مرام
حصري لصفحة روايات رولا
مرام (زوجة مدير الفرع) رمت الكاسة على الأرض قدام كل الناس، وشاركت معها مها (زوجة مدير التشغيل) عشان يكسروا عين هند لمجرد إن جوزها فني صيانة عادي… بس مكالمة واحدة من هند لأبوها «عزت بيه الروبي» (أحد كبار المالكين في المجموعة) قلبت الموازين، وهدّدت كل اللعبة دي بالانهيار!
هند كمال كانت عارفة كويس إن القعدة دي مش مجرد خروجة ودية، لما شافت داليا الفولي، زوجة المدير العام لشركة “نوفاتيك مصر”، بتسقط كاسة العصير من ايدها جنب جزمتها، وبتشاور على الأرض بابتسامة مستفزة:
— بما إنك واقفة قريبة من الباب كده، ابقي امسحي الحتة دي وأنتِ طالعة.
الستات اللي قاعدين كلهم اتسمروا مكانهم. فيه شوية ضحكوا بصوت واطي. هند بصت لبقعة العصير اللي على الرخام في صالة نادي الجزيرة بالشيخ زايد، وبعدين رفعت عينها لداليا.
— فيه عمال في النادي مخصصين للحاجات دي —ردت بهدوء شديد.
ابتسامة داليا اختفت فجأة:
— هنا كل واحدة عارفة مقامها كويس. هو مش جوزك برضو شغال فني صيانة في الورشة؟
أحمد، جوز هند، بقاله ست سنين شغال فني صيانة، عمره ما طلب واسطة ولا أيا كان. هند نفسها شغال بكتير في أوقات الفراغ في صيدلية في وسط البلد عشان تساعد معاه. جايين بسيارة مستعملة على قد حالهم، عايشين في شقة بسيطة في المطرية، وبياخدوا العيش والفينو بليل لما المخبز يعمل عليه خصم. هند عمرها ما كانت متضايقة من عيشتهم دي ولا محروجة منها.
اللي كان بيضايقها بجد، إن حد يتخيل إن مسمى جوزها الوظيفي هو اللي بيحدد هي تستاهل احترام قد إيه.
داليا قامت واقفة، وبطرف جدمها زقت منديل ورق لحد رجين هند:
— شيليه. ولو عايزة تفضلي تحضري الحفلات والتجمعات اللي الشركة بتدفع فلوسها، اتعلمي إزاي متتكلميش مع اللي بيمثلوا الإدارة العليا.
مها، زوجة مدير التشغيل، قربت من ورا هند ومسكت دراعها بضغط:
— بلاش تفضحي نفسك وتعملي شو. اعملي اللي قالت عليه وخلاص.
هند سحبت ايدها بالراحة وبدون استعراض:
— أنا مش هركع عشان حضرتك تحسي إنك مهمة.
السكوت نزل على الترابيزة زي الصاعقة.
داليا مسكت الكاسة الفاضية وحطتها قدامها بعنف:
— يبقى تتفضلي برة. إحنا مش محتاجين ستات بتعمل مشاكل هنا.
من ترابيزة جانبية، ندى، زوجة فني جديد لسه متعيّن، قامت نص قومة:
— مدام داليا… حضرتك كده بتبالغي أوي…
داليا لفت وشاركتها بنظرة حادة:
— جوزك اسمه إيه؟
ندى وشها اصفرّ:
— أمير حلمي…
— اه… فترة تجربة. اقعدي يا ندى.
البنت قعدت بالراحة وهي خايفة.
هند مالامتهاش. كانت فاهمة الخوف ده كويس. شافت كتير ناس بتتحول للسكوت التام لما حد يهددهم في اللقمة اللي بتاكل منها عيالهم وبتدفع منها إيجار البيت.
مسكت شنطتها وخرجت من غير ما ترمي السلام على حد.
في التراس الخارجي للنادي، كان هوا سبتمبر فيه لسعة برد. هند اتنفست بدقائق عشان تهدى قبل ما تطلع الموبايل. ايديها كانت بترتعش، بس مش من الخوف… من الغضب.
دورت في الأسماء لحد ما وصلت لرقم نادراً ما بتتصل بيه.
— بابا.
