مرام
الملف التاني كان ألعن وأضل.
شركة الفراشة والديكور والوفود اللي كانت واخدة احتكار تنظيم الحفلات دي كلها طوال 4 سنين، طلعت ملك لأخو داليا. مفيش أي مناقصات ولا عروض أسعار اتعملت، والأسعار كانت متسعرة بأعلى من السوق بنسبة 30%.
داليا قامت وقفت بانفعال:
— أخويا شغله نظيف وبيفهم! ده مش جريميية!
المستشارة ردت بجفاف:
— “الجري..مة” دي الجهات المختصة هي اللي تحددها لو الأمر اتطور. إحنا هنا بنراجع تعارض المصالح، غسيل الأموال، وتسهيل الاستيلاء على مال الشركة.
ممدوح لف لمراته بذهول وشبه انهيار:
— أنتِ ليه مكنتيش قايلا لي إن الشركة دي باسم أخوكي جلال؟!
— أنت كنت عارف كويس جداً ومشيتهالي!
ممدوح مقدرش يرد.
هند فهمت ساعتها إن السقوط الحقيقي مش هيكون بزعيق وخناق… السقوط الحقيقي هو شوية توقيعات وعقود وأرقام كبرياء سنين بيتحول لأوراق تدينهم في لحظة.
داليا شاورت على هند بغل:
— كل ده عشان قلتلك شيل المنديل من الأرض؟!
هند ردت بثبات:
— لا… كل ده عشان أنتوا افتكرتوا إن الشركة عزبة لابوكوا وممتلكات شخصية.
داليا فتحت بؤها تنطق، بس هند كملت:
— وأنا اتصلت ببابا لما شفت ست بتترعب وتقعد مكانها عشان خايفة إنك تقطعي عيش جوزها. لو كانت الإهانة ليّا لوحدي، كانت القصة خلصت ليلتها.
عزت بيه بص لأعضاء المجلس وقال برزانة:
— افتحوا الملف التالت.
وش ممدوح اتخطف والدم هرب منه تماماً.
الملف التالت كان فيه الرسائل، الدعوات، وكشوفات الحضور لجروب “الترابط الأسري”.
صحيح الأوراق دي لوحدها مش جريمة بالقانون، بس كانت بتوضح نمط مستفز ومظلم: زوجات المشرفين بياخدوا أماكن مميزة وVIP، وزوجات العمال والفنيين بيقعدوهم في الترابيزات اللي جنب الحمامات والمطابخ، غير إنه كان بيتم الضغط عليهم عشان يبيعوا تذاكر حفلات، يعملوا جمعيات، أو “يتبرعوا” للنادي تحت مسمى “تعاون” مع ألمح إشارات مستترة بتقييمات جوزهم وعقودهم!
ندى كانت سلمت السكرين شوت بتاعها.
وسِت ستات تانيين عملوا نفس الحركة أول ما عرفوا إن فيه لجنة مراجعة مستقلة مسكت الملفات.
مها (زوجة مدير التشغيل) بدأت تعيط بانهيار:
— أنا… أنا كنت بكرر الكلام اللي داليا بتقولهولي! كنت فاكرة إني لو رفضت، سامح جوزي هتحصله مشاكل في الشغل!
سامح الخولي غمض عينيه بصدمة:
— أنتِ استخدمتِ اسمي وموقعي عشان ترعبي الناس وتخوفيهم؟!
— أنا بس…
— ردي عليّا! استخدمتِ اسمي؟!
مها هزت رأسها باليجاب وهي بتشهق.
داليا ضحكت ضحكة عصبية بمرارة:
— دلوقتي بقى الكل هيعمل نفسه بريء ومكنش يدرك حاجة؟!
هند بصت لها بثبات:
— أنا مش محتاجة حد يمثل البراءة… أنا محتاجة كل واحد يتحاسب ويشيل مسؤوليته على اللي عمله.
اجتماع مجلس الإدارة الإستثنائي اتعقد بعد أسبوع.
ممدوح الفولي اتوقف عن العمل مؤقتاً لحين انتهاء التفتيش. عقد شركة الفراشة بتاع أخو داليا اتلغى تماماً، وكل التعاملات اللي فيها شبهة قرايبة اتعمل عليها حظر واتحولت للتحقيق الخارجي.
برنامج “الترابط الأسري” بالشكل القديم اتلغى بلا رجعة.
وتم فتح خط ساخن وسري للموظفين عشان يبلغوا عن أي تهديدات أو ابتزاز يخص حياتهم الاجتماعية أو شغلهم.
الضربة القاضية جات بعد شهر.
التقرير النهائي أثبت إن ممدوح وافق على صرف مبالغ مالية بدون رقابة، وإنه أخلّ بواجباته ومصرحش بتعارض المصالح الخاص بشركة نسيبه. مجلس الإدارة صوّت بالإجماع على إقالته وطرده من الشركة.
مش عزت بيه الروبي اللي أعلن القرار، وهند حتى ما حضرتش الاجتماع ده.
لما أحمد عرف بالخبر، كان بيغير حسّاس في خط الإنتاج رقم أربعة.
المهندس المشرف عليه قرب منه:
— أحمد… ممكن تجي لي المكتب لحظة؟
أحمد افتكر إن عقاب داليا اللي هددت بيه جاي دلوقتي.
بس المهندس سلّمه جواب رسمي.
كان جواب تثبيت وترقية ومستحقات، مع نوتة صغيرة من الموارد البشرية بتأكد إن أي حركة وظيفية بتتم بنائاً على الكفاءة فقط، ومفيش أي ربط بين التحقيقات الأخيرة وشغله.
أحمد طلع النفس اللي كان كاتمه بقاله أسابيع:
— شكراً يا هندسة.
— متشكرنيش يا أحمد… ده حقك وكان المفروض الشغل يمشي كده من زمان.
ممدوح خرج من “نوفاتيك مصر” من غير كلمة ودع. داليا تحولت من ست بتنظم حفلات في الفنادق، لست واقفة قدام المحامين بتشرح عقود أخوها والفلوس اللي اتصرفت من الميزانية.
اضطروا يبيعوا فيلتهم عشان يسددوا الالتزامات والديون اللي تراكمت بعد ما اتطرد ممدوح وخسر مرتبه الكبيرة. والشلة اللي كانت بتجري ورا داليا وتتمسح فيها، اختفوا كأن الأرض انشقت وبلعتهم.
في يوم، وداليا قاعدة في مصلحة حكومية مستنية دورها، لمحت ست كانت بتيجي معاهم زمان الحفلات:
— منى! إزيك؟ عاش من شافك! لازم نتجمع قريب!
الست بصتلها بقرف وعدم راحته:
— معلش يا داليا… أنا مستعجلة أوي.
ومشيت وسابتها.
كان موقف صغير، بس كان أول مرة داليا تفهم بجد إن كل هيبتها وقيمتها الزايفة دي كانت عشان منصب جوزها، مش عشان هي حاجة.
سامح الخولي فضل في شغله لأنه ثبت إنه مكنش معني بصرف الفلوس، بس قدم طلب رسمي إن اسمه ما يتحطش في أي نشاط اجتماعي. مها اعتزلت واعتذرت للستات واحدة واحدة… فيه اللي قبل اعتذارها وفيه اللي رفض.
هند مكنتش مستنية حد يعتذر لها.
بعد ست شهور…
مجموعة من العمال والفنيين اقترحوا يعملوا حاجة جديدة: رابطة أسرية تطوعية بالكامل، من غير فلوس من الشركة، ومن غير ألقاب ومناصب شرفية، مفتوحة لكل عيلة الموظفين.
أول تجمع اتعمل في قاعة صغيرة متأجرة في مركز شباب بالمنطقة.
ترمس شاي وقهوة، بسكويت من السوبر ماركت، وكراسي بلاستيك محطوطة في دورية.
مفيش ترابيزة رئيسية ولا مكان لـ “مدام المدير”.
هند جات بدري وكانت بترتب الكبايات.
ندى دخلت ومعاها صينية قراقيش:
— المرة دي أنا جاية بجد وأنا مبسوطة —قالتها وهي بتبتسملها.
