طول ال 8سنين اللي فاتوا

​أم نيرة، فريدة هانم، كانت واقفة بره باب أوضتي.
​وجنبها أمي.
​أمي كانت ماسكة منديل دانتيلا على وشها.
​وكتفها بيرتعش.
​”آه يا فريدة،” وشهقت بصوت واطي. “ساعات لحد دلوقتي مش بقدر أفتح الباب ده ولا أدخله.”
​فريدة حطت إيدها على كتفها بحنية:
​”إنتي ست صبورة وقوية جداً يا سهير.”
​أمي بصت ناحية باب أوضتي المقفول:
​”سايبة الأوضة زي ما سابتها بالظبط من يومها.”
​تنهدت فريدة وقالت:
​”نورهان دلوقتي في مكان أحسن، وشايفاكم كلكم من فوق ومحروسين ببركتها.. أنا مؤمنة بكده.”
​جسمي اتجمد تماماً.
​لعدة ثواني، عقلي رفض يستوعب ولا يفهم الكلام اللي سمعته.
​وبعدين المعنى نزل عليا زي الصاعقة.
​دول فاكرين إني ميتة!
​مش عايشة في دبي..
​ولا شغال بره..
​ميتة!
​أمي قالت لهم إني ميتة ومرحومة!
​استنيت لحد ما مشيوا ونزلوا تحت.
​وبعدين خرجت للطرقة.
​رجلي كانت بترتعش ومش شايلاني.
​فتحت أوضتي بالمفتاح.
​جوة، كل حاجة كانت متصانة بشكل غريب ومحدش لمسها.
​كتبي القديمة.
​سريري.
​حاجاتي بتاعة الثانوي.
​الأوضة ماكانتش أوضة بنت.. دي كانت طالعة زي المتحف أو المزار!
​وبعدين شفت حاجة محطوطة في نص الأوضة.
​صورة ببرقع.
​شجرة فيكوس بيضاء.
​نفس الشجرة اللي أنا بعتها لنيرة بنفسي!
​وتحت الصورة كان في لوحة رخام أسود صغيرة.
​قربت منها.
​وقريت الكلام المكتوب والمحفور عليها:
​إلى روح المرحومة الغالية
نورهان عبد العزيز الدناصوري
1995–2014
ملاك رحل سريعا
​بصيت لاسمي المحفور.
​لسنة ميلادي.
​وللسنة اللي اختاروها لموتي.
​السنة اللي تميت فيها ثمانية عشر سنة.
​السنة اللي دخلت فيها المصحة النفسية واتعالجت.
​السنة اللي عيلتي قررت فيها إني أنفعهم ومفيدة أكتر بكثير كبنت ميتة ومرحومة، عن إني أكون بنت عايشة بتتعافى من مرضها.
​كل حاجة أخيراً وضحت في دماغي.
​سفريات الإجازات الإجبارية.
​الأوضة المقفولة بالمفتاح.
​السرية الفظيعة.
​نظرات العطف.
​العلاقات مع الجمعيات الخيرية والجامع.
​التمثيل المتقن لحزن الأم المكلومة.
​أمي ماكانتش مجرد بتخبيني..
​أمي مسحت وجودي من الدنيا وأعدمتني بالحياة!
​والأنكى والأضل، إني أنا بنفسي نقيت الشجرة اللي اتزرعت عشان زكرى موتي المزور!
​كنت فاكرة إني هعيط وأنهار.
​بس ما عيطتش.
​في حاجة أبرد وأقسى من الوجع سكنت جوايا.
​فتحت الدولاب وسحبت علبة صفيح صغيرة فوق.
​جواها كان أوراقي الحقيقية.
​شهادة ميلادي.
​جواز سفري.
​بطاقتي الشخصية.
​كشوف الحسابات البنكية.
​كل حاجة كنت حامياها في السر.
​حطيتهم جوة جاكيتي.
​وبعدين عملت حاجة صغيرة بس مقصودة جداً.
​سبت باب أوضتي مفتوح على وسعه.
​ولعت كل الأنوار اللي في الأوضة.
​وجهت أباجورة المكتب ناحية الطرقة.
​عشان لما أمي تطلع الصبح رايحة تتفرج على “مزارها المحفوظ بدقة”، تكتشف إن المقبرة اتفتحت.
