—لو بجد بتحبني، مكنتش سبتني لوحدي

—لو بجد بتحبني، مكنتش سبتني لوحدي في رأس السنة عشان تجري ورا صاحبتك.
​أحمد الألفي بطل يقفل زراير بالطوه وبصلي كأني لسه قايلة أغرب حاجة في الدنيا.
​بره، كانت القاهرة غرقانة في مطر تلج مش عادي. وعلى الترابيزة كان فيه فته ولحمة وشوربة كوارع ومشروبات دافية، وطبقين بقالهم يجي ساعة بيبردوا.
​—ريناد اتلوت رجلها —رد وقال—. قاعدة لوحدها وخايفة.
​—وأنا إيه؟
​كشر وقال:
—يا فريدة، متعمليش مشكلة. دي حالة طارئة.
​ابتسمت من غير نفس.
​من ثلاث سنين، لما أحمد عمل حادثة كبيرة على طريق السخنة والدكاترة قالوا إنه ممكن ميمشيش تاني، كل الناس اختفت بالتدريج.
​أصحابه مابقوش يزوروه.
​وبنات كتير كانوا بيموتوا عشان يلفتوا نظره مابقوش يتردوا على تليفوناته.
​أنا اللي فضلت.
​أنا اللي كنت بأكله لما مكنش قادر يمسك المعلقة. نمت قاعدة جنب سريره أسابيع. كنت بأخده الجلسات والعلاج الطبيعي، واستحملت نوبات غضبه، وفيه مرة رجلي اتجزعت وأنا بلحقه قبل ما يقع من على السلم.
​لما أخيرًا رجع يمشي على رجله، أمه، الحاجة إلهام، حضنتني وهي بتبكي.
​بعدها بشهور، أحمد طلبني للجواز.
​عمره ما قال إنه بيحبني.
​قال إنه عمره ما هينسى اللي عملته عشانه.
​وأنا كنت غبية كفاية إني أفتكر إن الجميل ممكن يتقلب لحب.
​الساعة كانت حداشر وخمسة وأربعين، وأحمد خرج من البيت.
​استقبلت السنة الجديدة لوحدي.
​بس الإهانة بجد جت الصبح.
​واحدة لابسة فستان أوف وايت، وهيلز غالي جداً، وشنطة ماركة ثمنها أكتير من الشقة اللي اتربيت فيها، كانت قاعدة في صالوني.
​—يعني أنتِ بقى فريدة —قالت ريناد وهي بتبصلي من فوق لتحت—. كنت فاكراكي… مختلفة.
​على الكنبة اللي قدامها كانت قاعدة الحاجة إلهام، لسه واصلة من مطار القاهرة في رحلة من مدريد، لابسة بنطلون بسيط وسويتر رمادي ومن غير نقطة ميك أب.
​ريناد افتكرتها الشغالة.
​حماتي عملتلي إشارة من تحت لترابيزة إني أسكت.
​كانت عايزة تسمع.
​ريناد رميت شوية صور على الترابيزة.
​أحمد وهو حاضنها في الجونة.
​أحمد وهو بيتعشى معاها في الزمالك.
​أحمد وهو بيلبسها عقد عقد على رقبتها.
​افتكرت التاريخ ده كويس.
​ده كان يوم عيد ميلادي.
​الصبح ده كان جابلي غويشة بسيطة وقال إنه مسافر مأمورية شغل.
​—إحنا مع بعض بقالنا ست شهور —ريناد قالتها بكل عين جامدة—. هو اتجوزك بس عشان كان حاسس بالجميل.
​مردتش.
​فراحت حاطة كارت أسود (بلاك كارد) على الترابيزة.
​—خدي، دول ثلاثين مليون جنيه. خذيهم واختفي من حياتنا.
​الحاجة إلهام حطت فنجان الشاي بالراحة.
​—غريبة —تمتمت—. الكارت ده أنا عارفاه كويس.
​ريناد ضحكت بصوت عالٍ.
​—أكيد يا طنط، أصلك بتشوفي منه كتير وأنتِ بتنظفي البيوت.
​بعد دقائق، وصل مندوب من محل مجوهرات كبير في الكوربة ومعه حلق جاد كانت ريناد طالباه.
​جت تدفع.
​الكارت اترفض.
​مرة.
​مرتين.
​ثلاثة.
​وشها جاب ألوان.
​الحاجة إلهام كانت وقفت الكارت من تليفونها.
​ريناد، من غيظها، لمحت العلبة الخشب اللي كنت ماسكاها في إيدي. كان جواها جذور جنسنج قديمة كنت جايباها لحماتي.
​—إيه القرف ده؟ هو ده هدية؟ إيه الفقر ده!
​وقبل ما ألحق أوقفها، مسكت الجذور ورمتها على الأرض.
​وبعدها داست عليها برجلها.
​حسيت إن فيه حاجة جوايا اتكسرت.
​زقيتها بعيد عني.
​وأنا بفقها، أكمام بلوزتي اترفت وبان السوار الجاد اللي الحاجة إلهام كانت مدهولي يوم فرحي.
​ريناد برقت.
​—السوار ده بتاع عيلة الألفي!
​ومن غير ما تفكر، طلبت أحمد.
​—حبيبي —عيطت أول ما رد—. مراتك سرقت مجوهرات مامتك ولسه ضرباني حالا.
​سمعت رده من الميكروفون.
​—فريدة سرقت السوار؟
​حتى مأسألش إيه اللي حصل.
​ولا شك لحظة.
​—أحمد —قلت بهدوء—، أنت بجد فاكرني حرامية؟
​سكت لحظة.
​—السوار معاكي، وأمي بره مصر. عايزاني أفكر في إيه يعني؟
​ريناد ابتسمت.
​بعدها مسكت إزازة نبيذ، خبطتها في الأرض كسرتها، ورفعت حتة إزاز وهي بتقرب مني.
​الحاجة إلهام وقفت في وشها.
​ولسه ريناد بترفع إيدها عشان تزقها، الباب اتفتح.
​أحمد كان لسه راجع.
​اللي عمله لما شافنا كان أوحش بكثير من أي حاجة ممكن حد يتخيلها.
—الجزء الثاني
​أحمد مبصش على الإزاز المكسور. ولا شاف الجنسنج المطحون. مأسألش حتى إيه اللي جاب صاحبتو جوه بيتنا. راح على طول على ريناد:
—عملتلك حاجة؟
​هي استخبت في حضنه:
—كنت جاية أتكلم معاها بالعقل، بس فريدة اتجننت وعملت مشكلة.
​مندوب المحل حاول يتدخل:
—يا بيه، الحقيقة الآنسة هي اللي…
​أحمد سكته بنظرة حادة:
—مش عايز أسمع رأي حد.
​ساعتها الحاجة إلهام وقفت وقالت:
—ولا عايز تسمع رأيك أمك كمان؟
​أحمد اتسمر مكانه. وريناد سابت إيده بالراحة.
—أمه؟
​الحاجة إلهام شالت الشال الرمادي من على راسها:
—أيوة، “الشغالة” اللي صاحبتك بقالها ساعة بتهين فيها.
​ريناد وشها جاب ألوان:
—يا هانم، أنا مكنتش أعرف…
​—بالظبط، افتكرتيني شغالة عشان كده افتكرتي إنك تقدي تهينيني.
​بعدها رفعت إيدي. كان فيها السوار الجاد. والحاجة إلهام طلعت من شنطتها واحد تاني شبهه بالظبط:
—دول طقم. واحد لكبيرة العيلة، والتاني لمرات الابن المعترف بيها في البيت ده. وأنا الليديته لفريدة.
​أحمد بص للأرض:
—يبقى كان سوء تفاهم.
​مجرد سوء تفاهم! ثلاث سنين وأنا بخدمه ورعايتي ليه طارت في عشر ثواني عشان يتهمني إني حرامية. ريناد كانت هتعتدي على أمه، وبرضه بيحميها.
​—ريناد غلطت —أحمد أصر على كلامه— بس هي مش واحدة شريرة.
​الحاجة إلهام بصتله بنظرة احتقار عمرى ما شفتها في وشها قبل كده:
—مراتك هي اللي شالتك من على الأرض لما مكنش فيه مخلوق راضي يقرب منك، وأنت بعتها عشان واحدة جاية بيتك فاكرة إنها تقدر تشتريها بفلوس مش فلوسها.
​—أنا عمرى ما وعدت فريدة إني هحبها.
​الكلمة نزلت عليا زي الدبش. أحمد أخد نفس عميق:
—أنا اتجوزتها بس عشان أردلها جميل اللي عملته معايا.
