. أنا جعانة. أنا لوحدي
— عبد الرحمن…. أنا جعانة. أنا لوحدي …..+تعالي خدني أرجوك.
دي كانت الكلمات اللي قالتها مراتي الساعة تلاتة الصبح، في ليلة من أبرد الليالي اللي افتكرها.
كنت على بعد حوالي تلات ساعات، في مشروع محطة كهرباء قريبة من السخنة، براجع المخططات جوة كرفان صاج والجو برة كان متلج والهوا بيمطر بغزارة. على مدار تمانية وتلاتين سنة اشتغلت مهندس مدني. اتعلمت أكتشف الشرخ قبل ما المَبنى ينهار.
بس في الليلة دي اكتشفت إني طنشت الشروخ اللي في بيتي لأسابيع.
— إلهام، إنتي فين؟
نَفَسها كان بيلعثم ويرتعش.
— في بيت مصطفى… تحت… في القبو.
مصطفى كان ابننا الوحيد.
من تسع أسابيع، لما قبلت المشروع المؤقت ده، هو ومراته نورهان أصروا إن إلهام تقعد معاهم في فيلتهم في التجمع.
— مش عايزين بابا يسيب ماما لوحدها — مصطفى قال كدة. إحنا هناخد بالنا منها.
صدقتهم.
في خلال التسع أسابيع دول، يا دوب اتكلمت مع مراتي أربع مرات. نورهان كانت دايماً عندها حجة: إما إلهام نايمة، بتستحمى، بتتفرج على التلفزيون، أو مش عايزة حد يقلقها.
آخر مرة اتكلمت معاها مباشر، سألتها:
— إنتي كويسة؟
كان فيه سكوت طويل أوي.
— أنا كويسة يا عبد الرحمن.
بعد أربعين سنة جواز، كنت عارف كويس أوي إن الكلمات دي معناها العكس تماماً.
ورغم كدة، اخترت أصدق ابني.
في الصباح ده سبت كل حاجة، ركبت عربيتي النقل، وسوقت وسط العاصفة.
لما وصلت، البيت كان ضلمة كحل. ولا عربية مصطفى ولا عربية نورهان كانت برة. المطر والتلج كانوا مكومين عند المدخل.
وبعدين شفت حاجة جمدت الدم في عروقي أكتر من البرد.
الباب الجانبي اللي بيؤدي للقبو كان عليه قفل… متقفل من برة.
طلبت مفتاح فرنساوي من شنطة العربية وكسرت القفل.
الهوا اللي طالع من القبو كان مكتوم، ساقط ثلج، وريحته حبسة.
ولعت كشاف الموبايل.
— إلهام!
لقيتها ورا السخان.
مراتي كانت مرمية على الأرض الخرسانة، ملفوفة في بطانية نقل قديمة. كانت لابسة بنطلون ترنج واسع أوي عليها ونفس السويتر الرصاصي اللي ودعتني بيه من تسع أسابيع.
شفايفها كان لونها أزرق.
جنبها كان فيه علبة كرتون.
تلات بسكوتات.
اتنين كاملين. والتالتة كانت متقسمة بدقة لأربع حتت.
كانت بتوفر فيهم.
لما شافتني، مدت إيدها وهي بترتعش ومسكت في دراعي.
— كنت عارفة إنك جاي.
حاولت أوقفها على حيلها، بس رجليها مكنتش شايلاها.
شلتها.
كان وزنها أقل بكتير جداً من المفروض.
خدتها للعربية، شغلت الدفاية على الآخر، لفتها ببطانية حرارية، وطلبت الإسعاف.
وإحنا مستنيين الإسعاف، إلهام قالت حاجة لسة سامعها بوضوح تام لحد النهاردة.
— أنا لقيت التليفون القديم اللي كنت مركبه في القبو… خدت يومين عقبال ما وصلتله.
— يومين؟
هزت رأسها.
— هما سافروا. وقفلوا الباب. نورهان سابت ورقة بتقول إن فيه أكل في التلاجة.
بلعت ريقها.
— مكنش فيه غير بيرة، ومستردة، والبسكويت ده.
حسيت بحاجة جوايا مش غضب بالضبط.
كانت حاجة أبرد.
وأكتر دقة.
الإسعاف وصلت بعد دقايق.
في المستشفى، الدكتورة شرحتلي إن إلهام عندها انخفاض حاد في حرارة الجسم، وسوء تغذية، وإصابات في ركبتها من كتر القعدة على ركبها، وتسلخات جلدية كيميائية من كتر التعرض لمواد التنظيف لفترة طويلة.
— ده ماحصلش في يومين — قالتلي. — مراتك بتتأذى وتتعامل وحش بقالها أسابيع.
وبعدين كملت:
— أنا لازم أبلغ السلطات بالواقعة دي.
بصيتلها.
— بلغي.
ولما الدكتورة خرجت من الأوضة، افتكرت حاجة مكنتش فكرت فيها من سنين.
من ست سنين، أنا نفسي اللي كنت مركب نظام المراقبة والأمان في بيت مصطفى.
ولسة معايا حساب الأدمن الرئيسي.
في اللحظة دي، فهمت إن القبو مكنش نهاية القصة.
ده كان مجرد المكان اللي بدأت أكتشفها منه.
ومكنتش متخيل إيه اللي كنت على وشك ألاقيه.
عايز تعرف إيه اللي حصل بعد كدة؟ :
إلهام قعدت كذا ساعة تحت الملاحظة قبل ما الدكاترة يسمحولنا نرجع البيت. طول السكة كانت نايمة. لما وصلنا بيتنا، فتحت عينيها، وبصت على الجنينة اللي كانت بتزرع فيها طماطم بقالها تلاتين سنة وبدأت تعيط في سكوت. عملتلها شاي. وبعدين قعدت قدامها. — احكيلي كل حاجة.
أول أسبوع، نورهان مشيت الست اللي كانت بتنضف. وبعدين إدت مساحة لإلهام. — هنا كلنا بنشارك — قالتلها — لو عايزة تحسي إنك جزء من البيت ده، يبقى لازم تستاهليه. إلهام كانت بتطبخ، وتغسل الهدوم، وتنضف الحمامات، وتمسح الأرضيات. نورهان مكنتش بتديها جوانتي. ولما إيديها بدأت تتشقق، قالتلها بلاش تشكي وتأنئني.
— ومصطفى؟
السؤال ده كان أصعب سؤال. إلهام بصلت للأرض. — كان بيجي كل ليلة. ياكل العشا اللي أنا عاملاه. يشوف إيدي. يشوف كل حاجة.
في بعد الضهر في يوم، إلهام كسرَت كوباية بالغلط. نورهان بدأت تهينها وتشتمها. مصطفى دخل المطبخ. كنت مستني أسمع إن ابني دافع عن أمه. معملش كدة. — يا بابا/يا أمي، أرجوكي حولي متصعبيش علينا العيشة أكتر من كدة — قالها كدة.
بعد الأسبوع الرابع، نورهان خدت منها التليفون. وبدأت كمان تقول للجيران إن إلهام عندها مشاكل في الذاكرة. — كانت بتقول إني بتلخبط وممكن ألف حاجات — مراتي شرحتلي — عشان كدة كنت خايفة أطلب المساعدة. حسيت بالعار. مش منها. من نفسي. لأني لأسابيع كنت مصدق مبررات مصطفى.
بعد تلات أيام ظهرت جارتنا، هدى. كان معاها كشكول وظرف مليان صور. هدى كانت بتزور كتير أختها اللي عايشة قريب من بيت مصطفى، وبعض الأوقات كانت بتشوف إلهام من الشارع. كانت كاتبة التواريخ. “إلهام بتكنس المدخل الساعة ستة الصبح من غير جاكيت.” “إلهام بتغسل عربية مصطفى بمية ساقعة.” “إلهام بتاكل لوحدها على السلم الخلفي.”
وكان فيه صور كمان. في واحدة منهم، نورهان كانت بتستقبل ضيوف في سفرتها. إلهام كانت واقفة في الخلفية. هدى شرحتلي: — نورهان عرفتها للناس على إنها الست اللي بتساعدهم في النضافة.
شلت الصور. وبعدين رجعت لبيت ابني. مصطفى ونورهان مكنوش لسة رجعوا من سفرهم. دخلت بالمفتاح الاحتياطي اللي هو نفسه كان مدهولي من سنين. فتحت الكمبيوتر بتاعي ودخلت على نظام الأمان. سبعة وثمانين يوم تسجيلات. شفت نورهان بتدي إلهام فرشة وبتشاورلها على الأرض. شفت مراتي بتنزل على ركبتها. شفت تسجيل تاني الساعة تلاتة الصبح: إلهام لسة بتنضف والكل نايم. وشفت مصطفى معدي من جنبها. مقالش حاجة.
سجلت كل حاجة على هارد خارجي. افتكرت إن ده كفاية. كنت غلطان.
لما رجعت البيت لقيت جواب من شركة تمويل موجه لإلهام. كان إشعار بدفع متأخر لقرض بـ 850 ألف جنيه. مراتي وشها اصفر. — أنا عمرى ما طلبت قرض.
ساعتها افتكرت شوية ورقيات. نورهان كانت قايلالها إنها استمارات عشان تدخلها مؤقتاً في تأمين طبي. — قالتلي: “امضي هنا، وحطي أحرف اسمك الأولى هنا”. مكنش معايا نظارتي.
كلمت البنك. اكتشفنا إنهم كمان سحبوا أكثر من مليون جنيه من مدخراتنا باستخدام توكيل أتمضى في نفس الأسابيع دي. الشخص المفوَض كان مصطفى. ابني أنا.
إلهام حطت إيديها الإتنين على الترابيزة. — يعني هو كان عارف.
— أيوة.
تليفوني رن في نفس اليوم بعد الضهر. كانت رسالة من مصطفى. “يا بابا، لازم نتكلم عن البيت. شايفين إنكم المفروض تبيعوه وتتنقلوا لمكان تقدروا تاخدوا فيه رعاية.”
فضلت باصص للشاشة. وبعدين رديت: “الأحد. الساعة اتنين بعد الضهر. تعالي.”
إلهام بصلتي. — هتعمل إيه؟
حطيت الهارد اللي عليه التسجيلات على الترابيزة. — ولا حاجة ما يقدروش يشرحوها بنفسهم.
مكناش لسة نعرف إن قبل يوم الأحد هتظهر شغالة قديمة عند نورهان معاها ورق يقدر يكشف ليه كانوا محتاجين فلوسنا. ولما عرفت الحقيقة كاملة، فهمت إن القعدة دي مكنتش هتخلص زي ما مصطفى متخيل.