. أنا جعانة. أنا لوحدي

الجزء الثالث والأخير:
​قبل يوم الأحد بيوم واحد، خبطت على بابنا واحدة ست باين عليها التعب والتوتر. كانت مريم، الشغالة القديمة اللي كانت شغال في بيت مصطفى ونورهان قبل ما يمشوها.
​أول ما دخلت، طلعت من شنطتها ملف أوراق وصور وشهادات طبية، وحطتها قدامنا على الترابيرة.
​— أنا جيت لحضرتك يا أستاذ عبد الرحمن عشان ضميري مش مرتاح، وعشان عارفة إن الحق لازم يرجع لأصحابه — مريم قالت وهي صوتها بيرتعش — نورهان ومصطفى مش بس استغلوا المدام إلهام وخلوها تشتغل شغالة في البيت، هما كان عندهم خطة أبعد من كدة بكثير.
​مريم كشفت إن نورهان كان عليها ديون متراكمة بسب المشروعات الفاشلة والتطاول في القروض وركوب العربية الأحدث بالتقسيط، ومصطفى كان مهدد بالحبس أو الفصل من شغله بسبب اختلاسات وتسويات مالية في شركته. عشان يغطوا المصايب دي، اتفقوا يزيفوا توقيع إلهام ومصطفى يستغل توكيل قديم، ويسحبوا المليون جنيه من حسابنا، ويرفعوا القرض بـ 850 ألف جنيه باسمها.
​والأدهى من ده كله، مريم سجلت مكالمة بصوت نورهان وهي بتقول لمصطفى: “أمك لما تتعب أو يجرالها حاجة بسبب حبسها في القبو، هنقول إنها كانت عيانة وعندها زهايمر وتاهت، وكدة كدة البيت الكبيرة هيتباع ونورث نصيبنا بدري بدري بدل ما نصرف على علاجها.”
​في اللحظة دي، الدم غلى في عروقي، بس الهدوء اللي جالي كان أبرد من التلج اللي كان برة.
​يوم الأحد، الساعة اتنين الضهر بالظبط.
​وصل مصطفى ونورهان بيتنا في التجمع، وداخلين بكل عين جافية، بيمثلوا الود والمحبة وشايلين علبة حلويات.
​— أهلاً يا بابا، الحمد لله إن ماما بقت كويسة — مصطفى قال وهو بيقرب عشان يبوس إيدي.
​سحبت إيدي ببرود وشاورتلهم يقعدوا.
​نورهان قعدت بثقة وقالت: — زي ما مصطفى كتبلك يا عمي، البيت ده كبير أوي عليكم، وماما محتاجة رعاية خاصة في دار مسنين متخصصة، وإحنا لقينا شاري للبيت بسعر ممتاز…
​قبل ما تكمل كلمتها، شغلت شاشة التلفزيون الكبيرة في الصالة.
​اشتغلت الفيديوهات… 87 يوم تسجيلات من كاميرات المراقبة.
ظهرت نورهان وهي بتزعق لإلهام وتديها الفرشة وتجبرها تمسح الأرض على ركبها.
ظهر مصطفى وهو معدي من جنب أمه الساعة تلاتة الصبح وهي بتعيط ومغمى عليها من التعب، وما كلفش نفسه يوطي يشوفها.
ظهرت الصور اللي جابتها هدى الجارة، وأخيراً شغلت التسجيل الصوتي بتاع مريم والشغالة نفسها دخلت الصالة ووقفت قدامهم.
​وش مصطفى اصفر كأنه جثة، ونورهان وقفت وركبيها بتخبط في بعضها ومكانتش عارفة تتكلم أو تدافع عن نفسها.
​— إيه… إيه ده يا بابا؟ ده… ده فبركة! — مصطفى نطق بالعافية.
​قمت وقفت، وبصيتله في عينه بثبات:
— الفيديوهات دي موثقة، والورق اللي قدامكم ده إشعار البنك بالتزوير والقرض، بالإضافة لتقرير المستشفى اللي بيثبت التعذيب والإهمال وجريمة الشروع في قتل إنسانة محبوسة في قبو بدون أكل أو مية.
​طلعت من جيبي التليفون، وفتحت الميكروفون:
— المحضر متسجل في النيابة العامة، والشرطة برة على باب الفيلا مستنيين إشارة مني.
​نورهان بدأت تعيط وتترجى، ومصطفى وقع على ركبه تحت رجليا:
— سامحني يا بابا! أرجوك بلاش حبس، مستقبلي هيروح! نورهان هي اللي وزتني وسحبتني للسكين دي!
​إلهام خرجت من الأوضة، بصت لابنها الوحيد وهو على الأرض، والدموع في عينيها. بصتلي وقالت:
— يا عبد الرحمن… القانون ياخد مجراه. ده مش ابني اللي أنا ربيته.
​في نفس اللحظة، دخلت الشرطة وقبضت على مصطفى ونورهان بتهم التزوير، والنصب، والاستيلاء على أموال، والتعذيب والشروع في القتل والإهمال الجسيم.
​بعد ست شهور…
مصطفى ونورهان اتسجنوا وأخدوا أحكام مشددة، والقضاء رجعلنا كل قرش اتسرق من حساباتنا، وبعنا بيت التجمع وسددنا أي ديون اتزورت باسمنا.
​رجعت أنا وإلهام لبيتنا الهادي، مراتي رجعت تبتسم وتزرع جنينتها من تاني، وأنا اتعلمت الدرس الأهم في حياتي: إن الشروخ اللي بتهد البيوت مش دايماً بتكون في الخرسانة… أوقات بتكون في قلوب جحدت خير أهاليها.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *