”وأنا شايلة الحلويات وطالعة بيها على سفرة عزومة العيلة
”وأنا شايلة الحلويات وطالعة بيها على سفرة عزومة العيلة، اتسمرت مكاني بره أوضة السفرة لما سمعت أمي بتضحك وتقول:
«فريدة مش هتمانع تعزل وتروح تقعد في شقة إيجار. الشقة التمليك بتاعتها اللي بتلاتة مليون ونص بقت ملك عيلة ندى دلوقتي—ومن غير ما تدفع مليم إيجار.»
ما صرختش. ابتسمت، وقدمت الفطيرة، وسبت ندى تتفاخر وتهد الدنيا على الفيسبوك لمدة تلات أسابيع. وبعدها وافقت على عرض كاش، بعت العقد وسجلته، واختفيت تماماً.
تسعة وسبعين مكالمة لم يُرد عليها نوروا شاشة تليفوني الصبح في اليوم اللي عربية النقل جيه فيه تشيل العفش.
على مدار ست سنين، كنت بشتغل ستين ساعة في الأسبوع كمحللة مالية في شركة كبيرة في وسط البلد بالقاهرة، باخد أكلي معايا في علبة وأوفر، وبوفر مصاريفي وما بسافرش فسح ولا مصايف عشان أسدد أقساط الشقة. وأنا عندي تسعة وعشرين سنة، بقيت المالكة الوحيدة لشقة متوضبة تشطيب مودرن، أوضتين وصالة في المعادي، قيمتها وصلت 3.5 مليون جنيه. أختي الصغيرة، ندى، كانت عايشة حياة تانية خالص: متجوزة واحد عاطل فاكر نفسه فنان ومزيكاتي اسمه كريم، وعندهم طفلين صغار، وعايشين طول عمرهم عالة على بابا وماما، مجدي وماجدة، يدفعلهم ديون الكروت وشكك الإيجار المكسورة عليهم.
لما وصلت بيت بابا وماما عشان عزومة رأس السنة وأنا شايلة فطيرة قرع عسل معمول بيتي، وقفت ثواني بره باب المطبخ لما سمعت همسات ومناقشات حماسية بصوت واطي جاية من سفرة الأكل.
«فريدة معاها فلوس وزايدة عنها،» أمي ماجدة قالتها بهمستها الخبيثة وهي بتضحك بتبجح. «تقدر بسهولة تؤجر شقة صغيرة أوضة وصالة جنب محطة المترو. ندى محتاجة المساحة دي عشان العيال. إحنا خلاص قولنا لكريم إنهم هيستلموا شقة فريدة اللي في المعادي من أول فبراير. ببلاش طبعاً، من غير ما يدفعوا مليم.»
أبويا مجدي هز رأسه وموافق جداً: «هي مش هتعترض. فريدة طول عمرها البنت العاقلة والمطيعة. إحنا اللي ربيناها وعملناها، ودا دين عليها للعيلة عشان تقف جنب أختها. إحنا هنقولها بساطة إن ده واجب عائلي.»
ندى صرخت من الفرحة، وخبطت كاسها في كاس كريم: «أنا نزلت بوست على الفيسبوك خلاص إننا رايحين نعيش في المعادي وهاي كلاس! الدريسنج روم اللي في الأوضة الماستر هعملها الاستوديو الخاص بتاعي!»
كل نقطة دفء في دمي اتجمدت. أنا ضحيت بعشرينات عمري عشان أأمن مستقبلي المالي، وبابا وماما بيتعاملوا مع بيتي وكأنه ملكية عامة بيهادو بيها بنتهم المدللة والمستهترة. ما اقتحمتش الأوضة، وما صرختش في وشهم. بدال كده، أخدت نفس عميق، ورسمت ابتسامة لطيفة على وشي، دخلت عليهم، حطيت الفطيرة على السفرة، وقولتلهم كل سنة وأنتم طيبين.
وفي الوقت اللي كانوا بيشربوا فيه لنخب مستقبل ندى المشرق وبيضحكوا من ورا ضهري، تسحبت ودخلت حمام الضيوف، طلعت تليفوني، وفتحت شات مشفر مع سمسار العقارات بتاعي: «وافق فوراً على العرض الكاش بتاع المستثمر لشقة المعادي. بيع سريع وتخليص أوراق في خلال 21 يوم. وتنازل عن أي شروط.»
على مدار التلات أسابيع اللي بعد كده، قعدت أتابع العرض المسرحي ده ببرود واستمتاع. ندى غرقّت السوشيال ميديا بوستات كل يوم، كانت بتنزل صور من كاثالوجات العفش وتعمل تاج لشركات النقل وتكتب: «بندعّم القديم ونستقبل الجديد! خلاص بننقل لشقتنا الهاي كلاس الفخمة اللي بـ 3.5 مليون جنيه في المعادي! أخيرًا التعب والشقاء جابوا نتيجتهم!»
أمي كلمتني تلات مرات، وكانت بتلمّح بشكل مباشر عن قد إيه الإحساس جميل لما الإنسان يشارك النعم مع إخواته الأقل حظاً، بس لا هي ولا ندى جابوا السيرة بصراحة أو حتى كلفوا خاطرهم واستأذنوني. كانوا مفترضين ببساطة إني هسلمهم المفاتيح وأنسحب من المشهد زي الألف من غير ما أنطق.
أنا بقى لعبت دور البنت العبيطة اللي مش فاهمة حاجة بإتقان شديد. كنت برد على مكالماتهم بكل لطف وابتسامة، وأهز راسي وأنا بسايرهم من غير ما أأكد ولا أنفي أي حاجة. لكن ورا الستار، حياتي كانت بتتحرك بسرعة الصاروخ؛ اتفقت مع شركة نقل عفش متخصصة لموا وحزموا كل حاجتي الشخصية، اللوحات الفنية، والعفش كله في عربية مقفولة ومجهزة متجهة لدبي، بعد ما وافقت في السر على عرض شغل جديد كشريكة رئيسية في شركة استثمار زوّدت مرتبي للضعف.
على يوم 10 يناير، المستثمر اللي اشترى الشقة كاش خلص كل إجراءات الشهر العقاري وتحويل الفلوس، ونزل مبلغ 3.5 مليون جنيه بالكامل في حسابي البنكي. العقد اتسجل رسميًا، والقفل الإلكتروني بتاع الشقة اتمسحت الشفرة بتاعته، والملكية اتنقلت رسميًا للمالك الجديد—شركة إدارة عقارات صارمة متخصصة في تأجير الشقق الفندقية لرجال الأعمال. سلمت المفاتيح للمندوب، أخدت الكلب بتاعي وركبت عربيتي، وخرجت من المعادي مع طلعت الشمس.
في صباح يوم 15 يناير، جه الموعد الموعود بتاع نقل ندى. الساعة 8 الصبح بالظبط، عربية نقل عفش كبيرة محملة بالأنتريه المكسور بتاع ندى وهدومهم ولعب العيال وقفت قدام بوابة البوابات الإلكترونية للكومباوند في المعادي. كريم نزل بكل ثقة وغرور وراح عند لوحة الأرقام السرية للبوابة عشان يكتب الباسورد اللي بابا وماما كانوا فاكرين إنه لسه شغال.
نور أحمر زنّ وصفر، والبوابة الحديد الفخمة فضلت مقفولة ومتربسة زي ما هي. ندى نزلت تجري من العربية وهي شايلة ابنها الصغير، وراحت ضربت الجرس على مدير الأمن في الإنتركم. في خلال دقيقتين، كان طالع لها اتنين من أفراد الأمن وحارس العقار ومعاهم مدير الشركة العقارية وهو ماسك في إيده ملف وأوراق رسمية.
«يا مدام، ابعدي عن البوابة الإلكترونية لو سمحتي،» مدير الأمن قالها بصوت صارم. «المكان هنا ملكية خاصة لشركة عقارية.»
ندى بصت له وهي مش فاهمة حاجة وقالت بثقة: « ملكية مين؟ دي شقة اختي فريدة! إحنا طالعين نعيش هنا من النهاردة، وبابا قايلنا إن الكود شغال!»
مدير الشركة طلع الأوراق الرسمية وقال ببرود: «الأستاذة فريدة باعت الشقة دي بالكامل من أسبوعين وتسجلت في الشهر العقاري، والمالك الجديد شركة استثمار عقاري. الشقة حالياً متأجرة لوفد دبلوماسي أجنبي وهيستلموها كمان ساعتين. لو سمحتم أخلوا المخرج فوراً وإلا هطلب الشرطة بتهمة التعدي على ملكية خاصة.»
في اللحظة دي، شاشة تليفوني أينعم كانت على الوضع الصامت، بس كانت بتنور وتزنّ زي المجنونة.. 79 مكالمة مفقودة من بابا، وماما، وندى، وكريم!
ماما بعتت رسالة صوتية وهي بتصرخ وبتعيط من القهر: «أنتِ عملتي إيه يا فريدة؟! اختك والعيال والعفش مرميين في الشارع قدام الناس والكومباوند! ندى نزلت بوستات وفضحتنا قدام قرايبنا ونسابنا إنها رايحة تعيش في المعادي! تبيعي الشقة من غير ما تقولي لنا؟! أنتِ معندكيش قلب؟!»
قعدت في كافيه المطار وأنا بشرب القهوة ومستنية طيارتي، وبعت رسالة واحدة على جروب العيلة:
«أنا ضحيت بسنين من عمري واشتغلت 60 ساعة في الأسبوع عشان أشتري الشقة دي بعرقي ومجهودي. أنتم قررتوا تهدوها ببلاش للابنة المدللة اللي عمرها ما شالت المسؤولية، ومن غير حتى ما تاخدوا رأيي. الشقة اتباعت، والفلوس في حسابي، وأنا حالياً مسافرة أبدأ شغلي الجديد بره مصر. ابقوا خلو الواجب العائلي ينفعكم ويأجر لها شقة.»
قفلت التليفون وشلت الشريحة، وحطيت شريحة جديدة. ندى اضطرت ترجع بعفشها المكسور تقعد في صالة بيت بابا وماما، والفيسبوك اللي كانت بتتباهى عليه تحول لساحة تريقة من قرايبهم. لأول مرة في حياتي حسيت براحة ونفس عميق، وأنا شايفة الطيارة بتقلع بيا لنصيبي وحياتي الجديدة اللي بنيتها بفضل ربنا وبمجهودي وبس.