طول ال 8سنين اللي فاتوا
على الصبح، القصة كانت وصلت القاهرة والتجمع والكل بيحكي فيها.
لسنين طويلة، أهلي كانوا بياخدوا تبرعات وشيكات تحت اسم “مؤسسة نورهان الدناصوري لدعم الصحة النفسية للشباب”.
موتي المزور كان جزء من واجهتهم الخيرية الاجتماعية.
بس أنا كنت عايشة.
ولما الموضوع بقى علني، الناس بدأت تسأل الفلوس والتبرعات دي كانت بتروح فين؟
فريدة هانم كانت ثائرة ومولعة.
نيرة سابت يحيى وفسخت الخطوبة وفركشت كل حاجة.
المؤسسة الخيرية بفت تحت التحقيق والنيابة للتدقيق في الأموال.
الضرائب والمباحث دخلوا في الموضوع.
بابا كان ماضي على أوراق مالية خاصة بالمؤسسة.
وأمي كانت هي اللي بتدير الحسابات والفلوس.
سمعتهم وواجهتهم الاجتماعية اللي بنوها على مدار سنين انهارت في أيام.
بعد المعرض بيومين، رجعت بيت أهلي.
بس المرة دي، ما جيتش لوحدي.
جبت معايا عمال من المزرعة والشركة.
جيت ألم باقي حاجاتي.. وأخلص أخر حاجة ما كملتش.
بيت الدناصوري كان شكله اتغير تماماً.
الجرايد متكومة بره محدش بيلمها.
الستائر كلها مقفولة.
عربية صحافة واقفة في أول الشارع.
جوة، أمي كانت قاعدة في الصالون لابسة روب قديم وشكلها كبر عشر سنين.
وبابا قاعد على السفرة وحواليه أوراق الق.ضية والمحاميين.
أمي رفعت عينها لما دخلت:
”نورهان…”
صوتها كان مكسور:
”أنتي دمرتينا.”
بصيت لها بثبات.
كملت:
”البيت ده ممكن يروح مننا في قضايا الأموال العامة.. جواز يحيى اتدمر وخرب.. والناس كلها شايفانا وحوش وأشرار.”
”أنتوا قلتم للناس إن بنتكم الحية ميتة ومرحومة.”
اتنفضت مكانها.
بابا يا دوب رفع راسه:
”عايزة إيه؟”
”حاجاتي.”
ولبست جوينتي الشغل بتاعي:
”وجاية هشيل حاجة ماكانش ينفع تكون موجودة أصلاً.”
مشيت ناحية أوضتي القديمة.
أمي مشيت ورايا:
”لا! مش هتلمسي حاجة هنا!”
فتحت الباب.
الأوضة كانت زي ما هي.
الأنوار اللي كنت ولعتها من أربع سنين طفوها طبعاً، بس المزار كان لسه موجود.
الصورة.
الرخامة السودا.
لوحة الذكرى.
شلت صورة شجرة الفيكوس وإديتها لواحد من العمال.
وبعدين بصيت على الرخامة:
إلى روح المرحومة الغالية
نورهان عبد العزيز الدناصوري
1995–2014
أمي وقفت ورايا:
”عشان خاطري يا نورهان.”
تجاهلتها:
”يا عم مصطفى.”
واحد من العمال بص لي:
”أؤمريني يا باشمهندسة.”
”هات المرزبة والشاكوش الكبير.”
أمي شهقت:
”أنتي هتكسريها؟! أنتي عارفة دي اتكلفت كام؟!”
بصيت لها:
”هي دي مشكلتك الحقيقية طول عمرك.. الفلوس والمنظرة.”
عم مصطفى قرب.
المرزبة نزلت بقوة.
الرخام الأسود اتدشدش وصوت الكسر رن في الأوضة.
مرة كمان.
اللوحة اتفتت ميت حتة.
اسمي اتكسر في النص.
وسنة الموت المزورة اتفتت كسر صغيرة.
فضلت واقفة بتفرج.
ولأول مرة من سنين، حسيت براحة ونفس طالع من قلبي.
وطيت ورفعت حتة رخام صغيرة مكتوب عليها “2014”.
حطيتها في جيب جاكيتي.
مش عشان أحتفظ بكدبتهم.
عشان أفتكر دايماً السنة اللي حاولوا يمسحوني فيها من الدنيا وفشلت محاولتهم.
أمي كانت بتعيط دلوقتي.
مش دموع إتيكيت.
ولا دموع حفلات ومظاهر.
دموع حقيقية من الخوف والندم.
”نورة.. عشان خاطري.”
مدت إيدها ناحيتي:
”احنا أهلك برضه.. غلطنا.. مش ينفع نبدأ صفحة جديدة؟”
وقفت جنب باب الشقة بره.
وبصيت ورايا على الأرض الرخام، واللوحات الغالية، والنجف الكريستال، والست اللي كانت فاكرة في يوم من الأيام إن كل المظاهر دي أهم من بنتها.
”الشجرة الميتة عمر ما يطلع فيها فرع حي يا سهير هانم.”
بصت لي بذهول.
”أنتي دفنتي نورهان الدناصوري من سنين.”
فتحت الباب:
”الفرق الوحيد إني لما دفنتها المرة دي.. دفنتها عشان أقدر أعيش بجد.”
خرجت بره.
ركبت العربية النقل مع العمال.
وما بصيتش ورايا ولا مرة.
وأحنا راجعين طريق الصحراوي ناحية الإسكندرية والنوبارية، مديت إيدي في جيبي ولمست السن الحاد بتاع حتة الرخام المكسورة.
قدامي كان في مزارع..
وأرض واسعة..
وشجر محتاج رعاية..
وطين محتاج يتزرع..
وحياة كاملة ملكي أنا وبس.
لمدة سبعة وعشرين سنة، كنت عايشة تحت ظل حد تاني وخايفة.
ولأول مرة في حياتي، فهمت يعني إيه إنسان يقف بكامل طوله في النور.