​الغريب إني محستش بوجع، حسيت بصفاء.
​في نفس الليلة، الحاجة إلهام نظمت العزومة السنوية للعيلة في فيلا في التجمع. وقبل العزومة طلبت مني طلب:
—إياكي تطأطئي راسك تاني عشان فاكرة إنك من عيلة بسيطة. اللي مش من مقامك هو اللي مش عارف يقدر جمكيله عليكي.
​طوال السنين اللي فاتت، كنت بساعد من تحت لتحت في التقارير المالية لشركة الألفي. قبل الحادثة كنت دارسة إدارة أعمال، ولما أحمد كان بيتعالج كملت دراستي أونلاين. الحاجة إلهام كانت عارفة، أما أحمد فعمره ما فكر حتى يسأل.
​ريناد ظهرت في الحفلة هي كمان. وجنب الجنينة، اشتبكت تاني مع حماتي. وبعدها بدقايق، أول ما معازيم كتير قربوا، ريناد رمت نفسها بالقصد جوه حمام السباحة! ولما طلعت غرقانة مية بدأت تصرخ:
—فريدة زقتني!
​الهمس بدأ ينتشر. بنت مالهاش ظهر، زوجة جاية من منطقة شعبية، وصاحبة جوز شيك بتبكي قدام رجال أعمال كبار. ريناد كانت عارفة كويس إيه القصة اللي السهل الناس تصدقها.
​لحد ما الحاجة إلهام طلبت تشغيل الشاشة الكبيرة. كاميرات الجنينة جابت كل حاجة: ريناد وهي بتتخانق معاها، ريناد وهي بتبص حواليها، وبعدين ريناد وهي بتنط لوحدها في المية!
​حدش نطق بكلمة. وأحمد جه في اللحظة المناسبة عشان يشوف الفيديو. للوهلة افتكرت إنه أخيرًا هيفهم.
​ريناد جريت، وأحمد… جري وراها!
​في الليلة دي، وقدام عشرات المعازيم، جوزي ساب مراته تاني عشان يجري ورا صاحبتو.
​الحاجة إلهام مسكت المايك:
—بكرة هجمع مجلس الإدارة، وأحمد هيتشال من إدارة الشركة.
​القاعة كلها سكتت.
​بعدها بساعات، عرفنا السبب اللي خلا ريناد ترجع: طلعت إشاعة وسونار مزور إنها حامل في الأسبوع السادس.
​أحمد جه أوضتي التاني يوم ومعاه ورقة الطلاق وورقة بيضا عشان أكتب فيها المبلغ اللي أنا عايزاه:
—ريناد حامل.
​افتكرت الراجل اللي مكنش بيتحرك وكنت بأكله بالمعلقة:
—ثمن ثلاث سنين من عمري كام يا أحمد؟
​—متصعبيش الموضوع.
​قطعت الورقة:
—أنا مش عايزة منك جنيه.
​في الليلة دي قررت أبُعد كام يوم أفكر. سبت جواب للحاجة إلهام. ولما دوبك عديت بوابات الفيلا، عربية سودا وقفت. مالحقتش أصرخ.
​لما فقت، لقيت نفسي مربوطة في أوضة غريبة. وريناد واقفة قدامي بتبتسم:
—بكرة حماتك هتعينك مديرة المجموعة.. وده مش هيحصل.
​—والبيبي؟
​وشها اتغير في ثانية.. وده كان كفاية:
—أنتِ عمرك ما كنتِ حامل —تمتمت بصوت واطي.
​قبل ما ترد، دخل راجل عرفته على طول: شريف الفقي، ابن عيلة بقالها سنين بتحاول تحط إيدها على شركات مجموعتنا. حط تليفون قدامي وكان فيه فيديو كول مع الحاجة إلهام. شريف قرب مطواة من رقبتي:
—بكرة تعلني إن أحمد هو الوريث الوحيد، وإنك هتبيعي الأسهم اللي هنقول عليها.
​الحاجة إلهام جزت على سنانها:
—لو لمستوا شعرة منها، هدمركم.
​ريناد ابتسمت:
—يبقى تعاوني معانا.
​المكالمة اتفلت، وشريف التفت لريناد:
—بكرة هتاخدي اسم العيلة، وفلوسك، ومكانك عندهم.
