قولي لبنتك تبطل عياط
حصري لصفحة روايات رولا
“قولي لبنتك تبطل عياط، باظت فرحة العيد على العيال اللي متربية صح،” أختي نهى قالتها بصوت حاد بعد ما ولادها التوأم سابوا بنتي مريم صاحبة الست سنين وغرقانة في الطين من ساسها لراسها.
الحوار ده حصل في بيتي أنا، في الشقة اللي باسمي.
بنتي الصغيرة كانت واقفة جنبي في المطبخ، بتعيط بكسرة نفس ومش قادرة تطلع الكلمة من كثر الشهقة.
والغريبة إن كل اللي واقفين كانوا مستنيين مني أنا اللي أهدي الجو وألم الموضوع عشان نعدي العيد على خير.
بس أنا قررت أدي أختي فرصة واحدة بس.
”ولادك لازم يعتذروا لمريم دلوقتي.”
محدش تحرك.
محدش اعتذر.
بصيت حواليا في المطبخ، وبمنتهى الهدوء قلت:
“كلكم تتفضلوا بره.”
أبويا بص لي وهو مش مصدق:
“أنتِ بتطردينا؟”
”أيوه.. كلكم.”
وبعدين فتحت درج المطبخ:
“بس قبل ما تمشوا يا بابا.. في حاجة لازم تقرأها الأول.”
مديت إيدي وديته ظرف مقفول.
أول ما فتحه وبص في أول صفحة.. المطبخ كله بقى زي المقابر من كتر السكوت.
قبل اللحظة دي بدقايق بس، أختي نهى كانت واقفة وشها في وشي، ومريم ماسكة في جليبي وبتبكي.
الصبح ده بالذات، بنتي كانت طايرة من الفرحة عشان العيد.
كانت نقّت بنفسها فستان أصفر مبهج، وكولون أبيض، وجزمة صغيرة طقم مع الفستان.
دلوقتي الفستان الجميل ده بقى متغرق بقع طين سودا.
الكولون بقى زبالة.
وفردة جزمة ضاعت منهم في الجنينة بره.
حتى أطراف شعرها كانت مبلولة ومتبهدلة طين.
ولاد نهى التوأم كانوا واقفين ورا أمهم.
مقارنة بمريم، كانوا طالعين زي الفلة، ولا كأنهم لمسوا طين.
أنا كنت عرفت اللي حصل خلاص.
مريم قالت لي إن الولاد قعدوا يجروا وراها في الحوش.
وهي ترجاهم بدموعها يسيبوها في حالها.
وهم ولا هنا.
لحد ما واحد فيهم زقها جامد، راحت واقعة في الحوض المليان طين ومية.
وبدال ما نهى تروح تزعق لولادها أو تشوف عملوا إيه، مسكت في بنتي اللي بتعيط.
“جرا إيه يا حبيبتي خلاص بطلت زن!” قالتها بقرف، “نكدتِ علينا ونكدتِ على العيال المفرفشة.”
لثانية واحدة، حسيت إني أطرش ومش فاهمة الكلام.
أمي وأبويا كانوا قاعدين قبالنا في الصالة.
محدش فيهم نطق ولا اتدخل.
للأسف، دي مش حاجة جديدة.. ده العادي في عيلتنا من سنين.
نهى تغلط وتعدي الخط الأحمر.
الكل يتوتر ويكتم في نفسه.
وبعدين بلمسة سحرية، الموضوع يترمي عليا أنا عشان أصلح الجو وألم الدور.
المفروض مني أغير الموضوع.. أقول إفيه.. أعدي الدنيا وتفضل الناس مبسوطة.
وأعمل نفسي مش واخدة بالي من العك اللي أختي بتعمله.
في العادي، كنت بعدي وأكبر دماغي.
بس المرة دي، بنتي هي اللي دفعت الثمن.
مريم واقفة جنبي بهدوم العيد اللي اتدمرت، وسط كبار عقلهم في راسهم يعاملوا عياطها وكسرة قلبها على إنه المشكلة، ويسبوا اللي اتعمل فيها!
في اللحظة دي بالذات، حاجة جوايا اتكسرت وتغيرت للأبد.
مش هعلم بنتي إن رضا القرايب أهم من كرامتها وحقها.
بصيت لنهى في عينها:
“ولادك يعتذروا لمريم دلوقتي.”
ربعت إيدها وقالت ببرود:
“على إيه إن شاء الله؟”
”علشان جروا وراها بعد ما قالتلهم بس، ولما طنشوها زقوها في الطين.”
”كانوا بيلعبوا ya جيهان!”
مريم مسحت دموعها وقالت بصوت متقطع:
“أنا قلتلهم كفاية..”
نهى بصلتها بقلة ذوق وقالت:
“عيال وبيجروا مع بعض، ما العيال كلها بتتوسخ!”
استنيت.
ديتها كل الفرص عشان تتعدل وتصلح القرف ده.
ماتحركتش.
ولادها واقفين ساكتين.
أبويا نفخ بقلة صبر وقال:
“وبعدين معاكم؟ هنقلب العيد غم ومناهدة عشان شوية طين؟”
الكلمة دي كانت القشة اللي قطمت ظهر البعير.
بصيت حواليا في المطبخ ببطء..
أختي.
جوزها شريف.
أمي.
أبويا.
وقلت بمنتهى الهدوء:
“أنا طالعة منكم كلكم.. اتفضلوا بره بيتي.”
أبويا ضحك باستخفاف:
“بتطردي أهلك يوم العيد عشان العيال اتنفست في بعضها؟”
”لا.”
مشيت ناحية أدراج المطبخ.
“أنا بقولكم امشوا لأن الموضوع أكبر بكثير من فستان مريم.”
فتحت الدرج وطلعت منه ظرف أبيض تقيل.
في الأصل، كنت مخططة أدي الظرف ده لأبويا بيني وبينه بعد غدا العيد.
حتى كنت محفظة نفسي الكلام اللي هقولهوله بالراحة.
بس بعد ما شفتهم كلهم بيتردموا على حق بنتي وبيستقلوا بوجعها، مابقاش عندي أي دافع إني أحمي حد من الحقيقة المرة.
مديت إيدي بالظرف ليه:
“قبل ما تمشوا، لازم ده يتقري.”
أبويا أخده بقلق:
“إيه ده؟”
”اقرأ وأنت تعرف.”
قطع الظرف وطلع منه ثلاث صفحات متستفين صح.
في الترويسة من فوق، كان باين اسم ولوجو مكتب المحاماة الشهير بتاع الشركات اللي بتعامل معاه.
أبويا قرأ أول فقرة.
بعدين دخل في الثانية.
وشه بدأ يتغير تدريجياً.
الزهق واللامبالاة اختفوا.
وشه اصفر واختطف منه الدم.
صوابعه اتشنجت وهو ماسك الورق.
ولأول مرة من الصبح، المطبخ بقى فيه صمت يقطع النفس.
أمي قربت منه بلهفة:
“في إيه يا فرج؟ مكتوب إيه؟”
أبويا ما ردش عليها، عينيه كانت معلقة على السطور.
أخيراً، رفع رأسه وبص لي:
“أنتِ مأجرة محامي؟”
”أيوه.”
”ضد أهلك يا جيهان؟”
”لا.”
بصيت في عينه بثبات:
“أنا جيبت محامي عشان أحمي ملكي وبيتي اللي بفلوسي وباسمي.”
على الناحية الثانية من المطبخ، نهى جسمها اتخشب ووقفت زي الصنم.
جوزها شريف لاحظ ده فوراً.
بص لمراته، وبعدين بص لأبويا.
أبويا فر في الورق المرفق مع الخطاب.
كان فيه وصل أمانة قديم.. نسخة من شيك بنكي مدفوع ومطبوع.. وبعدين كام ورقة تخص إشهار التكليف وعقد الشقة دي.
كشر وقال:
“إيه لازمة اتفاقية القرض القديمة دي دلوقتي؟”
”علشان في ناس في العيلة دي بقالهم سنين بيكرروا نفس القصة المتألفة اللي على مزاجهم.”
هزيت رأسي وأنا بشاور على الورق:
“فقلت بلاش نعتمد على الذاكرة اللي بتنسى بمزاجها، ونخلي المستندات الرسمية هي اللي تتكلم.”
نهى قربت خطوة:
“أنتِ هببتِ إيه بالظبط؟”
صوتها المرة دي كان اترعش.. الثقة والغرور بتوع من شوية طاروا.
لفت ليها وقلت:
“مبدئياً كده.. أنا بلغت المقاول رسمياً إن محدش ليه الصفة ولا الحق إنه يطلب توضيبات، أو تعديلات، أو يدخل حجر واحد في الشقة دي غيري أنا شخصياً.”
وش نهى جاب ألوان.
كملت كلامي:
“وسمسار العقارات وصله نفس الإنذار على يد محضر.”
شريف بربش بذهول:
“استني هنا..”
لف لمراته ببطء:
“سمسار إيه؟ سمسار مين؟”
نهى حطت لسانها في بقها.
ولا أمي ولا أبويا نطقوا.
شريف بص في الوشوش حوليه وجاب أخرهم:
“هو في إيه؟ بتتكلم عن إيه دي؟”
أبويا نزل الورق لإيديه وقال بصوت مكسور:
“مقاول إيه يا جيهان؟”
شاورت بإيدي ناحية باب الشقة:
“تقدروا تكملوا قراية باقي الصفحات في العربية وأنتوا نازلين.”
نهى بصت لي بصه كشفت كل حاجة.
كانت عارفة كويس أوي الورق ده فيه إيه.
والأهم من ده كله.. كانت عارفة أبويا على وشك يكتشف إيه.
خناقة العيد دي عمرها ما كانت بسبب فستان أصفر اتملا طين.
ولا حتى بسبب سكوتنا السنين دي كلها على بلاوي نهى.
كان في مصيبة أكبر بكتير بتتطبخ من ورا ضهري.
مصيبة فيها مقاولين.. وسمسار بيع وشراء.. والشقة اللي كنا واقفين وسطها دي بالذات.
وعلى ما أبويا يوصل للسطر الأخير في الصفحة الأخيرة.. السر اللي العيلة دي كانت مخبياه عني في بيتي وأملكي مش هيبقى سر خلاص.
فستان مريم الأصفر بتايلاند كان متبهدل طين ومبلول، وجزمتها الفردة الثانية ضايعة في حوش الشقة، والطين جافف على الكولون وأطراف شعرها الأشقر.
وراها على طول، كان واقف ولاد نهى التوأم، يوسف وياسين، عندهم ثمان سنين.. هدومهم كانت تقريباً نظيفة وزي الفل.
أبويا فرج كان قاعد على ترابيزة السفيرة ولا كأن في حاجة حصلت، وأمي واقفة جنب الحوض وشها أصفر ومتوترة، وشريف جوز نهى باصص في الأرض ومبلم.
بصيت لمريم ووطيت جنبها:
“إيه اللي حصل بره يا حبيبتي؟”
قالت وهي بتعيط ومش قادرة تاخد نفسها:
“هم.. هم زقوني جامد يا ماما.”
نهى أختي زقرت فيها وقالت بعصبية:
“مريم! جرا إيه خلاص بطلت زن ونكد!”
لفيت لنهى وقلت بصوت حاد:
“ما تتكلميش مع بنتي بالطريقة دي تاني.”
نهى لوت بقها وقالت بقلة ذوق:
“أوه ياي بقى يا جيهان! العيال بيلعبوا مع بعض في الجنينة، وقعت في شوية طين، هي العيال ما بتتوسخش؟”
مريم هزت رأسها وهي بتعيط:
“أنا قلتلهم بس كفاية.. قلتلهم يسبوني!”
يوسف رد بسرعة:
“أحنا ما عملناش حاجة!”