جالها الرد من الناحية الثانية بصوت فخم ورزين:
— هند؟ فيه حاجة حصلت مع أحمد؟
— لا… معايا أنا. ومع ناس تانيين ممكن ميكونش عندهم حد يكلموه.
عزت الروبي ملقاش داعي يقاطعها.
هند حكتله كل حاجة: الترابيزة اللي جنب الباب، التلميحات على المرتبات، المنديل اللي اترملها تحت رجلها، التهديد لجوز ندى، والفلوس بتاعة الشركة اللي بيتصرف منها على الحفلات والخروجات دي.
لما خلصت كلامها، أبوها سكت كام ثانية قبل ما يرد:
— عايزاني أتدخل عشان اللي عملوه معاكِ؟
— مش عشاني.
— امال عشان إيه؟
هند بصت من الإزاز. جوه، داليا كانت رفعت كاستها وبتعزم على الستات تاني.
— عشان بكرة ممكن تبقى ندى. وبعده واحدة غيرها. غير كده، لو بيستخدموا فلوس الشركة عشان يعملوا بيها المظاهر دي، أنا عايزة أعرف كام بالضبط ومين اللي بيمضي على الفواتير دي.
سكت شوية وبعدين قال:
— مفهوم.
— بابا… من غير مجاملات ولا تفويت.
— أنا مربيتكيش عشان تطلبي حاجة وتخافي منها.
المكالمة خلصت.
هند رجعت البيت على الساعة حداشر بالليل. أحمد كان في المطبخ، لسه بلبس الشغل الأزرق بتاع “نوفاتيك”. على الترابيزة كان فيه كيس ورق فيه فطيرتين مشلتت صغار.
— شلتلك الكبيرة —قالها وهو بيبتصلها.
هند سابت الشنطة وحضنته جامد.
أحمد ماسألهاش عن حاجة غير لما حس إن الرعشة اللي في جسمها راحت.
ولما سمع منها كل اللي حصل، أسنانه اتقفلت بغل:
— أنا بكرة الصبح هقدم استقالتي.
— لا.
— هند…
— لو استقلت عشاني، يبقى هما كسبوا مرتين.
أحمد بص لها بسكوت:
— كلمتي حاج عزت؟
— اه.
فهم على طول إن فيه حاجة تقيلة أوي هتترتب على ده. هو عارف عزت الروبي من قبل ما يتجوز هند. وعارف كمان ليه هي متمسكة باسم “هند كمال” (اسم جدها) وليه بقالها ست سنين رافضة تماماً إن حد في “نوفاتيك” يعرف هي بنت مين.
— أنتِ متأكدة؟
— المرة دي مش مسألة إني بأخفي أنا مين… المرة دي مسألة إن محدش يستغل منصبه عشان يدوس على خلق الله.
يوم الأحد، الساعة تمانية الصبح، وصل تلات طلبات استفسار ومراجعة عاجلة في نفس الوقت لإدارات: الحسابات، والمشتريات، والموارد البشرية في شركة “نوفاتيك مصر”.
الطلبات مكنش فيها أي تهديد.
كانت مجرد ورقة رسمية بإمضاء واحد بس، أول ما رؤساء القطاعات التلاتة شافوه، الكلام اتوقف في الصالة كأن على رؤوسهم الطير:
“مجموعة الروبي الاستثمارية — الشريك والمالك الرئيسي للأسهم”.
وأول ملف انفتح عشان يتراجع… مكنش فيه اسم هند كمال خالص.
كان طلب كشف حساب تفصيلي عن آخر 5 سنين لمصروفات بند: “برنامج الترابط الأسري للعاملين”.
خلال أقل من يومين، حال شركة “نوفاتيك مصر” اتغلب رأسًا على عقب.
في الحسابات، طلبوا فواتير الفنادق والمطاعم والهدايا اللي اتحملت كلها على بند “برنامج الترابط الأسري”. في المشتريات، نزل أمر بفحص عقود الموردين الخاصة بالحفلات. أما الموارد البشرية، فجالها قائمة شكاوى سرية عن ضغوطات بتتم على الموظفين والعمال بعصر المظهر الاجتماعي لزوجاتهم.
ممدوح الفولي (المدير العام) جمع المديرين التنفيذيين في مكتبه وهو بيغلي:
— أنا عايز أعرف مين اللي حرك المراجعة دي ومنين جات الإشارة؟!
محدش فتح بؤه.
في البيت، داليا مراته كانت بتبتسم بسخرية لما حكالها:
— أكيد مراجعة روتينية يا ممدوح، بلاش تكبّر الموضوع.
— “مجموعة الروبي” ما بتطلبش أوراق خمس سنين ورا بعض لمجرد “روتيني”!
— خلاص، اتكلم معاهم ووضح موقفك، هو أنت مش المدير العام ولا إيه؟
ممدوح مقالهاش إنه بقاله ليلتين مانامش، بيراجع توقيعاته على ملفات وعقود قديمة كان بيمضي عليها وهو مش مركز فيها.
يوم الخميس، هند جايلها مسج من ندى (زوجة الفني الجديد):
“أنا آسفة أوي يا مدام هند إن ما قدرتش أقف جنبك في النادي…”
هند ردت عليها بسرعة:
“متتأسفيش يا ندى ولا يهمك. خدي بالك من أمير، وأي مسدجات أو تهديد يجيلك يستغل شغل جوزك احفظيه عندك.”
ندى اتأخرت دقيقة وبعدين بعتت:
“عندي واحد بالفعل…”
كانت سكرين شوت مبعوتة من شهور من وحدة من المقربات لمدام داليا: “زوجات الموظفين اللي تحت الاختبار لازم يشاركوا في تنظيم وفعاليات النادي لو عايزين جوازهم يتثبتوا في الشركة.”
هند قريت المسدج مرتين.
الموضوع كده مابقاش مجرد إهانة في خروجة ستات… ده بقى استغلال نفوذ وقطع أرزاق وتهديد صريح لقوت يوم الناس.
بعد يومين، تم استدعاء خمس أشخاص لاجتماع طارئ ومغلق في مقر الشركة: ممدوح الفولي، مراته داليا، سامح الخولي (مدير التشغيل)، مراته مها، ومعاهم أحمد كمال (فني الصيانة).
ممدوح بصل لأحمد باستغراب وضيق:
— هو فيه إيه؟ وفني الصيانة ده بيعمل إيه هنا؟
الباب اتفتح.
دخول عزّت الروبي بشخصه، ومعاه اتنين من أعضاء مجلس الإدارة ومستشارة قانونية. ووراهم دخلت هند بكل هدوء.
داليا ضحكت ضحكة مكتومة بسخرية:
— هما كمان جايبين زوجات العمال يحضروا اجتماعات الإدارة؟
عزت بيه قعد على رأس الطاولة بكل رزانة:
— أيوه… جايب بنتي.
ضحكة داليا اتمسحت في ثانية.
ممدوح بص لهند وبعدين لأحمد بذهول:
— بنتك؟!
— هند عزّت الروبي. ومن يوم ما اتجوزت أحمد اختارت تكتفي باسم جدها “هند كمال” في حياتها العادية. وده ما يغيرش هي بنت مين.
داليا برقت وعينيها رايحة جاية:
— هي… هي عمرها ما قالت!
هند حطت شنطتها على الكرسي بهدوء:
— عمرها ما جت على بالي إن لازم أقول أنا بنت مين عشان أتاخد باحترام وأتعامل كبني آدمة.
مها نكست رأسها في الأرض، وداليا حاولت ترمم كبريائها بحدة:
— موضوع النادي ده كان مجرد مشادة بين ستات! كبرتوا الموضوع وعاملين قصة من حاجة شخصية!
المستشارة القانونية سحبت ملف حطته على الترابيزة:
— إحنا مش هنا عشان موضوع النادي خالص.
المبلغ الأولاني كان الميزانية المخصصة لـ “برنامج الترابط الأسري”. اللائحة بتسمح بحد أقصى 500 ألف جنيه في السنة. لكن خلال آخر تلات سنين، المصاريف تعدت 2.5 مليون جنيه سنوياً!
ممدوح اتحدب على الورق بذهول:
— الحاجات دي عدت على الحسابات وأتراجعت!
عضو مجلس الإدارة رد عليه:
— بتوقيع مباشر منك يا ممدوح بيه.