على إني أخلي أعيادهم وسهراتهم سهلة ومن غير مجهود، وفي نفس الوقت أستحمل الإهانة والتلقيح منهم.
سندت ضهري لورا، وحطيت جبهتي بين كفوف إيديا.
على الساعة عشرة بالليل، الهوا بره بدأ يشد، وصوت صفير المطرة كان بيخبط في إزاز الشباك الكبير. عملت لنفسي براد أعشاب دافي، أخدت المج وطلعت فوق، ودخلت نمت. نمت من غير ما أحلم بأي حاجة، ومن غير ما يطاردني كابوس الديك الرومي المحروق أو البطاطس الباردة.
صحيت الساعة سبعة الصبح ليلة رأس السنة، وكان الجو بره منور وأبيض من أثر الشابورة والمطرة. الشوارع كانت فاضية والمطرة مبللة الشجر الشفشاف على الرصيف.
تليفوني فضل مقفول. سبته في درج المطبخ، لبست الجاكت والبوط، ونزلت مشي لحد كافيه صغير في أول الشارع. الشوارع كانت هادية كأنها مهجورة.
جوه الكافيه، الباريستا الصبية بصتلي بعيون تعبانة وادتني كوباية أمريكانو كبيرة. “كل سنة وأنتِ طيبة،” همست بصوت هادي.
”وأنتِ طيبة وبخير،” قلتها وأنا بديها بقشيش خمسين جنيه. “العيد فعلاً جميل.”
قعدت في عربيتي في ركنة بالباركينج تقريباً ساعة، ببص على البخار الطالع من الغطا البلاستيك الصغير. لأول مرة في حياتي بعد ما كبرت، ما كانش عندي جدول مواعيد. ما كانش عندي رومي لازم أتبله الساعة عشرة، ولا جلاش لازم يتورق الساعة اتناشر، ولا حمات مستبدة لازم أطبطب عليها وأرضيها على الساعة اتنين.
الموضوع كان يخوف.
عقل البني آدم ده شيء غريب ومؤذي. بعد عقود من الاستعباد، الحرية في الأول مبتتحسش إنها طيران؛ بتحس إنك بقع في الفراغ من غير حبل يمسكك. صوت واطي وسام بدأ يوسوس في دماغي: أنتِ بوظتي العيد على العيال. بنات ندى الصغيرين مش هيلاقوا البسكويت اللي بتحشيه. وبنتك إنجي هتتاخد في الرجلين بينكم. وطارق عمره ما هيسامحك على اللي عملتيه ده.
عصرت كوباية الورق في إيدي لحد ما اتطبقت. “لأ،” قلتها بصوت واطي ومسموع في سكت العربية البارد. “أنا مبوظتش حاجة. أنا بس بطلت أشيل الشيلة لوحدي.”
بعد الضهر، رجعت البيت وكلمت مها.
مها كانت أقرب صاحبة ليا من يوم ما كانت بناتنا بيلعبوا مع بعض في الروضة. هي اتطلقت من جوزها الأناصي من اتناشر سنة وشغالة دلوقتي فتحت محل جاليري وانتيكات في المعادي. كانت عارفة السلالة بتاعة عيلة طارق كلها: شر سميرة المستخبي، عجز ندى والأنانية بتاعتها، وحياد طارق الجبان.
”أنتِ عملتي إيه؟” مها اتخضت بصوت عالي لما حكيتلها.
”لغيت كل حاجة،” قلت وأنا واقفة عند الحوض وبص لقطرات المطرة وهي بتنزل من الشباك. “الأكل، الحلواني، وحجز المطعم. وبعدها قفلت تليفوني.”
السكوت فضّل على الخط لخمس ثواني كاملين، وبعدها طلعت منها ضحكة صافية ومبهوجة رنت في السماعة.
”رانيا يا مجرمة! أنتِ بتقوليلي إن سميرة قعدت قدام سفرة فاضية ليلة العيد؟”
”ما أعرفش هي قعدت قدام إيه،” اعترفت لها. “تليفوني مقفول من إمبارح.”
ضحك مها هدي وتحول لنبرة جادة ومركزة. “اسمعيني يا رانيا. لازم تجهزي نفسك. أنتِ مش بس خرجتي عن الطوع، أنتِ ولعتي في الطابور كله. طارق مش هيسكت على دي. راجل بالدماغ دي يستحمل مراته تبقى زعلانة طول العمر، بس ميعرفش يستحمل مراته تبقى مش بتسمع الكلام.”
”أنا معايا الفواتير والإيصالات يا مها.”
”الفواتير مبتفرقش مع الناس اللي عايشين في أوهام،” حذرتني. “خليكي صاحية ومصحصحة. وإياكي، يلعن أبوه الشيطانه، تضعفي أو تعتذري!”
بعد ما قفلنا، جالي إحساس غريب. طلعت صينية بسبوسة من التلاجة—كنت خابزاها للبيت من أسبوعين—وحطيتها في الفرن تسخن. ريحة السمنة البلدي والشربات ملّت البيت الفاضي.
الضعف جالي لدقيقة واحدة على الساعة أربعة العصر، فكرت بجد أخد الصينية دي وأحطها في سبت، وأسوق في المطرة لبيت سميرة وأقدمها كعربون صلح. البرمجة القديمة كانت محفورة جوايا. الرغبة إني أهدي اللعب، وأكون “الست العاقلة الأصيلة”، وأخلي طارق يبطلي بصلة العتاب والزعل… دي كانت وجع بياكل في عظامي.
مشيت للممر، لبست البوط نص لبسة، ووقفت.
يمكن نعرف نعمل عيد هادي السنة دي. صوت سميرة رن في دماغي.
قعت البوط من رجلي. رجعت المطبخ، قطعت قطعة بسبوسة محترمة، حطيتها في طبق صيني، وأكلتها بالشوكة واحدة واحدة وأنا ببص على المطرة بره الشباك.
كان طعمها تحفة.
يوم الاتنين الصبح، بعد تمانية وأربعين ساعة من أول مكالمة، باب الشقة الأروك التقيل اتفتح بخبدة هزت الحيطة.
طارق كان واقف في الصالة.
البالطو بتاعه مفتوح، الكرافتة مفكوكة، وعينيه حمرة كأنها دم، وحواليها هالات سودة من التعب والغل. حدف مفاتيح العربية على التربيزة بخبدة تقيلة رنت في الفازة الكريستال.
”إحنا لازم نتكلم،” قالها وصوته بيموت ويترعش من الغضب المكتوم. “دلوقتي حالا.”
الفصل الثالث: خيال على الرخامة
ما اترعشتش. كنت واقفة عند الرخامة، وسكينة الزبدة في إيدي، بدهن مربى توت على حتة عيش توست محمص.
”صباح الخير يا طارق،” قلتها بهدوء.
دخل المطبخ بفرعنة، وبوطه سايب وراه علامات طين ومية وسخة على أرضية الباركيه المعمولة بالورنيش اللي كنت مسحاها من يومين. ما كانش فارق معاه. مال بجسمه لفي، وحط إيديه الاتنين على طرف الرخامة، وقرب وشوشته من وشي.
”عملتيها بجد،” قالها بصوت زي الهسيس. “عملتيها وقصدتي تخربي وتدمري عيلتي.”
حطيت سكينة الزبدة على طرف الطبق. “أنا لغيت الحجوزات والأكل اللي كنت بنظمه وبدفعه من جيبي الشخصي. ده مش خراب ولا تدمير. ده انسحاب من السكة، بالظبط زي ما أنت اقترحت عليّ.”
”بلاش تلفي وتدوري معايا يا رانيا!” زعق بعلو صوته، وضرب بكف إيده المفتوح على الرخامة ضربة هزت التوستر. “أنتِ فاهمة إيه اللي حصل هناك؟ عندك أي إدراك للإهانة اللي أنا اتعرضت لها؟ أمي كانت بتبكي بالدموع! وعيال ندى كانوا بيصرخوا من الجوع عشان مفيش أكل غير شوية وافل متلج وشربة خضار علب مصطفى لقاها في أخر الخزينة! قضينا ليلة العيد بنفحط بالعربية ندور على أي محل كشري أو فول مفتوح زي الشحاتين!”
”وليه ما نزلتوش السوبر ماركت يوم 23؟” سألته بمنتهى الهدوء.
برق بعينه، والذهول كسر الغضب اللي في وشه لدقيقة. “إيه؟”
”السوبر ماركتات كانت فاتحة طول يوم 23. وكانت فاتحة لحد الساعة ستة ليلة العيد. كان عندكم 48 ساعة كاملين بعد ما أنا انسحبت. ليه ندى ما نزلتش للفيومي تجيب لحمة؟ ليه مصطفى ما جابش فرختين؟ ليه أنت ما عملتش كده يا طارق؟”
وشه اتغير ولونه بقى أحمر أرجواني. “عشان دي كانت شغلتك أنتِ!”
”لأ،” قلتها، وصوتي نزل درجة وخرم السكوت بهدوء وثبات. “دي كانت خدمتي وتطوعي. ده كان كرم مني. عمرها ما كانت شغلي. الشغل بيبقى ليه أجر بالثانية والساعة يا طارق. الشغل بيبقى فيه تقييم أداء ومزايا. اللي كنت بعمله لعيلتك كان عبودية وسخرة ببلاش، والمقابل الوحيد اللي كنت باخده هو محاضرة سنوية عن إزاي توتري بيبوظ جو العيلة.”
طارق رجع خطوة لورا، وهز رأسه كأنه بيحاول يطير المية من ودنه. بصلي كأني واحدة غريبة طالعة له من تحت الأرض.
”أنتِ اتغيرتي،” دندن بقرينة وقرف واصل لشفايفه. “أنا بقيت مش عارف أنتِ مين أصلاً. بقيتي… غلياوية أوي. وحاقدة. الجواز مش المفروض يكون كده. الجواز مشاركة.”
”مشاركة؟” طلعت مني ضحكة حادة ومستغربة. “هو ده اللي بتسميه مشاركة؟ على مدار سبعة وعشرين سنة، المشاركة بالنسبة لك كان معناها إني أستحمل إهانات أمك، وألم القرف والزبالة ورا سكر أخوك، وأدفع مصاريف عزومات عيلتك من جيبي، وأكتم بؤي وأسكت عشان سيادتك متتحطش في ثانية واحدة عدم راحة.”
”أنتِ أحرجتي أمي ومسحتي بكرامتها الأرض!” زعق تاني ومال بجسمه عليا. “ست عندها أربعة وسبعين سنة! مفاضلش ليها كتير من المناسبات دي، وأنتِ خليتي شكلها زي العبيطة قدام عيالها!”
”طنط سميرة هي اللي هانت نفسها لما قالت لمرات ابنها إن وجودها بيبوظ راحة العيلة،” رديت عليه. “أنا مجرد إني اديتها الهدوء اللي كانت بتتحايل عليه.”
طارق مسح جبهته، ومشي تلات خطوات ناحية الخزينة ورجع تاني. “هي ما كانش قصدها كده يا رانيا! أنتِ بتاخدي كل حاجة على أعصابك! هي كانت بس بتحاول تقول—”
”أنا عارفة هي كانت بتقول إيه،” قطعت كلامه. “والأهم من ده، أنا عارفة أنت كان قصدك إيه. أنت ما كنتش عايزني هناك عشان وجودي بيفكرك بذنبك. كل ما أتنفس أو يبان عليا التعب، بيفكرك إنك قاعد على ظهرك ومأنتخ في الوقت اللي مراتك بتشيل وتحط وتتهد لوحدها.”
”ده كذب وافتراء!”
”أنت عارف أنا صرفت كام على عيد السنة اللي فاتت يا طارق؟”
شاور بإيده باستهتار. “ما أعرفش. كم ألف يعني. أي حاجة.”
”ستة وأربعين ألف وسبعمية وخمسين جنيه.”
اتسمر في مكانه. إيده فضلت معلقة في الهوا. “إيه؟”
”ستة وأربعين ألف وسبعمية وخمسين جنيه،” كررتها بالبطيء. “بين الأكل الجاهز، والمحلواني، والجزارة، والهدايا لاتنين وتلاتين فرد، والديكورات، وتأجير الكراسي، والمشروبات.”
”كلام فارغ وهبل،” اتقمص ووشه قلّب، بس عينيه بدأت تتحرك بتوتر ناحية الطرقات. “أنتِ بتألفي الأرقام دي عشان تبرري الجنان والطفاسة اللي عملتيها.”
مشيت لحد ترابيزة السفيرة، مسكت الفايل الأكورديون التخين، وحدفته على الرخامة بخبدة تقيلة طخ.
”كل حاجة هنا،” قلتله. “بالورقة والقلم. بند بند. بالشهادات والإيصالات وكشوفات الحساب من تمان سنين فاتوا. اتفضل. اجمع. راجع حساباتي. أنت شغال في اللوجستيات والشحن يا طارق—وبتحب الحصر والمراجعة. اعمل مراجعة بنفسك.”
بص للفايل كأنه قنبلة موقوتة هتفرقع في وشه. ما مدش إيده يلمسه. حتى الكرتون ما رضيش يلمسه بصوابعه.
”دي ما كانتش كلها فلوسك أنتِ،” قالها بصوت واطي ومتردد، ونبرته نزلت كذا درجة. “فيه جزء كبير جه من الحساب المشترك.”
”راجع كشوفات الحساب،” قلتها بهدوء. “كل تعريفة طلعت من حسابي الشخصي—اللي بينزل فيه مرتبي بتاع عيادة الأسنان. أنت بنفسك اللي أصرّيت على ده من سنين لما اشتكيت إن مصاريف الأعياد بتاكل من نسبتك وعمولتك.”
طارق بلع ريقه بصعوبة. فكه بدأ يتحرك يمين وشمال. كان محشور في الزاوية، وزي أي كائن محشور مبيعرفش يدافع عن نفسه غير بالقلة والأذى، لجأ للغشومية.
”أنتِ مريضة،” همس بيها وهز رأسه. “أنتِ مريضة بجد. شايلة الإيصالات دي زي المجانين، ومستنية اليوم اللي تستخدميها فيه عشان تلوّي دراعي. الموضوع ما كانش تعب ولا إرهاق. دي كانت نفسنة وانتقام. أنتِ مخططة لده من بدري.”
”الانتقام كان إني أطبخ أكل معفن وأقدمه ني،” رديت وأنا بصة في عينيه من غير ما أرمش. “الانتقام كان إني أروح وأعمل مشكلة على السفرة قدام الكل. أنا ما عملتش كده. أنا ببساطة رفضت أنقذك من النتائج الطبيعية بتاعت قلة أدبك وعدم احترامك ليا.”
بصلي لفترة طويلة، وصدره بيطلع وينزل تحت القميص المكرمش. وبعدين، تليفونه اهتز في جيب الجاكت.
طلعه، بص على الشاشة، وطلع نفس مكسور. “دي ماما.”
ما ردش عليها قدامي. لف على عقبه، مشى بسرعة للصالة، وسحب البالطو بتاعه من على الممر. وقبل ما يفتح الباب، بص وراه فوق كتفه.
”أنتِ محتاجة تتعالجي يا رانيا،” قالها ببرود قاسي. “محتاجة معالجة بجد. أنا رايح لأمي عشان ألم القرف والخراب اللي عملتيه. متستنينيش.”
باب الشقة اتقفل بخبدة ترج العمارة.
وقفت في نص المطبخ، محاطة بريحة التوست والمطرة الساقعة اللي داخلة من الباب. إيديا في الآخر بدأت تترعش، ضخة أدرينالين متبقية بتضرب في أعصابي.
ما عيطتش. مشيت على الحوض، غسلت الطبق بتاعي، وحطيته في غسالة الأطباق.
كنت لسة بَلف عشان أطلع فوق ألبس عشان أنزل الشغل، لما اللاب توب بتاعي، اللي كان مفتوح على المكتب الصغير في جنب الصالة، أدى صوت إشعار إيميل جديد.
الإيميل كان من مطعم الكوربة في الشيخ زايد.
قربت وضغطت على المعاينة. عنوان الإيميل كان: إشعار بمعاملة مرفوضة – حجز رقم #4489.
نفَسي اتقطع في زوري.
فتحت الرسالة. وقت الرسالة كان مكتوب الساعة 9:15 الصبح—يعني أقل من ثلاثين دقيقة قبل ما طارق يدخل من باب الشقة.
عزيزتي المدام رانيا، الرسالة بتقول. حاولنا سداد رسوم إلغاء الحجز والرسوم الإدارية المتبقية وقدرها 1,800 جنيه باستخدام الفيزا المعتمدة المنتهية برقم 4102 والموجودة في النظام. العملية اترفضت من البنك التابع لكم بسبب رمز: الكارت مربوط بطلب إلغاء/غير مصرح به.
الكارت اللي آخره 4102.
ده ما كانش كارت طارق. دي كانت الفيزا الشخصية بتاعتي—اللي في محفظتي، واللي أنا مسحت بياناتها من سيستم الحجز من أسبوعين.
فيه حد دخل مطعم الكوربة الصبح، واداهم بيانات كارتي من إيصال قديم أو صورة متصورة على الموبايل، وحاول يسحب الفلوس من حسابي عشان يسدد ديون العيلة المتبقية.
وما كانش فيه غير بني آدم واحد بس هو اللي معاه البيانات دي.