وياسين كمل عليه:
“هي اللي كانت بتجري ورانا!”
مريم صرخت وهي بتبكي:
“ما حصلش! أنا قلتلكم كفاية بلاش جري!”
نهى اتنهدت بقرف وقالت:
“هو ده اللي بتكلم فيه.. أنتِ مخلية البت драма كوين، أي حاجة تعمل منها مصيبة وتكدب العيال!”
في اللحظة دي، حاجة جوايا اتغيرت تماماً.
المشكلة ما كانتش شوية الطين..
أنا أساساً صاحبة شركة نظافة وتجهيزات موقع كبيرة، يعني الطين ده أسهل حاجة ممكن أتنضف في المطبخ ده!
المشكلة الحقيقية كانت في الطريقة اللي أختي تبص بيها لبنتي وهي بتبكي.. كأن مشاعر بنتي ووجعها مجرد قرف ونكد لازم الكل يتحمى منه عشان العيلة تنبسط!
وطيت تاني جنب مريم وسألتها بالراحة:
“يا حبيبتي، أنتِ قلتيلهم بس وسيبوني؟”
هزت رأسها: “أيوه.”
“كم مرة؟”
“كثير أوي..”
وقفت وبصيت للتوأم يوسف وياسين:
“مريم قالتلكم بس وكفاية ولا لأ؟”
الولدين سكتوا وما حدش فيهم نطق.
نهى اتدخلت بسرعة:
“عيلين عندهم ثمان سنين وبيلعبوا، ما تكبريش الموضوع!”
”أنا ما سألتكيش أنتِ، أنا بسألهم هم.”
أبويا حط المعلقة من إيده وأتنهد بقلة صبر:
“وبعدين معاكِ يا جيهان؟ ما فيش حد جرى له حاجة، هو لازم يعني تقلبوا شم النسيم والعيد مناهدة ونكد عيلة؟”
”نكد عيلة”..
الجملة دي كانت بتطاردني طول حياتي.
أي إهانة كانت بالنسبة لهم “مجرد هزار”.
أي خلف وعد كان “موضوع ما يستاهلش الخناق”.
أي تجاوز للحدود كان بيبقى “حاجة وتعدي” ولازم كلنا نعديها عشان الس.كينة و”صلة الرحم”.
ولسبب ما، أنا دايماً الشخص اللي المفروض يسامح ويعدي ويكبر دماغه.
بصيت لنهى وقلت بوضوح:
“خلي ولادك يعتذروا لمريم دلوقتي.”
بصت لي باستكبار: “يعتذروا على إيه إن شاء الله؟”
“علشان كملوا جري وزقوها بعد ما هي قالتلهم كفاية.”
نهى ضحكت ببرود وقالت:
“ماشي يا سيدي.. يا عيال، معلش قولوا لبنت خالتكم معلش عشان زعلت.”
”لأ.”
صوتي كان هادي وبطيء:
“ده مش اعتذار.”
أبويا زق الكرسي ووقف:
“جيهان! جرا إيه، كفاية بقى لحد كده!”
ولأول مرة في حياتي، كلمة “كفاية” من أبويا ما خلتنيش ألم نفسي وأسكت.
مسكت سبت البيض المتبهدل طين بتاع مريم حطيته على الرخامة وقلت:
“اتفضلوا كلكم بره.. كلكم تمشوا دلوقتي.”
أبويا تنح لي: “إيه؟”
“زي ما سمعت يا بابا.”
“أنتِ بتطردي أهلك يوم العيد في بيتك؟”
“أيوه.”
وش نهى احمر من الغيظ:
“أنتِ أكيد اتجننتِ رسمي!”
“جواكتكم على الباب بره.”
أمي بصت لي بكسرة نفس: “يا جيهان.. ينفع كده؟”
“وأنتِ وبابا كمان يا أمي.. اتفضلوا.”
أبويا وقف وزعق:
“إيه الجنان ده! أمك بقالها ساعات واقفة في المطبخ بتساعدك في الأكل، وأختك ضربت مشوار ساعة إلا ربع من القاهرة الجديدة عشان تيجي هنا في الشيخ زايد، وأنتِ بتطردي الكل عشان العيال اتوسخت بطين؟”
”لأ.”
مشيت ناحية الدرج اللي تحت الميكروويف، وطلعت منه ظرف أبيض تقيل.
“أنا بطردكم لأن الموضوع ده أكبر بكتير من شوية طين على فستان.”
أبويا بص للظرف بقلق: “إيه ده؟”
“حاجة كنت مخططة أدهالك بيني وبينك على روقان بعد الغدا.”
قطع الظرف بلهفة، وطلع منه ثلاث صفحات رسمي جداً صادرين من مكتب المحاماة بتاعي.
وهو بيقرأ، وش أختي نهى بدأ يتغير وشريف جوزها بقى يبص بتركيز.
أبويا بص لي وهو مش مصدق:
“أنتِ مأجرة محامي؟”
“أيوه.”
“ضد أهلك يا جيهان؟”
“لأ.. علشان أحمي ملكي وبيتي.”
في اللحظة دي، شريف رفعت رأسه بذهول، ونهى اتخشبت مكانها.
الخطاب الرسمي كان بينص بوضوح على إن: (الاستاذ فرج، والأستاذة نهى، أو أي طرف ينوب عنهم، ليس لديهم أي صفة قانونية أو صلاحية للتفاوض، أو إبرام عقود مقاولات، أو تأجير، أو تمويل، أو إجراء أي تعديلات معمارية أو إنشائية في العقار الكائن في حي الأشجار بالشيخ زايد – والمسجل باسم الأستاذة جيهان).
وكان مرفق مع الخطاب:
صورة رسمية من عقد ملكية الشقة بالكامل باسمي.
والأهم بقى.. صورة من عقد إقرار دين وقرض قديم بقاله 16 سنة!
أبويا نزل الورق بإيديه وهو بيترعش:
“إيه لازمة عقد القرض القديم ده المرفق مع الخطاب؟”
”علشان أفتكر إن الوقت جه نصلح القصة المتألفة اللي العيلة كلها بتكررها عن إزاي أنا بنيت حياتي وشغلي.”
علشان تفهموا الظرف ده إيه قصته، لازم نرجع بالزمن ثلاث أسابيع لورا..
كنت نازلة أشتري طلبات العيد من السوبرماركت، وجالي اتصال من رقم غريب:
“أهلاً يا فندم، مع حضرتك البشمهندس طارق من شركة ‘المرشدي للمقاولات والديكور’.. بكلمك عشان نأكد على معاينة الموقع يوم الخميس الصبح.”
قلت بطلبة: “معاينة إيه؟”
“في الشقة وحوش الفيلا بتاعة حضرتك في الشيخ زايد.”
اتسمرت مكاني: “وده بخصوص إيه؟”
المهندس طارق كتم أنفاسه وقالي باحتراس:
“علشان المعاينة بتاعة تحويل الجراج الخاص بالشقة لشقة سكنية صغيرة (استوديو أو غرفتين).”
”الجراج بتاعي أنا؟!”
المهندس بدأ يقلق وشرح لي إن في حد اتصل بيه وطلب منه رسم هندسي وتكلفة تحويل جراج بيتي لشقة مستقلة.
“مين اللي كلمك يا بشمهندس؟”
“أستاذ فرج..”
أبويا!
المهندس قال إن أبويا عرف نفسه في التليفون على إنه “كبير العيلة والمسؤول عن العقار”!
كنت هضحك من الشر البلية.. أبويا ما يملكش ولا نص في المية في الشقة دي! أنا شرياها بفلوسي ومن عرق جبيني بعد طلاقي بخمس سنين، واسمي هو الوحيد اللي على العقد والطقوس الرسمية.
”والشقة دي كانوا عاوزينها لمين إن شاء الله؟”
المهندس تردد: “قالولي إن أخت حضرتك وجوزها بيمروا بظروف سكنية صعبة ومحتاجين مكان يلمهم.”
نهى.. طبعاً!
وبعدين المهندس قال حاجة أنيل.. قال إن شريف (جوز نهى) بعت له مقاسات وصور للجراج بتاعي بالفعل من جوه وبره!
في نفس اليوم بالليل، المهندس طارق بعت لي السلسلة الكاملة للإيميلات اللي دارت بينهم.
14 إيميل!
أبويا هو اللي بدأ الكلام مع الشركة.
ونهى دخلت في الخط بعده.
وشريف صور الجراج من جوه ومن بره والمساحة اللي بينه وبين المطبخ وهو عندي في الشقة في عزومة الجمعة اللي فاتت!
يعني كانوا بيقيسوا ويصوروا أملاكي وأنا طالعة فوق أساعد بنتي تجيب كتاب من أوضتها!
والإيميلات كانت أبشع من الصور..
أبويا كاتب للمقاول:
“(جيهان قاعدة في مساحة أكبر بكتير من احتياج ست مطلقة بطفلة، والجراج ده ملوش لازمة ومتروك.. تحويله لشقة هيريح نهى وعيلتها ويلاقوا حتة على قد إيديهم).”
ونهى ردت وقالت: “(جيهان ممكن تعملنا مشكلة وتعمل فيها زعلانة في الأول، بس في الآخر هترضى بالأمر الواقع).”
وبعدين أبويا كتب جملة عمرها ما هتتمحى من ذاكرتي:
“(سيبوا جيهان عليا أنا هعرف أظبطها).”
كملت قراية الإيميلات..
اكتشفت إن نهى وشريف غرقانين في الديون لشوشتهم.
كانوا واخدين قروض وبطاقات ائتمان مكسورة عليهم بمبلغ معدي الـ 850 ألف جنيه!
شوية بسبب توضيبات وديكورات في شقتهم القديمة في التجمع، وشوية مصاريف وفواتير، وشوية بسبب سفريات ومصايف في الساحل الشمالي ما كانوش يقدروا على مصاريفها أساساً!
خطتهم كانت بسيطة جداً:
يبيعوا شقتهم بتاعة التجمع الخامس، يسددوا ديونهم كلها، وييجوا يعيشوا ببلاش في الجراج بتاعي بعد ما يتحول لشقة لمدة سنتين، وأبويا كان كمان بياخد رأي المقاول إنه يخليني آخد منهم “إيجار رمزي” 5 آلاف جنيه في الشهر عشان المظهر!
كل ده من غير ما حد يكلف نفسه ويسألني أو ياخد رأيي!
كانوا خلاص بيتفقوا على الصب والتراخيص وموعد نقل العفش!
ولما وصلت للإيميل اللي بيشرح هم ليه واثقين إني هستسلم.. نهى كانت كاتبة لأبويا:
“(لو جيهان ركبت رأسها، فكرها العيلة دي ضحت بإيه وعملت إيه عشان تقوم لها شركة النظافة بتاعتها على رجلها).”
وهنا بقى.. نصل للمصيبة الكبرى “أسطورة العيلة”.
لما كان عندي 25 سنة وكنت بحاول أكبر شركتي، أبويا سلفني 100 ألف جنيه.
ده حقيقي وما ننكروش.
بس اللي الكل بيعمل نفسه ناسيه، إن أبويا السلفة دي ما كانتش لله والوطن!
أبويا أصر نكتب عقد وإقرار دين، وبفايدة 4% ومؤجلة على 3 سنين!
وسددت له كل مليم بالفايدة، وكنت ساعات بقضي اليوم برغيف حاف عشان أدفع القسط في ميعاده، وفي سنة 2010 قفلت الدين كله، ومعايا وصل الأمانة والشيك المتبصم المشفوع بالخلاص!
بس مع السنين، أسطورة أبويا اتغيرت:
من “أنا سيلفت جيهان مبلغ” بقيت “أنا استثمرت في جيهان”.. وبعدين بقت “إحنا كعيلة عملنا جيهان وشركتها”!
محدش بيفكر يفتكر السنين اللي كنت بسهر فيها بالساعات أنضف شركات ومكاتب بنفسي عشان معاييش أدفع أجور عمال.
محدش بيفكر يفتكر نومي في عربيتي الفان القديمة بين الشغلانة والثانية.
محدش فاكر الفوايد اللي دفعتهاله!
الـ 100 ألف جنيه السلفة بقت بالنسبة لهم “صك ملكية دائمة” على كل قرش أعمله في حياتي بعد كده!
ونهى كانت بتستغل الفكرة دي كل شوية:
عربيتها لما باظت، ساعدتها تجيب غيرها ووعدت تدفع الأقساط وما دفعتش بعد 7 شهور، وفي الآخر تنازلت لها عن العقد عشان أخلص من النكد.
لما جوزها شريف اتطرد من شغله، عملت له شغلانة عندي في الشركة ما استحملش فيها 5 أسابيع وسابها.
دفعت مصاريف مدرسة التوأم سنتين ورا بعض.
في الأزمة المالية دفعت لهم فواتير الكهرباء والصيانة.
وكل ما أتردد أو أقول لأ، أبويا يقولي الجملة الشهيرة:
“معلش يا جيهان.. أنتِ معاكِ وتقدري!”
كوني أقدر أساعد.. ده مش معناه إنكم تملكوا حق إنكم تستغلوني وتدبسوني للأبد!
تاني يوم الصبح، كلمت المحامية بتاعتي، الأستاذة ماجدة.
قرت الإيميلات وسألتني أسئلة خضتني:
“أهلك معاهم مفتاح شقتك؟”
“أيوه.”
“معاهم باسورد الإنذار؟”
“أيوه.”
“ريموت الجراج؟”
“مع بابا ريموت.”
“غيري الكوالين فوراً.. غيري الباسورد.. وإلغي الريموت.”
حسيت بذنب ساعتها: “بس يا أستاذة ماجدة.. دول أهلي!”
قالتلي كلمة عمري ما هنسى شكلها:
“يا جيهان، الناس اللي فاكرة إن ليها سلطة عليكِ، ما بتعرفش الخط الفاصل بين إذنك وبين حقك.”
قانونياً، الموضوع حاسم:
أبويا ملوش أي صفة.
نهى ملهاش أي حق.
ومحدش يقدر يحط طوبة في الجراج من غير موافقتي.
الأستاذة ماجدة عملت الإنذارات الرسمية وجهزت المحاضر وعقود الدين القديمة المتقفلة، بس أنا طلبت منها تتأخر في إرسالها.. كنت لسه بضحك على نفسي ومفكرة إني ممكن أتحل بالتفاهم مع أبويا.
بعدها بيومين، أبويا جالي الشقة وجايب معاه أكل جاهز.
بعد ما مريم نامت، فتحت اللابتوب وقعدت قدامه:
“بابا.. هو ليه في مقاول بيعمل رسم هندسي عشان يحول الجراج بتاعي لشقة؟”
أبويا اتخشب مكانة: “مين قالك؟”
“مش ده السؤال.. السؤال تعمل كده ليه؟”
بدأ يلف ويدور ويقول إن دي مجرد “أفكار مبدئية”، و”دردشة”.
طلعت له الإيميلات الصريحة!
في الآخر اعترف إن نهى وشريف هيبيعوا شقتهم في التجمع ومحتاجين مكان يقعدوا فيه.
“يا بابا سلفهم أو ساعدهم أنت!”
“ما أنا بساعدهم أهو!”
“لأ، أنت بتساعدهم من جبي وأملاكي أنا!”
أبويا اتنرفز وضرب على الترابيزة:
“أنتِ ما بتستخدميش الجراج ده أساساً! وعندك مخزن لشركتك في السادس من أكتوبر للمعدات!”
“بيتي وأملاكي يا بابا!”
صرخ في وشي: “أنتِ أنانية!”
الكلمة دي كانت بتلوي دراعي لسنين طويلة..
أنانية عشان قلت لأ.
أنانية عشان معايا فلوس.
أنانية عشان عاوزة حدود لحياتي.
بس المرة دي، الكلمة ما عملتليش حاجة.
“أنا مش هحول الجراج لشقة يا بابا.”
“دول أختك ولادها يا جيهان!”
“وأنا بنتك ومريم بنتي!”
لم حاجته وهو متعصب وقالي:
“إبقي اتكلمي مع أختك قبل ما تاخدي قرارات ناشفة كده.”
“أنت وعدتها بإيه يا بابا؟”
سكت، وبعدين اعترف:
“قلتلها إن جيهان عمرها ما هترضى تشوف ولاد أختها في الشارع.. قلتلها لما يجي الوقت جيهان هتعمل الصح.”
”الصح” بالنسبة لأبويا هو اللي هو عايزه.. وأنا مجرد التوقيع اللي على العقد.
بعدها بأسبوع، نهى جاتلي المكتب في الشركة.
نزلت فيا اتهامات إني “بدلع” و”بعمل شو”.
سألتها بكل هدوء: “ديونكم كام بالظبط؟”
اعترفت في الآخر: 850 ألف جنيه.
“صرفتوهم في إيه؟”
“في الحياة!”
“ده مش رد يا نهى.. ديكورات؟ سفريات الساحل؟ مارينا؟ ديزني؟”
قالتلي إني ست قاسية وبحسب كل حاجة بالورق والقلم:
“أنتِ ما تعرفيش يعني إيه زنقة وفلوس ضايعة!”
كنت هضحك.. أنا أكتر واحدة عرفت يعنى إيه زنقة، بس الفرق إن زنقتي ما خلتنيش أسرق جراج أختي!
ورغم كل ده، كنت لسه بعشم نفسي إن العيد يعدي على خير..
لحد ما مريم بدأت تتكلم.
قبل العيد بأسبوع، مريم سألتني:
“ماما.. هو يوسف وياسين بيحبوني؟”
قالتلي إنهم بيقولوا عليها “عيلة بيبي” لما ترفض تلعب لعب خطيرة، وإنهم زقوها على سور الجنينة عند تيتة ولما خافت يتريقوا عليها، وفي مرة خبوا لعبتها الأرنب في صندوق الزبالة!
كلمت نهى.. نهى قالت لي “لعب عيال عادي”.
قلت لها بوضوح: “لو بنتي قالت بس كفاية، ولادك يقفوا فوراً.”
نهى اتهدمتني إني بطلع بنتي “بسكوتة ومش متحملة”.
وأبويا كلمني بعدها: “نهى مضغوطة مادياً يا جيهان، ما تضغطيش عليها أنتِ كمان.”
وده كان اللب بتاع المشكلة..
الكل عاوزني أنا وبنتي نتحمل القرف والقلة الذوق عشان نهى ما تتضايقش!
وجي يوم العيد..
أول ساعة كانت هادية، أمي جابت معاها كيكة الليمون، وأبويا جاب ورد لمريم.. أبويا بيحب مريم جداً، وده اللي كان بيوجع.. إن الناس مش شرط يكونوا أشرار مطلقين عشان يؤذوك.
بعد الغدا، العيال طلعوا الجنينة يدوروا على بيض العيد.
مريم لقت بيضة بنفسجي جنب الشجر، ياسين جرى عليها: “هاتي دي بتاعتي!”
مريم: “لأ أنا اللي لقيتها!”
بدأ يزقها، ناديت من البلكونة: “ياسين! افتكر القانون، لما حد يقول كفاية نوقف!”
نهى لوت بقها: “ما تتدخليش في كل صغيرة وكبيرة يا جيهان!”
أمي نادتني المطبخ أساعدها.. غبت 5 دقايق، وسمعت صرخة مريم!
رجعت المطبخ ومريم غرقانة طين من ساسها لراسها..
ونهى بتقولي “نكدتِ على العيال المفرفشة”.. وأبويا بيقول “محدش جرى له حاجة”..
وده كان الوقت اللي طلبت فيه الاعتذار ورفضوا..
وهنا إديت الظرف لأبويا!
أبويا كان هيتجنن وهو ماسك الورق:
“جايبة ورق محامي وعقد قرض من 16 سنة في خناقة عيال بيلعبوا؟!”
“علشان أنت طول الوقت بتستغل الدين القديم ده عشان تحلل لنهى تاخد ملكي!”
“أنا اللي إدتك الفلوس اللي قومتك على رجلك!”
“وأنا سددتها بالفايدة يا بابا!”
نهى اتدخلت: “أنا عمر ما قلت إن لي حق في بيتك!”
“أنتِ كاتبة لأبوكِ في الإيميل ‘فكر جيهان بتضحيات العيلة عشان شركتها’!”
شريف جوزها بص لها بذهول: “أنتِ كتبتي كده بجد يا نهى؟!”
قالت له: “أنت تسكت خالص وما تتدخلش!”
أبويا قال إني بحاول أهينه، قلت له:
“لأ يا بابا، أنا بوثق الحقيقة بس.”
ولأول مرة في حياتي، قعدت أعد لهم كل حاجة عملتها في السر عشانهم:
عربية نهى.. مصاريف مدارس التوأم.. فواتير الكهرباء.. شغل شريف.. علاج سنان أمي.. وحتى ضرائب الشقة اللي أبويا كان مزنوق فيها!
“أنا مش عاوزة الفلوس دي، بس المشكلة إن كل نقطة جدعنة عملتها معاكم، اعتبرتوها فرض عليا ولازم أكررها!”
شاوَرت على الباب: “كلكم بره!”
شريف جمع العيال من غير ما يناقش، وقبل ما يطلع بص ناحية السلم وقال:
“مريم يا حبيبتي.. عمو شريف آسف.”
وكان هو الراجل الوحيد اللي اعتذر في اليوم ده.
بعد ما الباب اتقفل، لقيت مريم قاعدة على أرضية الحمام جنب فستانها الأصفر المتبهدل، وبصت لي بدموع:
“ماما.. هو أنا وحشة؟”
الكلمة دي وجعتني اكتر من أي حاجة ثانية..
“لأ يا روح قلب ماما.”
“بس طنط نهى قالت العيال الشاطرة الحلوين..”
“طنط نهى غلطانة.”
“هو أنا بوظت العيد؟”
“لأ يا حبيبتي.”
“هو جدو وحش؟”
فكرت بالراحة وقلت لها:
“لأ.. جدو بيحبك أوي، بس حتى الناس اللي بتحبنا ممكن تغلط في حقنا.”
بالليل، التليفون مابطلش رن.
أمي بتقول أبويا مكسور.. ونهى بتقول إني أهنتهم.. ومحدش فيهم سأل مريم عاملة إيه!
في الآخر أبويا كلمني، وأول حاجة سألها: “مريم كويسة؟”
“أيوه.”
اعترف إنه ما كانش المفروض يطنش دموعها، وبعدها على طول قعد يشتكي من جواب المحامي!
ده أبويا.. الندم والدفاع عن النفس عايشين مع بعض في نفس الجملة!
قلت له الحقيقة:
“أنت تعاملت مع إذني وموافتي كأنها مجرد شكليات.. لو كنت محترم حق في إني أقول ‘لأ’، كنت استأذنتني قبل ما تطلب المقاول!”
قال لي: “أنا أبوكِ يا جيهان.. ده لازم يكون ليه خاطر عندك!”
“لك خاطر كبير جداً يا بابا، بس خاطرك ده ما يديكش حق التصويت والملكية على بيتي!”
سكت.. وبعدين سأل:
“ونهى هيحصل فيها إيه دلوقتي؟”
“تبيع شقة التجمع، وتأجر شقة على قد إيديهم.”
“كده العيال ممكن يغيروا مدرستهم!”
“يغيروها يا بابا.”
“سهلة عليكِ تتقال وأنتِ قاعد في فيلتك وشقتك الكبيرة!”
“لأ يا بابا.. مش سهلة عليا أشوف أختي بتتزنق، بس مش شغلي ولا مسؤليتي إني أحل مشاكلها على حسابي!”
بعد العيد بيومين، المقاول قفل الفايل رسمياً وبعت لي إعتذار، وسمسار العقارات نفس الكلام.
افتكرت إن الموضوع خلص..
بس شريف (جوز نهى) كلمني في السر!
اكتشفت إن نهى كانت دافعة للمهندس 15 ألف جنيه عشان يعمل الرسم المبدئي!
والأدهى.. إنها كانت مفهمة شريف إني موافقة مبدئياً!
هي كانت قاصدة ما تسألنيش وش عشان عارفة إني هقول “لأ”.. فكانت عاوزة تحطني تحت الأمر الواقع! فلما الفلوس تتدفع والرسومات تطلع، أكسف أرفض وأتحرج وأوافق!
شريف قال لي كمان السر الحقيقي لخناقة العيد:
سأل التوأم، فاعترفوا إنهم كانوا فاكرين البيضة البنفسجي اللي مع مريم فيها العيدية الفلوس!
فحاصروها وكانت عاوزة تاخد منها السبت، ولما مريم صرخت وقالت بس، ياسين زقها في الطين!
والأنيل.. إن ياسين قال لمريم: “أوعي تقولي لحد وإلا طنط نهى هتقول عليكِ كدابة!”
كلمت نهى.. لقيتها لسه بتهون الموضوع وتطلع بنتي كدابة!
نهيت المكالمة فوراً:
“مريم مش هتقعد مع ولادك تاني في مكان واحد لحد ما تتصلحي.”
صرخت: “أنتِ بتعاقبي أطفال؟!”
“لأ.. أنا بحمي بنتي.”
وخرجت من جروب العيلة على الواتساب.
لمدة أسبوعين، الكل كان طايح وزعلان..
وبعدين حصلت حاجة غريبة.. الحياة استمرت عادي جداً!
مريم راحت مدرستها، شركتي شغالة، والشمس طلعت عادي!
نهى وشريف باعوا شقة التجمع، وبعد ما سددوا ديونهم كلها والعمولات، اتفضل معاهم حوالي 400 ألف جنيه.. أجروا شقة صغيرة ولطيفة في المعادي، والتوأم غيروا المدرسة، وشريف لقى شغلانة استقرار إدارة في شركة كويسة.
محدش اترسخ في الشارع.. ومحدش مات من غير الجراج بتاعي!
بعد 19 يوم، أبويا كان رافض يكلمني.. أمي كلمتني:
“إيه اللي يرجع المياه لمجاريها يا جيهان؟”
وساعتها اتسأل السؤال الصح!
“بالنسبة لبابا؟ محتاجة يعترف إنه غلط من غير ما يحط أعذار.”
بعدها بـ 3 أيام، أبويا جالي المكتب في الشركة وجايب معاه كتاب قصص أطفال لمريم.
قعد وقال كلمة عمر ما سمعتها منه:
“أنا غلطان يا جيهان.”
اعترف إنه ما كانش المفروض يكلم المقاول ولا السمسار، وإنه اعتمد على إني هستسلم في الآخر..
وقال حاجة أعمق:
“يمكن عشان أنا ساعدتك وأنتِ عندك 25 سنة، كان جواه حتة حاسة إني طالما ساعدتك يبقى لي طمع ونشيب في نجاحك بعد كده.”
هزيت رأسي: “صح يا بابا.”
“وأنا غلطان في دي كمان.”
“أنا ممتنة جداً للعملته معايا يا بابا، بس الامتنان ما ينفعش يتحول لدين أبدي.. وإلا الحب هيبقى ابتزاز.”
نزل رأسه: “فهمت.”
وبعدين استأذنني: “ممكن أروح أعتذر لمريم؟”
استأذن.. ما فرضش نفسه! وده كان يفرق كتير.
أبويا راح لمريم، ووطى على ركبه قدامها:
“أنا كان المفروض أسمعك وأنتِ بتعيطي.. وكان المفروض أسألك إيه اللي حصل.. ولما طنط نهى قالت الكلام الوحش ده، كان المفروض أقولها إنها غلطانة.”
مريم بصت له: “هو أنا بنت شاطرة يا جدو؟”
عينين أبويا اتملت دموع: “أنتِ حبيب جدو، ومش لازم تكوني مثالية عشان حد يسمعك لما تتوجعي.”
ومريم قبلت اعتذاره.
نهى أخدت وقت أطول..
بعد أشهر، جاتلي المكتب شكلها تعبان ومجهد.
قالت إنها هي وشريف بيروحوا لدكتور استشارات زواجية، والدكتور لفت نظرها لإزاي هي دايماً بتجر أبويا في مشاكلنا.
واعترفت بحاجة غريبة:
أبويا وأحنا صغار كان دايماً مسميني “البنت الشاطرة الاعتمادية”، ومسمي نهى “البنت العاطفية الفاشلة”.. أنا كنت بكره إن المطلوب مني أكون دايماً تمام وما بطلبش حاجة، وهي كانت بتكره إن المتوقع منها الفشل!
سجون مختلفة.. بس نفس العيلة!
وبعدين اتكلمت عن العيد:
“الكلام اللي قلته لمريم كان بشع.”
“أيوه يا نهى.”
“أنا قلت على ولادي شاطرين وهي واقفة بتعيط.”
“أيوه.”
“أنا آسفة.”
من غير ما تقول أي عذر بعدها!
وبعدين اعتذرت عن موضوع الجراج:
“أنا كنت عارفة إنك هتقولي لأ.. عشان كده سبت بابا يضغط عليكِ.. أنا عاملت الـ ‘لأ’ بتاعتك كأنها ملهاش قيمة لحد ما حد تاني يوافق عليها.”
“بالظبط كده.”
سألتني لو التوأم ينفع يعتذروا لمريم..
قلت لها: “هسأل مريم الأول.”
استغربت: “أنتِ بتخلي عيلة عندها 6 سنين هي اللي تقرر؟”
“أيوه.. ولو قالت لأ، يبقى الرد لأ.”
دي كانت نصيحة ثانية نهى محتاجة تتعلمها: إن الـ “لأ” بتاعة أي حد ما بتقلش قيمتها عشان هي زعلتك!
مريم وافقت في الآخر، وتقابلنا في حديقة عامة في المعادي.
الولدين اعتذروا لها إنهم زقوها وقالوا عليها بيبي وخبوا الأرنب بتاعه.
مريم سمعتهم وقالت: “أنا هلعب معاكم.. بس بلاش استخباية وبلاش زق!”
قالولها: “ماشي.”
“ولو قلت بس نوقف؟”
“نوقف فوراً.”
وجروا يلعبوا على المراجيح.
عيلتنا ما بقتش مثالية بلمسة سحرية..
أبويا ساعات لسه بيبقى عاوز يتحكم.
ونهى ساعات بيجيلها الداء.
وأنا لسه بحارب نفسي عشان ما أروحش أنقذ الكل على حساب نفسي..
بس القواعد اتغيرت.
العيد اللي بعده، نهى هي اللي عزمتنا في شقتها في المعادي.
الشقة كانت نص مساحة بيتي.. العزومة كانت زحمة، شريف حرق الجلاش، وأبويا قعد يشتكي من الركنة، والعيال كانوا عاملين دوشة..
بس قبل لعب البيض، نهى جمعت العيال وقالت بوضوح:
“مافيش زق، مافيش شد، ولو حد قال بس كفاية، نوقف فوراً!”
مريم بصت لي.. وأنا ابتسمت.
بعدها بكسر سنة، نهى وشريف جمعوا فلوس واشتروا شقة صغيرة في شيراتون.
محدش إداهم مقدم.
محدش أنقذهم.
عملوها بنفسهم!
لما نهى كلمتني تقول لي إن العقد اتوقع، كانت فخورة جداً:
“جيهان.. اشترينا الشقة!”
“مبروك يا حبيبتي!”
“وعملناها من غير ما بابا يحلها ومن غير ما أنتِ تدفعي لنا!”
ضحكت: “شعور غريب صح؟”
“حلو أوي!”
بعتت لهم كارت هدايا من ‘مترو ستورز’ بتاع أجهزة وديكور كهدية شقة جديدة.. مش شيك بياض، ولا عربية، ولا عملية إنقاذ.. مجرد هدية.
وأبويا اتغير كمان..
في يوم سبت كلمني: “الطبشة بتاعة البوابة المصفحة عندك محتاجة تزييت وتظبيط.”
“عارفة يا بابا.”
سكت شوية وقال: “تحبي أجي أظبطهالك؟”
ابتسمت: “أنت كده بتستأذن يا فرج؟”
ضحك: “بتعلم أهو!”
جه وظبطها، وهو باصص ناحية الجراج:
“هو أنتِ مش ناوي تعملي حاجة مفيدة بالجراج الكبير ده؟”
بصيت له.. فرفع إيديه بسرعة:
“جراجك وأملاكك يا جيهان! أنا بس بسأل!”
ضحكت: “يمكن أعمل نص منه مرسم رسم لمريم لما تكبر شويه.”
أبويا هز رأسه: “فكرة ممتازة.”
وبس كده.. لا مقاولين، ولا إيميلات من ورا ضهري، ولا محاضرات عن الأنانية.. مجرد رأي اتعرض وما اتفرضش.
في الآخر.. مريم كبرت على الفستان الأصفر بتاع العيد ده.
في ليلة خريف، لقيت الفستان متعلق في أخر الدولاب.
كنت هحطه في شنطة التبرعات، بس لمحت حاجة..
كان في بقعة بني صغيرة أوي دايرة في الترف الداخلي بتاع الفستان.
أنا صاحبة شركة نظافة، وكان ممكن أضيع البقعة دي في ثانية لو أردت..
بس سبتها.
علشان اتعلمت حاجة عن “البقع”.. مش كلها لازم تروح، في بقع بتبقى مجرد تذكير!
البقعة البني الصغيره دي بتفكرني بيوم العيد لما بنتي كانت واقفة بتعيط في بيت أمها، والكل مستني منها تسكت عشان هم يرتاحوا..
والأهم من ده كله.. بتفكرني باللحظة اللي رفضت فيها أعلم بنتي الدرس اللي قعدت عمري كله أتعلمه:
(كوني أسهل.. اطلبي أقل.. إدي أكتر.. اسكتي.. وعدي الدنيا عشان صلة الرحم!)
كنت فاكرة زمان إن الشخص القوي في العيلة هو اللي بيستحمل وما بيطلبش حاجة..
كنت فاكرة إن معيا فلوس يبقى أنا مسؤولة أنقذ اللي معندوش..
كنت فاكرة إن طاعة أبويا الأبدية هي ثمن الامتنان..
وكنت فاكرة إن حب القرايب معناه أسيب الباب مفتوح على بحري مهما عملوا لما يدخلوا بيتي.
أنا ما بقيتش أؤمن بأي حاجة من دي خلاص.
بيتي بتاعي.
شركتي بتاعتي.
فلوسي أنا اللي بقرر أشاركها مع مين وأمتى.
ومشاعر بنتي ملكها هي بس.
ومحدش.. ولا خالتها، ولا ولاد خالتها، ولا جدها، ولا حتى أنا.. يملك إنه يقرر هي ليها حق تقول “بس كفاية” ولا لأ!
الحب ممكن يفتح الباب.. بس الحب ما بيديش صك الملكية!
ولما الناس اللي بتحبهم ينسوا الفرق بين إنهم معزومين في حياتك وبين إنهم يملكوا جزء منها.. يبقى أصح وأبسط حاجة ممكن تقولها هي نفس الجملة اللي قلتها في العيد ده:
” اتفضلوا كلكم بره!”