— يبقى كده بدأنا صح!
أحمد وأمير كانوا في أخر القاعة بيحاولوا يوصلوا مشتركات عشان كتل الشاي.
وحدة جديدة دخلت وسألت بستغراب:
— معلش هو فين المكان المخصص لزوجات المهندسين والمشرفين؟
ندى ابتسمت وقالت لها:
— في أي كرسي فاضي يعجبك.
الست استغربت في الأول، وبعدين ضحكت وقعدت.
طول القاعدة كانوا بيتكلموا عن مواعيد المدارس، المواصلات، وأفضل الحضانات القريبة. محدش سأل جوزك مرتبه كام ولا درجته الوظيفية إيه.
لما الناس مشيت، ندى قربت من هند:
— أنا لسه بفتكر ليلة النادي دي…
هند سابت اللي في ايدها:
— وأنا كمان.
— وبزعل من نفسي أوي إني قعدت وسكتت لما هددتني…
— بلاش تحاكمي نفسك يا ندى.
— بس أنا خفت…
— طبيعي تخافي. هما هددوا لقمة عيش جوزك. الخوف مش جبن… المهم بتعملي إيه بعد ما تفهمي الخوف ده.
ندى بصت للكراسي الفاضية:
— طب افرضي حاجة زي دي اتكررت تاني؟
هند طلعت من شنطتها كارت قديم ومطبوق نصين. مكنش عليه لوجو ولا أسماء تقيلة. كانت مجرد جملة مكتوبة بخط ايد أبوها من سنين طويلة:
“إياكِ تستخدمي اسم عيلتك عشان تفرضي احترامك على حد… استخدمي صوتك عشان تمنعي حد إنه يسلب احترام غيره.”
ندى قريت الكلام بسكوت:
— باباكِ اللي كتبهولك؟
— لما تميت عشرين سنة.
— خلاص شيليها معاكي وحافظي عليها.
هند هزت رأسها بالرفض:
— أنا خلاص حفظتها وعشت بيها.
وحطت الكارت في ايد ندى:
— جه دورك أنتِ دلوقتي.
ندى مسكت الكارت باهتمام:
— مش عارفة لو اتحطيت في موقفك هقدر أعمل اللي عملتيه ولا لا…
— مش مطلوب منك تعملي نفس اللي عملته… كل المطلوب منك إنك متغمضيش عينك ولا تبصي الناحية التانية طول ما في إيدك تقولي كلمة حق.
في الليلة دي، هند رجعت البيت مع أحمد. على الترابيزة كان فيه كيس فيه تلات فطاير.
— تلاتة؟ —سألته وهي بتضحك.
— واحدة لبكرة… كانوا عاملين عليهم عرض بليل!
هند ضحكت من قلبها.
أحمد عمل شاي وحط كوبايتين على الترابيزة. وحدة منهم كانت مكسورة من الإيد بس كانت كوبايته المفضلة.
— ندمانة إنك اتصلتِ بباباكِ؟ —سألها.
هند افتكرت النادي، المنديل اللي اترما تحت رجلها، ندى وهي بتقعد خايفة، والكراسي البلاستيك اللي اتحطت في دائرة متساوية من غير ألقاب.
— لا… بس مبسوطة إن الموضوع مانتهى بإن واحد بس خسر كرسيه.
— ليه؟
— عشان لو مشيت واحد فاسد وسِبت النظام الفاسد وطريقة التعامل الزبالة دي زي ما هي… مفيش حاجة هتتغير.
أحمد قطع الفطيرة واداها النص الكبير.
هند قسمته بالنص ورجعت نصها تاني عشان يأكلوا سوا.
ساعات الكرامة مش بتيجي بانتصار مدوي ولا زفة… ساعات بتبدأ لما بني آدم واحد يقرر إن خوف الناس ميبقاش بعد كده وسيلة لراحة وسيطرة ناس تانية.
والرابطة البسيطة دي، اللي اتولدت من غير فنادق، ولا عزومات فخمة، ولا فلوس شركة… طلعت أقوى ميت مرة من “الدايرة” اللي كانت داليا بتتحكم فيها لسنين.