​وإن البنت الميتة هربت من قبركم.
​ليلتها، أخدت عربيتي وطلعت على الطريق الصحراوي ناحية الإسكندرية.
​ما وقفتش في لوكاندات.
​ولا اتصلت بحد.
​ثاني يوم بالليل، كنت وصلت الإسكندرية.
​وهناك، ورا بنزينة على الطريق، خلعت كارت السيم كارد من تليفوني وكسرته ميت حتة.
​لو كانوا ميتين عشان نورهان الدناصوري تموت، فقلت خلاص.. يخلوهم مع نسختهم الميتة دي.
​أنا هبني إنسانة جديدة تماماً.
​لمدة أسبوعين، كنت بنام في عربيتي وبستخدم كمبيوترات المكتبة العامة عشان أدور على شغل.
​لحد ما لقيت إعلان شغل في المزارع والمشاتل الكبيرة في النوبارية ومزارع برج العرب.
​مزرعة “النخلة الخضراء” للنباتات والفواكه، اللي بتديرها ست اسمها الحاجة فاطمة.
​الحاجة فاطمة كانت ست كبيرة، شديدة، وعملية جداً.
​بصت لخبرتي في المشاتل وسألتني سؤال واحد بس:
​”تعرفي تقلمي شجر الفاكهة والتين؟”
​”أيوه يا حاجة.”
​”وتستحملي الشقا والغبرة؟”
​”أستحمل وزيادة.”
​زقت لي مفتاح بيت صغير جنب المزرعة:
​”في الاستراحة اللي هناك دي جنب المزرعة البحرية. الإيجار هيتخصم من مرتبك. والشغل بييدأ من الساعة خمسة الصبح.”
​البيت الصغير ده بقى أأمن وأحلى بيت عشته في حياتي.
​كان فيه سرير.
​ودفاية صاج.
​ومطبخ صغير.
​وشباك بيطل على فدادين من شجر التفاح والموالح.
​لقرابة سنتين، كنت يا دوب بتكلم.
​كنت بشتغل بس.
​أقلم الشجر.
​أشيل الطين والسماد.
​أصلح مواسير الري.
​أتعلم التطعيم والتركيب.
​أسوق التراكتور.
​أشتغل تحت المطر، وفي البرد، وفي حر الصيف.
​وكل ما أفتكر اللوحة الرخام السودة، كنت بشتغل بجهد مضاعف.
​عدت سنة.
​وبعدها سنة تانية.
​وبعدها سنة ثالثة.
​جسمي اتغير وتشد.
​وعقلي اتغير أكتر وأكتر.
​البنت الخايفة اللي قضت سنين بتتحايل عشان ما تزعلش حد، اختفت تماماً.
​بقيت أقوى.
​واثقة في نفسي.
​ومش خايفة إن حد يلمحني أو يشوفني.
​في سنتي الرابعة في المزرعة، صحة الحاجة فاطمة بدأت تتراجع وتتعب.
​في يوم، طلبتني في مكتبها:
​”أنا ما خلفش عيال يا نورهان،” قالتها لي. “وأنتي شقيتي في الأرض دي أكتر من أي حد وظفته في حياتي.”
​وبعدين زقت لي أوراق ومستندات:
​”أنا كبتب لك إدارتك للمزرعة ورسمياً أنتي شريكة معايا بالثلث.”
​بصيت لها بذهول:
​”يا حاجة فاطمة…”
​”أنا لسه ما خلصتش كلامي،” وقفتني. “مع الوقت المزرعة دي هتبقى بتاعتك. بس محتاجين نكبر.. نعمل تجهيزات أفراح.. حفلات للشركات.. تنسيق زهور للفنادق الكبيرة. أنتي بتفهمي في النباتات والورد أفضل من أكبر مهندسين الديكور.”
​ترددت:
​”أنا مش بحب أظهر قدام الناس ولا الكاميرات.”
​الحاجة فاطمة ابتسمت:
​”مش هينفع تستخبي ورا شجر التفاح لطول عمرك يا بنتي.”
​فقبلت.
​وعملت قطاع جديد لتنسيق الزهور والديكورات النباتية للمناسبات الفخمة.
​ولأول مرة من سنين، استخدمت اسم عيلتي علناً في الماركة:
​”الدناصوري للنباتات والديكورات الطبيعية”.
​كنت عارفة إنها مخاطرة.
​بس النوبارية والإسكندرية كانوا بعاد أوي عن مجتمعات التجمع الخامس والزمالك اللي عيلتي عايشة فيها.
​فتكرت إني في أمان.
​بس أنا استهترت بشبكة علاقات الأغنياء.
​شركتنا أخيرًا كسبت مناقصة وتجهيز معرض ومؤتمر الزهور الدولي الفخم في فندق كبيير في القاهرة.
​الموضوع كان ضخم جداً.
​حولنا قاعة الفندق الكبيرة لجنينة غابات مقفولة.
​شجر شربين أبيض.
​موز.
​شجر فيكوس بيضاء بوردها.
​إضاءة خافتة سحرية.
​غابة كاملة جوة قاعة المؤتمرات.
​في ليلة الافتتاح، كنت واقفة في الميزانين فوق، لابسة بدلة كلاسيك كحلي ومتألقة، وبشرف على اللمسات الأخيرة.
​كان عندي سبعة وعشرين سنة.
​شريكة في شركة.
​مديرة.
​وست بنت نفسها بنفسها من الحضيض.
​وفجأة.. سمعت صوت تحت.
​”يا عبد العزيز، بص على شجر الفيكوس ده!”
​جسمي كله اتجمد.
​”بيفكرني بشجرة الذكرى بتاعة المرحومة نورهان!”
​بصيت تحت.
​أمي كانت واقفة تحت النجفة الكريستال.
​سهير.
​وجنبها بابا.
​عبد العزيز.
​ووراهم يحيى ونيرة.. ونيرة كان باين عليها الحمل.
​على مدار أربع سنين، نجحت إني أختفي تماماً.
​ودلوقتي، عيلتي كلها دخلت برجلها جوة الحدث اللي أنا عاملاها بنفسي!
​أول غريزة جواه كانت الهروب.
​كل غرايز الخوف القديمة رجعت في ثانية.
​سلم الخدم.
​الجراج.
​العربية.
​البيت.
​واختفي.
​بس بعدين شفت أمي بتطلع المنديل.
​شفتها بتمسح عينيها وتتمسكن.
​وفريدة هانم قربت منها وطبطبت عليها.
​وأمي بتشاور على شجر الفيكوس بتاعي زي القديسة المكلومة اللي ضحت بضناها!
​لسه بتعملها!
​لسه بتستخدم موتي المزور عشان تلم طباطب وعطف!
​في حاجة جوايا اتغيرت تماماً وانقلبت.
​عدلت جاكيت البدلة.
​ظبطت ضفيرتي.
​ونزلت من السلم الرئيسي بالراحة.
​ما استخدمتش سلم الخدم.
​وما استخبيتس.
​مشيت بثبات لحد نص القاعة بالضبط.
​عيلتي كانوا واقفين جنب بوكيهات الفيكوس الكبيرة، وأمي بتتكلم مع شوية ضيوف:
​”احنا زرعنا الشجرة الأصلية في جنينة الجمعية الخيرية عندنا،” كانت بتقولهم. “كل ما بشوف ورد الفيكوس الأبيض، بحس بروح نورهان حوايلنا.”
​قربت خطوتين:
​”هي ماكانتش ضعيفة ولا فركشة للدرجادي.”
​أمي لفت.
​في الأول، ما عرفتنيش.
​ابتسمت لي الابتسامة اللطيفة اللي بتوزعها على العمال والموظفين:
​”أفندم؟”
​وقفت على بعد متر منها:
​”ماكانتش ضعيفة،” كررتها بصوت ثابت. “هي بس كانت محتاجة تبعد مسافة كافية عن الناس اللي كانوا بيؤذوها.”
​سهير بحلقت فيا.
​وفجأة.. النور قطع في وشها لما عرفتني!
​الدم هرب من وشها تماماً.
​كاس العصير في إيد بابا اتزحلق ووقع اتدشدش على الأرض.
​”نورة؟!”
​يحيى رجع خطوة لورا بذهول:
​”ينهار أسود.. يا نهار أسود!”
​نيرة بصت ليحيى وبصت لي:
​”هي مين دي؟!”
​أمي كانت أول واحدة تفوق من الصدمة.
​مسكت في دراعاتي الاثنين بقوة:
​”نورهان! أنتي بتعملي إيه هنا؟! أنتي كنتي فين كل ده؟! عبد العزيز اتصل بالعربية يلا!”
​بصيت لإيدها اللي مسكاني:
​”شيلي إيدك عني.”
​اتجمت مكانها.
​”أنتي ماسكة المهندسة والمديرة المسؤولة عن تنظيم المعرض ده كله،” كملت ببرود. “وبتعملي نمرة مالهاش لازمة قدام الناس.”
​فريدة هانم قربت خطوة:
​”المهندسة المسؤولة؟”
​وبعدين وشها اتغير تماماً وهي بتبص لأمي:
​”سهير.. هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟!”
​وشاورت عليا:
​”أنتي مش قلتي لنا إن بنتك توفيت في 2014?!”
​الضيوف اللي حوالينا بدأوا يقفوا ويدوروا ويسمعوا.
​أمي اتوترت وجالها حالة ذعر:
​”دي كانت تعبانة!”
​صوتها علي:
​” دي هربت من البيت! دي مش مضبوطة في عقلها!”
​مديت إيدي في جاكيتي وطلعت كروت الشغل بتاعي.
​”لا.”
​إديت كارت لفريدة هانم.
​وكارت لنيرة.
​”أنا المهندسة نورهان الدناصوري. المديرة العامة والشريكة في شركاو الدناصوري للنباتات والديكور.”
​نيرة بصت للكارت بذهول ورعب.
​شاورت على كتالوج الحفلة:
​”اسمي مكتوب في الصفحة الثالثة كالمقاول والمنظم الرئيسي للمعرض ده.”
​وبعدين بصيت لأمي في عينها مباشرة:
​”أنا بدفع ضرائب.. وعندي أملاك باسمي.. وعندي رخصة قيادة وشغالة.. وشركة باسمي.”
​وسكت ثانية:
​”وأنا عايشة جداً وبصحة ممتازة.”
​نيرة فجأة شكلها بقى هيغمى عليها:
​”الشجرة…”
​بصت لي بذهول:
​”شجرة الفيكوس اللي اشتريتها من المشتل زمان…”
​عينيها وسعت:
​”أنتي كنتي البنت اللي في المشتل!”
​”أيوه.”
​نيرة حطت إيدها على بوقها مش مصدقة.
​كملت بهدوء:
​”أمي كانت بتطردني من البيت كل ما تيجوا تزورونا عشان كانت فاكرة إن تاريخي المرضي هيحرج العيلة قدامكم.”
​يحيى نزل رسه في الأرض.
​”وبعدين الظاهر إنهم وجدوا إن حكاية إني ميتة ومرحومة أسهل لهم بكثير من إنهم يقولوا الحقيقة.”
​الضيوف اللي حوالينا سكتوا تماماً والصمت خيم على المكان.
​وبعدين أضفت الجملة اللي خليت وش فريدة هانم يتقلب ويتغير تماماً:
​”دول حتى عملوا لي أوضة مزار في البيت لذكراي.”
​أمي هزت راسها بنفي وهستيريا:
​”لا! كدب!”
​”لوحة رخام أسود.. صورة.. وسنة وفاة مزورة.”
​فريدة بصت لأمي بقرف ورعب:
​”حنا تبرعنا لجمعية نورهان الخيرية بتاعتك بآلاف الجنيهات!”
​ثبات أمي اتدمر تماماً:
​”دي بتكدب! حد يطلب أمن الفندق فوراً!”
​قربت خطوة:
​”أمن الفندق عارفين أنا مين كويس جداً.”
​وشاورت على الغابة والديكورات اللي حوالينا:
​”ده المؤتمر بتاعي والمعرض بتاعي.”
​ووطيت صوتي:
​”أنتوا الضيوف غير المرغوب فيهم اللي واقفين جوة غابتي.”
​انهيار عيلة الدناصوري بدأ في الليلة دي.
​على نص الليل، الأخبار كانت اتنقلت.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *