كُنت هاسقط ابني من إيدي بسبب قلة النوم
“أمي بتقولك لو مرجعتيش النهاردة، الموضوع ده هيتحل بالوش الثاني وبطرق مش هتعجبك.. وهي عارفة كويس بتتعامل مع مين واصلة لمين.”
بصيت لمروان وهو نايم على صدر أمي بيتنفس بالراحة، ومسكت الدوسيه الأزرق وعصرته في إيدي..
لحد اللحظة دي، كنت فاكرة إني سبت البيت لمجرد إني أستريح وأنام شوية..
ماكنتش اعرف إني لسة داخلة حرب حقيقية عشان أحمي ابنِي!
تاني يوم، جت ممرضة من الوحدة الصحية -كانت تعرف أمي- عشان تطمن عليا.. ما قعدتش تديني خطب ولا كلام إنشا، سمعت مني إزاي نمت وأنا شايلة مروان وغفلت بيه، وقاستلي الضغط، وقالتلي كلمة هي اللي رجعتلي عقلي اللي كان ضايع:
— “النوم ده مش رفاهية.. النوم ده إجرء أمان وسلامة لابنك قبل ما يكون ليكي!”
الكلمة دي نورت في دماغي الضلمة كلها!
في نفس الوقت، طارق بدأ يبعت رسايل نبرتها أهدى شوية ومفيهاش التناكة بتاعة زمان.. طلَب مني إنه يجي يشوف مروان. وافقت، بس بشرط واحد واضح زي الشمس:
— “لو عايزني أرجع، تعال امارس دورك كأب هنا الأول.. في حتة مش هتعرف تستخبى فيها ورا شماعة الشغل!”
يوم السبت جه وهو جايب معاه علبة تورتة، وكأنه فاكر إن السكر والمربى هيصلحوا إهمال وتطنيش شهرين كاملين! أمي نزلت السوق وتسيبه معايا، وأنا دخلت الأوضة عشان أريح وقفلت الباب. طارق اتدبس مع مروان لوحده..
ما كملش 10 دقائق والواد بدأ يصرخ ويكركب الدنيا!
سألني بصوت ملهوف من برة:
— “هو ماله؟! ده لسة شارب اللبن!”
بقيت سامعة صوت درج بيتفتح، خطوات رايحة جاية بارتباك، صرخة الواد بتزيد، وصوت البزازة وهي بتقع على الأرض.. وصوت طارق وهو بيفقد أعصابه وسيطرته تماماً:
— “يا مروان يا حبيبي.. أرجوك قولي أنت عايز إيه بس؟!”
بعد 11 دقيقة بالضبط، قال كلمة خلتني أغمض عيني من الحسرة:
— “إيه ده، هو بقاله نص ساعة بيصرخ كده ليه؟!”
ما خرجتش.. كنت عارفة إن مروان في أمان، وأنا سامعة كل حركة وكل نَفَس من جوة الأوضة. طارق مشي بيه، غير له البامبرز، عمل له رضعة جديدة، وقعد يهز فيه وضامه لصدَره لحد ما الواد هدي ونام في حضنه.
لما خرجت له بعد تقريباً ساعتين، كان طارق قميصه مبلول عرق من فوق لتحت، وبصلي بذهول وقال:
— “هو أنتي بتعملي الموال ده كل يوم؟!”
رديت عليه بمنتهى الثبات:
— “كل يوم.. وكل ليلة.”
من اللحظة دي، عمره ما جرؤ ينطق كلمة “أنتي قاعدالي في البيت مابتعمليش حاجة” تاني!
أنا ما اتبسطتش وأنا شايفاه طالع عينيه ومجهد كده.. بالعكس، وأنا بصاله وهو ماسك مروان وخايف عليه، افتكرت طارق بتاع زمان.. الراجل اللي عرفته قبل الولادة؛ الحنين، اللي بيهزر، اللي كان مقتنع إنه هيكون أكتر أب متواجد في الدنيا.. عشان كده وجعي كان أكبر! أنا مكنتش قدام شخص غريب وقاسي، أنا كنت قدام واحد استسهل الراحة، واعتاد إن مراته تستحمل، واعتبر إن صبرها ده نبع ملوش نهاية! ولو كنت عايزة أنقذ بيتنا، كان لازم أكسر العادة دي من جذرها!
في نفس الليلة، وهو بيدور في الدوسيه الأزرق، لقى نسخة من “اتفاقية المشاركة” اللي كنت سايباها في الدرج.. اتصل بيا بعد نص الليل:
— “أنا لقيت الورقة.. أنا اللي كاتب الكلام ده كله بخط إيدي.”
قلتله:
— “أيوه.”
قال بصوت مكسور:
— “الموضوع مكنش إن مش عارف أعمل إيه.. أنا كنت عارف كل حاجة، بس رميت الشيلة كلها عليكِ وخلعت!”
ولأول مرة في حياته.. ما دافعش عن نفسه ولا دور على حجج!