​ريناد لمست السوار اللي كان نفسها فيه. بس محدش فيهم كان يعرف إن العقد اللي أنا لابسه بيبعت موقعي لحظة بلحظة، ولا إن فيه كاميرا صغيرة في الأوضة بترفع كل كلمة بيقولوها على النت فورًا.
​وفِي الوقت اللي كانوا بيحتفلوا فيه بنصرهم، كانت الشرطة بدأت تحاصر المكان.
—الجزء الثالث والأخير
​الظابط اقتحم المكان مع القوات في اللحظة اللي شريف كان بيرفع فيها إيده عشان يهددني تاني.
​—اصمد مكانك أنت وهي! إيدكم فوق راسكم!
​شريف اتخض والس/كينة وقعت من إيده، وريناد صرخت وهي بتحاول تستخبى وراه، بس الأوضة كانت خلاص اتملت برجالة الشرطة. الظابط قيد إيدين شريف وريناد، وفي نفس اللحظة دخلت الحاجة إلهام ومعاها أحمد اللي كان وشه أصفر زي الليمونة وشكله مذهول مش مصدق اللي بيشوفه.
​الحاجة إلهام جرت عليّ وجابت س/كينة صغيرة قطعت بيها الحبال وهي بتقول بصوت بيتخنق بالدموع:
—انتِ بخير يا فريدة؟ عملوا فيكي حاجة؟
​هزيت رأسي وأنا بحاول أتنفس:
—أنا كويسة يا حاجّة، الحمد لله.
​أحمد قرب مني بخطوات مرعوبة وبص لريناد اللي الكلبشات في إيدها، وقال بصوت مهزوز:
—ريناد؟ أنتِ… أنتِ كنتِ بتخطفيهم؟ والبيبي؟
​الظابط بص لأحمد بقلة صبر وقال:
—بيبي إيه يا أستاذ؟ الهانم دي شريكة في شبكة تزوير ونصب، والسونار اللي ورتهولك ده متزور في عيادة تحت السلم، والتقرير الطبي مع التحريات جهز خلاص. دي كانت متفقة مع شريف الفقي عشان يبتزوا والدتك وياخدوا أسهم الشركة!
​أحمد بص لريناد وهو مش قادر يستوعب:
—أنتِ خدعتيني؟ أنا سبت مراتي اللي وقفت معايا في مرضي عشانك!
​ريناد بصتله ببرود وحقد وقالتله:
—أنت أصلاً مغفل! فاكر إني ممكن أحب واحد عاجز سابق زيك؟ أنت بالنسبة لي كان مجرد كارت بنك واسم عيلة أتوصل بيه لثروة الألفي!
​الكلمات نزلت على أحمد زي السوط، وقفت أنا والحاجة إلهام وبصيناله وهو بيبكي من الصدمة والإهانة. الشرطة أخدت ريناد وشريف، والأوضة فضيت علينا.
​أحمد قرب مني ووقع على ركبه وهو بيمسك إيدي:
—فريدة… أنا آسف. أنا كنت أعمى. ارجعيلي وأنا هعوضك عن كل لحظة وجع، هعيش خدام تحت رجليكي!
​سحبت إيدي منه بالراحة وبصيتله بمنتهى الثبات والهدوء:
—أحمد… أنت لما قمت على رجلك، نسيت مين اللي سندك، واخترت اللي تسقفلك بس. أنت متستاهلش الجميل ولا الحب.
​الحاجة إلهام وقفت جنبي وحطت إيدها على كتفي وقالتله بصوت صارم:
—أحمد، بكرة الصبح طلاقك من فريدة يخلص بالمعروف، ومجلس الإدارة هيعزل رسمياً من منصبك. فريدة هي اللي هتمسك إدارة المجموعة بكفاءتها وشرفها، وأنت هتقعد بعيد لحد ما تتعلم يعني إيه راجل يعين النعمة وتعرف قيمة اللي صانتك.
​رجعت الشقة، رفعت رأسي لفوق ولأول مرة من سنين حسيت بنسيم حرية وراحة.
​بعد شهر، كنت قاعدة في مكتبي كرئيسة مجلس إدارة مجموعة الألفي، ولابسة السوار الجاد في إيدي. أحمد خسر كل حاجة: المنصب، الشهرة، والرجلين اللي مشي بيهم عشان يبيع اللي صانته. أما أنا، فبدأت حياتي الحقيقية… من غير ما أطأطئ رأسي لحد تاني أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *