حماتي رزعت شنطة أمي

حماتي رزعت شنطة أمي السماوي برجلها جامد، لدرجة إنها اتزحلقت على الأرض الرخام المتقادة بالتدفئة.
​الشنطة خبطت في الحيطة بصوت مكتوم.
​أمي اتسمرت مكانها. وأبويا وراها وُطّى بسرعة، وإيديه الاتنين بترتعش وهو بيمسك الشنطة يرفعها من على الأرض.
​”الفيلا زحمة ومش هتكفي”، بيتي قالتها ببرود. “خدي أهلك وتوكلوا على الله من هنا.”
​الفيلا كان فيها ست أوض نوم.
​دي كانت اللحظة اللي بطلت فيها أضحك على نفسي وأقول إن الموضوع مجرد سوء فهم.
​أمي وأبويا، فرج وماجدة، كانوا مسافرين ست ساعات بالعربية من المزرعة بتاعتهم في الأرياف عشان يحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين. أمي كانت لابسة البلوزة المشجرة اللي شايلالمناسبات المهمة بس. وأبويا كان لسه ماسك كاب المحل بتاع التاوي في إيديه الاتنين.
​حتى إنهم كانوا معبين سندوتشات في ورق فوليل، عشان “ما يصرفوش فلوسي” في استراحات الطريق الصحراوي.
​دي رحلة أنا كنت دافعة فيها يجي مليون و نص جنيه.
​الفيلا في الجونة، الشيف الخصوصي، العربيات، الشغالين.
​كل قرش لاتصرف كان مدفوع من كارتي أنا.
​وبيتي كانت عارفة كده كويس.
​كانت خلاص استولت على الأوضة الماستر اللي أنا كنت حادجاها لأمي وأبويا. وشقيقة جوزي، شيرين، كانت حولت أوضة تانية لاستوديو تصوير بـ “رينج لايت” واستاندات هدوم وخلفية تصوير.
​الصبح، كنت لقيت سبت الترحيب بتاع أمي وأبويا مرمي على أرضية الممر.
​بلعت زعلي.
​ونقلت حاجتهم.
​وقلت لنفسي بلاش تنكدي عليهم في يوم عيد جوازهم.
​ولما أمي وأبويا وصلوا.
​بيتي بصت لشنطهم الشامبوان القديمة وقالت: “الشنط دي شكلها طالع من الزبالة.”
​إيد أمي اترعشت وطلعت لطاقة البلوزة بتاعتها.
​أبويا كان بيلف الكاب بين إيديه ببطء.
​وبعدين بيتي رزعت الشنطة برجلها.
​”خديهم ووديهم أي لوكاندة رخيصة على الطريق”، قالتها بقلة أدب. “مكان زي ده خسارة في ناس شبههم.”
​أبويا مسك الشنطة المتجرحة.
​”نقدر نرجع البلد النهاردة عادي”، قالها بصوت واطي. “مفيش مشكلة يا بنتي.”
​أمي وطت رأسها للأرض.
​”أنا آسفة.”
​كانت بتعتذر عشان هي اللي اتأهانت!
​”يا أمي بس خلاص.”
​جوزي شريف كان لسه طالع من التراس.
​بص لأمه.
​”اعتذري. حالا.”
​بيتي يا دوب بصتله.
​”أنا مش هقعد تحت سقف واحد مع ناس مش عارفين أصول القعدة في أماكن زي دي.”
​ملامح شريف نشفت.
​”هما مش المشكلة يا أمي. أنتِ اللي مشكلة.”
​عمري ما سمعت النبرة دي منه في عشر سنين جواز.
​نبرة جافة. قاطعة.
​”نورهان هي اللي دافعة ثمن البيت ده”، قالها. “والشيف. والعربيات. العربية اللي أنتِ جيتي بيها حتى. كل جنيه مدفوع من جيبها.”
​شيرين دخلت وهي ماسكة الموبايل.
​وجهت الكاميرا ناحية أمي وأبويا.
​ناحية بلوزة أمي.
​كاب أبويا القديم.
​محتوى للتيك توك.
​وبعدين ضحكت.
​”أنت بتهين أمك عشان تدافع عن الناس دول؟”
​شريف وقف قدام الكاميرا بتاعتها بضبط.
​”الناس دول هما أهلي.”
​بيتي رفعت رأسها بتكبر.
​لسنين طويلة، شريف كان الابن اللي بينزل دماغه الأول. الابن اللي بيدفع الفواتير عشان يعدي الدنيت. الابن اللي بيبعل أي إهانة قبل ما تقلب بمشكلة.
​كانت فاكرة إنه هيعمل كده تاني.
​وبدال ده، قالت: “طيب زي الفل. اتفضلوا امشوا كلكم. أنا وشيرين نقعد ونسلك بالبيت من غير ما الفلاحين دول يبوظوا الصور.”
​الصور بتاعتنا.
​الكلمة دي فهمتني كل حاجة.
​شيرين كانت خلاص وعدت براندات بـ 15 شغلانة يتصوروا في الفيلا. وكانت كاتبة للناس على النت: “عيلتنا متعودة تصيف هنا كل سنة.”
​احنا مكنش بقالنا يوم واحد حاطين رجلنا في المكان.
​دي مكنتش رحلة عيد جواز بالنسبة لهم.
​ده كان مجرد لوكيشن تصوير.
​وأمي وأبويا كانوا بيبوظوا المشهد.
​بصيت لشريف.
​وهو بصلي.
​عشر سنين جواز اختصروا كل الكلام في نص ثانية.
​”تمام”، قالها بهدوء. “افرحوا بالبيت على أد ما تقدروا.”
​ومسك الشنطتين السماوي.
​أبويا لبس الكاب بتاعه.
​أمي مشيت ورايا وهي بتوشوش باعتذارات مفيش حد طلبها منها.
​لميت حاجتنا من الأوضة في 11 دقيقة.
​بس مكنتش بلم الهدوم بس.
​كنت على الموبايل.
​أربع تذاكر طيران.
​تأكيد.
​تأكيد تاني.
​وبعدين مكالمة أخيره عند الريسبشن مع الأستاذ طارق، مدير الفيلا.
​اتكلمت بصوت واطي.
​سألني سؤال واحد.
​وبعدين كتب حاجة عنده.
​”مفهوم يا أستاذة نورهان.”
​شيرين كانت ماشية ورايا في الصالة والموبايل لسه مرفوع نص رفعة.
​شافتني ببتسم.
​ولأول مرة، كان باين عليها القلق.
​بعد ساعة، كنا في العربية وبنبعد عن المكان.
​أمي وأبويا كانوا فاكرين إننا مروحينهم البلد.
​أمي اعتذرت أربع مرات عشان “بوظت الإجازة”.
​وأبويا عرض مرتين إنه يدفع ثمن البنزين.
​وبعدين أخدنا دخلة مطار القاهرة.
​ديت أمي كارت الحجز المطبوع.
​قرأته مرة.
​وبعدين قرأته تاني.
​”يا نورهان يا بنتي.. ده مكتوب فيه دهب!”
​”أربع تذاكر”، قلتلها. “درجة أولى.”
​بصلتي بذهول.
​”في فيلا تانية هناك. على البحر على طول. وأسمك أنتِ والحاج على أوضة العرسان. ومحدش يعرف العنوان غيرنا.”
​أمي قعدت تعيط في العلبة بتاعت السندوتشات.
​وأبويا كان باصص لكلمة “درجة أولى” على التذكرة كأنه فاكر إن في غلطة مطبعية.
​أول ما طلعنا في الجو، عملت مكالمة تانية.
​”أنا نورهان الشناوي. الحجز باسمي أنا بس.”
​الموظف أكدلي.
​”إلغي كل الخدمات اللي فاضلة”، قلتله. “ومش عايزة الستين دول يفضلوا في الفيلا النهاردة.”
​جنبي، شريف كان فاتح كشف حساب الفيزا بتاعه.
​كان بيفضل يسحب للشاشة لتحت.
​وفكه بيجز من الغيظ.
​وبعدين لف الشاشة ناحيتي.
​اكتر من 800 ألف جنيه!
​كوافيرات، نوادي، اشتراكات، ومشتريات شهرياً محدش فينا يعرف عنها حاجة.
​كل ده على الكارت الإضافي اللي كان مديه لأمه من سنين “للطوارئ”.
​شريف ميتكلمش.
​فتح أبلكيشن البنك.
​جاب اسم بيتي من قائمة المسموح لهم بالكارت.
​وداس على زرار واحد.
​رسالة تأكيد ظهرت.
​داس “نعم”.
​على ارتفاع آلاف الأقدام في الجو، الكارت اللي بيتي كانت عايشة بيه وقف بطلب هادي.
​واللي الستين دول مكنوش فاهمينه، إن حجز الفيلا كان ماشي بنفس الطريقة.
​بتاع الشخص اللي اسمه على العقد.
​أنا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *