طول ال 8سنين اللي فاتوا
على مدار ثماني سنين، كنت عايشة زي الظل غير المرغوب فيه جوة بيت عيلتي. كل ما أهلي يعرفوا إن قرايب خطيبة أخويا الكبيرة يحيى الأغنياء جايين يزورونا، أمي كانت بتتأكد تماماً إني اختفيت ومحدش يلمحني.
لا في كلام.
ولا في تفاهم.
ألم شنطتي القماش المتبهدلة، وأخرج من باب المطبخ الوراني، وأقضي الإجازة في أي حتة تانية.
لوكاندة رخيصة في وسط البلد.
قهوة شغال أربع وعشرين ساعة.
ساعات في عربيتي.
أي مكان في الدنيا إلا البيت.
بالنسبة لأمي، سهير الدناصوري، وجودي كان خطورة شديدة على منظرة وواجهة العيلة قدام الناس.
لما كان عندي ثمانية عشر سنة، قعدت أسبوعين في مستشفى نفسي بتعالج من اكتئاب حاد.
بالنسبة لي، دي كانت أصعب فترة مرت عليا في حياتي ونجيت منها.
أما بالنسبة لأمي، فدي بقت وصمة عار وأزمة أبدية مش قادرة تتخطاها.
”أنتي عارفة عيلة نيرة عاملة إزاي،” كانت بتقولها وهي بتظبط جاكيت كارديجان الغالي بتاعها. “ناس محافظين ومتقيدين أوي، أبوها رئيس مجلس إدارة مستشفيات، وأمها مسكة جمعية خيرية كبار. مش محتاجين يسمعوا حكايات وتلكيك يوجع الراس.”
وبعدين تزق لي الفلوس على الرخامة بتاعة المطبخ:
”غوري في أي حتة الكام يوم دول يا نورهان، أنا قلت لهم إنك مهندسة ناجحة ومسكة فرع الشركة في دبي.”
أما بابا، عبد العزيز، فعمره ما جادل ولا فتح بوقه.
كان دايماً حاطط وشّه في جريدة الأخبار والصفحة الاقتصادية:
”اسمعي الكلام وامشي لحد يوم الأحد يا نورة، مش عاوزين نعمل مشاكل مالهاش لازمة.”
فكنت بأمشي.
مرة.
ورا مرة.
ولسنين طويلة، أقنعت نفسي إن يمكن بيعملوا كده عشان يحموا مستقبل يحيى أخويا.
يمكن كسفانين.
يمكن مش عارفين يشرحوا للناس اللي حصل لي.
يمكن لما يمثلوا إني عايشة بره مصر بيبقى أسهل عليهم من إنهم يواجهوا قسوتهم وتفكيرهم المريض.
لحد ما في يوم، قبل ما كل حاجة تتكشف بست شهور، نيرة دخلت المشتل اللي كنت شغالة فيه.
مشتل “الزهور الخضراء” كان المكان الوحيد اللي بحس فيه إني طبيعية وإنسانة.
كنت بتعامل مع الطين، والزرع، والشجر، والورد.
الزرع ماكانش بيميز ولا بيهتم بمنظرة العائلات.
ماكانش بيسألني أنا ليه في يوم من الأيام احتجت مساعدة دكتور.
لو إديته شمس ومية ومساحة، بيكبر وينمو.
في اليوم ده، نيرة دخلت الصوبة وهي لابسة فستان كتان أبيض وطرحة حرير.
عرفتها في ساعتها.
خطيبة أخويا.
الست اللي عيلتي بقالها سنين بتتأنق وتلحس عشان تعجبها.
ماكانش عندها أي فكرة أنا مين.
ابتسمت لي بلطف وقالت:
”عن إذنك، ممكن تساعديني أختار شجرة فيكوس بيضاء؟”
إيدي اتجمدت مكانها.
”شجرة فيكوس؟”
”أيوه، ويكون وردها أبيض لو ينفع.”
وطت صوتها وكملت:
”دي عشان جنينة الذكرى في الجمعية عندنا.. عيلة خطيبي فقدوا بنت صغيرة من سنين.”
في حاجة وجعتني وعصرت صدري من جوة.
”أنا أسفة.”
نيرة إدتني ابتماسية فيها حزن وقالت:
”دول لسه بيتكلموا عنها طول الوقت لحد دلوقتي.. الظاهر إنها ماتت وهي صغيرة أوي.”
بصيت لخاتم الخطوبة اللي في إيد نيرة.
الخاتم اللي يحيى ورّاه لأمي وبابا من شهور.
الخاتم اللي سمعت أمي بتقعد تتباهى بيه قدام القرايب.
كل غريزة وجزء جوايا كان صرخ وعاوز يقول:
أنا أخت يحيى.
أنا مش عايشة في دبي ولا مساكة مناصب.
أنا واقفة قدامك بشحمي ولحمي أهو!
بس بدل ده، فضلت ساكتة وما نطقتش.
ساعدت نيرة تختار أصح وأحلى شجرة فيكوس بيضاء كانت عندنا.
لفت الجذور.
كتبت ورقة العناية.
وشفتها وهي بتحطها في عربيتها الميرسيدس.
كنت فاكرة الذكرى دي لحد من ولاد العم.
يمكن عمة.
أو يمكن طفلة ماتت قبل ما أنا أتولد.
ماكانش عندي أي فكرة.
وبعد ست شهور، عرفت الحقيقة.
والحقيقة دي دمرت كل اللي فاضل من علاقتي بعيلتي.
كانوا طارديني تاني عشان عندهم عزومة عشاء خطوبة ليحيى ونيرة.
بالليل ده، بعد ما مشيت مسافة بالعربية، افتكرت إني نسيت علبة الدواء بتاعي على الكومودينو.
ماكانش ينفع أعدي الإجازة من غيره.
على الساعة عشرة بالليل، رجعت البيت في السر.
كنت عارفة إن الضيوف أكيد قاعدين في السفرة أو الصالون الكبير.
دخلت من باب المطبخ اللي ورا بالمفتاح الاحتياطي.
الحركة بهدوء من غير صوت جوة البيت ده بقت طبيعتي الثانية.
كنت في نص الطرقة رايحة لأوضتي لما سمعت أصوات.
وقفت.