“وإنتِ مين أصلاً؟ أطلعي بره بيتي
“وإنتِ مين أصلاً؟ أطلعي بره بيتي،” حماتي جأرت في وشي وهي بتحاول تزقني بره الشقة اللي أنا شارياها بفلوسي قبل ما أتجوز. مأتكلمتش ولا جادلت: طلعت عقد الشقة المسجل من شنطتي وخرجت. وراها كان فيه سفرة عزومة، وست معازيم، وجوزي وشّه جاب ألوان. وبعدها سمعت جملة شقلبت كل حاجة.
الجزء الأول
— إنتِ مين وإزاي تتجرئي تدخلي بيتي؟ لو مخرجتيش حالاً أنا هطلب الشرطة.
— يا حماتي، دي شقتي أنا — رديت وأنا بوريها المفاتيح — أنا شارياها بفلوسي من ثلاث سنين قبل ما أتجوز كريم.
بس حماتي ما تهزتش ولا تحركت من مكانها.
— أنا معرفش إنتِ بتتكلمي عن إيه. مفيش حد بيدخل هنا كده وخلاص.
من الصالة جوه، كان طالع صوت ضحك، ورنة الكاسات، وصوت مزيكا. مريم لمحت بالونات بيضا، وأكل متقعدل على السفرة، وتورتة. وبعدها سمعت صوت جوزها:
— يا ماما أنجزي بقى، مراتي على وش وصول في أي لحظة.
مريم حسيت بفرملة في جسمها كله والدم اتجمد في عروقها.
مراته؟
أومال مين اللي واقفة على الباب دي؟
لما كريم ظهر في الطرقة وشافها، وشه اصفرّ وجاب ألوان.
— مريم… إنتِ… إنتِ مكانش المفروض تيجي دلوقتي خالص.
الجملة دي كانت التأكيد الأخير إن فيه مصيبة وسبوبة بتم جوه بيتها.
بس عشان تفهم إزاي هو وصل للمرحلة دي، كان لازم ترجع بالزمن ييجي خمس سنين ورا.
مريم اتعرفت على كريم وهي عندها أربعة وثلاثين سنة. كانت مهندسة تكاليف في شركة مقاولات كبيرة، وطافحة الدم لسنين عشان تسدد أقساط شقة صغيرة بس مريحة في منطقة راقية في القاهرة. مكانتش مديونة بمليم لأي حد، والعقد المسجل مكتوب باسمها هي وبس.
كريم كان شغال في مبيعات مواد البناء. كان ذوق، ومهتم، وبيبين إنه معجب جداً باستقلاليتها وشخصيتها القوية.
بعد أربع شهور، عرفها على أمه، نادية.
في أول عزومة غدا بينهم، أمه كانت زي العسل ولطيفة جداً، لحد ما بدأت تسأل وتنكش:
— دلوقتي وبما إننا بقينا أهل وعيلة وحدة، مش المفروض نكتب الشقة باسمكم أنتوا الاتنين؟
— وليه يعني؟
— عشان يبقى فيه مساواة وكل حاجة بالنص يا حبيبتي.
مريم رفضت بكل هدوء.
ومن ساعتها، نادية بدأت تزور الشقة أكتر وأكتر. في الأول كانت بتيجي كل يوم جمعة؛ وبعدين قدرت تاخد نسخة من المفتاح كريم أداهولها من غير ما يرجع لمراته ولا يستأذنها.
بدأت تقلب في الأدراج، تنقل العفش من مكانه، وحتى كانت بتفتش في الدولاب.
”أنا بعمل كل ده عشان أساعدكم وأريحكم،” ده كان ردها لما مريم تشتكي.
وبعدين تتولد فريدة، ونادية تقريباً عششت وقعدت معاطية في حياتهم تحت حجة إنها بتاخد بالها من البنت وهي في شغلاها.
في يوم، مريم جِت من الشغل بدري وسمعت حماتها بتتكلم في التليفون.
”متخافش، كل حاجة ماشية زي ما خططنا بالظبط. طول ما البنت معانا، هي مش هتقدر تمشي ولا تبعد. مش هتسيب بنتها أبداً.”
نادية اتجمدت في مكانها أول ما شافتها.
”كنتِ بتتكلمي مع مين؟”
”دي واحدة صاحبتي.. متخليش الشك ياكلك بس.”
في نفس الليلة، تليفون كريم زن على الترابيزة.
رسالة جتلوا من وحدة متسجلة برقم وحرف “ل” بس، مكتوب فيها:
”هتظبط موضوع الشقة ده إمتى؟ إنت قلت فاضل حاجات بسيطة ونخلص.”
مريم ملمستش التليفون.
قعدت تراقب جوزها بس وهو طالع من الحمام، وخده بسرعة حطه في جيبه.
ولأول مرة، فهمت إن يمكن حماتها مكانتش بتبوظ حياتهم بالتدخل الزايد بس…
يمكن هي وكريم كانوا مستنيين ومخططين لحاجة من سنين.
ومريم يادوب مكتشفة دلوقتي إن “الحاجة” دي… كانت شقتها هي.
مكانتش مصدقة اللي هيحصل بعد كده…
عايز تعرف إيه اللي حصل بعد كده
الجزء الثاني
مريم قررت متواجهوش دلوقتي. بحكم شغلها، كانت متعودة تراجع الميزانيات وتكشف الأرقام اللي مش مظبوطة. وهتعمل نفس الحكاية بالظبط مع جوازها: هتجمع أدلة وحقائق الأول قبل ما تتهم حد. أول مكالمة كانت لنهى، صاحبتها القديمة اللي شغالـة دلوقتي سمسارة عقارات. نهى خدت يومين ورجعتلها بسبوبة ومعلومة مهمة:
— أيوه دي حماتك فعلاً. كانت بتسأل عن شقة في نفس الدور عندك. قالت إن جاي لها مبلغ محترم قريب، وبتسأل لو ينفع تحجزها لحد ما تدبر باقي القرشين.
مريم حسيت بفضيان ومغص في بطنها. نادية عايشة على معاشها الغلبان، يا ترى إيه الفلوس اللي مستنياها دي؟
بعدها بآكام يوم، لقيت مصيبة أكبر في الإيميل بتاع البيت. كريم كان كاتب من شهور للمحامي بتاعه: “هل فيه أي طريقة قانونية أقدر أحول بيها ملكية شقة ملك الزوجة بعقد مسجل قبل الجواز لملكية مشتركة من غير ما هي تتدخل أو توقّع؟”
الرد كان قاطع وواضح: لا.
مريم قفلت اللاب توب وإيديها بترتعش. جوزها مكانش بيسأل إزاي يحمي عيلته، كان بيسأل إزاي يلهف حاجة مش من حقه ويحط إيده عليها.
وبعدين ظهرت قطعة تانية في البازل. في الحفلة السنوية بتاعة شركة كريم، مريم كانت بتتكلم مع واحدة محاسبة اسمها هدى. وفي وسط الكلام، جابت سيرة ليلى، شغالة في المبيعات:
— يا حبت عيني عليها.. السنة اللي فاتت أجهضت في شهر متأخر. وبيقولوا اللي كان بطنها منه راجل متجوز هنا معانا في الشركة.
مريم افتكرت على طول حرف الـ “ل” اللي على التليفون. وفي نفس الليلة دي، لمحت كريم بيبادل نظرات سريعة مع واحدة شعرها قصير كانت واقفة جنب الشباك.
— مين دي؟ — سألته وهي راجعة معاه في العربية.
كريم اتلجلج وخد وقت طويل عشان يرد:
— دي ليلى.. زميلة في الشركة، مش أكثر.
مريم عرفت توصل لها وتتكلم معاها بعد كام يوم. ليلى في الأول كانت عاوزة تمشي وتخلع، بس انتهى بيها المطاف بتعيط قدام فنجان القهوة:
— أيوه.. كنا مع بعض بقالنا سنة تقريباً.
مريم حسيت إن النفس انقطع منها:
— واللي كان في بطنك ده كان بتاع كريم؟
ليلى وطت رأسها في الأرض:
— أيوه..
وبعدها قالت حاجة توجع أكتر: كريم كان واعدها إنه هيطلق مريم.
— كان دايماً يقولي: “الأول لازم أخلص موضوع الشقة”. وأكد لي إنه أول ما تبقى باسمه، هيبيعها وياخد القرشين ونبدأ حياة جديدة سوا. وبعد ما الببي نزل، اختفى من حياتي وخلع.
في الليلة دي، مريم فتحت الخزنة الصغيرة اللي كريم حاططها في أوضة النوم. كانت لقطت الباسورد بالصدفة من شهور. لقيت مسودة تنازل عن حقوق الشقة، وتحتها ورقة مكتوبة بخط الإيد:
“بيع الشقة.”
“نصيب أمي.”
“رأس مال للمشروع الجديد.”
“مقدم الشقة الجديدة.”
مريم صورت كل حاجة بالتليفون.
بعدها بيومين، كريم جه يحكيلها وهو متوتر إن أبوه، مصطفى، اللي مريم عمرها ما شافته عشان المفروض إنه طفش وساب العيلة من عشرات السنين، رجع فجأة!
— يوم السبت هنعمل عزومة ولمة عيلة، وفيه حاجات كتير لازم أشرحهالك.
العزومة، والمفاجأة لمريم، كانت في شقتها هي! كريم طلب منها تيجي بدري، بس هي عملت العكس تماماً. جِت بعد ما الكل اتجمع.
وعشان كده وقفت وشها في وش نادية، اللي كانت بتستعبط وبتدّعي إنها معرفاهاش:
— إنتِ مين حضرتك؟ — المرأة أصرت.
وفجأة طلعت بنت لابس الدريس فاتح من ورا كريم. مريم عرفتها على طول: دي البنت اللي شافتها بتجري على المطبخ أول ما دخلت.
— إنتِ ليلى؟ — مريم سألتها.
البنت فتحت عينها ومستغربة:
— لا.. أنا رانيا… أخت كريم.
وقبل ما مريم تستوعب، راجل عجوز شعره أبيض قام من على السفرة:
— وأنا مصطفى.. أابوه.
مريم دخلت بالراحة، قفلت الباب، وحطت دوسيه تقيل ومليان ورق على السفرة:
— تمام أوي.. كده الكملة كملت واللمة جِهت.
كريم بصل للدوسيه ووشه جاب ألوان واصفرّ. مريم طلعت أول ورقة:
— دلوقتي بقى هتقولولي بتخططوا لإيه من سنين في بيتي وشقتي؟
ولما نطقت اسم “ليلى”، الكاس وقع من إيد كريم فاتدشمل على الأرض.
اللي كان هيتكشف قدام العيلة كلها كان أوحش وأبشع بكتير من أي حاجة حد يقدر يتخيلها.
الجزء الثالث والأخير
كريم واقف مصدوم، عينيه رايحة جاية بين الدوسيه الشفاف اللي على السفرة وبين مراته اللي واقفة بثقة يحسدها عليها أي حد.
— ليلى؟ — مصطفى، الأب اللي راجع من المجهول، سأل باستغراب وهو بيبص لابنه — مين ليلى دي يا كريم؟ مش دي البنت اللي كنت بتقول إنها مجرد زميلة في الشركة ومافيش بينكم حاجة؟
مريم ابتسمت ابتسامة سخرية، وطلعت من الدوسيه صور الرسائل، ومسودة التنازل، والورقة المتشخبط فيها بخط إيد كريم.
— لا يا عمي مصطفى… ليلى دي البنت اللي ابنك ضحك عليها، ووعدها بالجواز، وحملت منه وشالت ابنه في بطنها، وكان متفق معاها يبيع شقتي دي تحديداً عشان يبدأ معاها حياة جديدة بفلوسي!
نادية، الأم، قامت واقفة وبدأت تصرخ وتزعق عشان تغلوش على الموضوع:
— إنتِ هتبلي على ابني في بيتي ولا إيه؟ إنتِ واحدة متخلفة وجاية تبوظي لمتنا وعزومتنا! أطلعي بره!
مريم بصت لها ببرود قاتل، وسحبت عقد الملكية المسجل من شنطتها وحطته قدام عين نادية:
— بيتك؟ بيتك إيه يا نادية هانم؟ الشقة دي ملكي أنا، مكتوبة باسمي أنا قبل ما أشوف وش ابنك أساساً. العقد أهو، والمفاتيح في إيدي. إنتِ وابنك اللي هنا مجرد ضيوف ثقلاء، واليوم ده هو آخر يوم ليكم تحت السقف ده.
رانيا، أخت كريم، كانت واقفة مش فاهمة حاجة ووشها أصفر:
— كريم… الكلام ده صح؟ إنت كنت ناوي تبيع الشقة دي؟ إنت مش قلت إنك شاركتم فيها سوا وأنها بتاعتكم أنتوا الاتنين؟
هنا، الأب مصطفى، اللي كان جاي على أساس إن ابنه راجل مبسط ومستقر وناجح، اتنرفز وصوته علي:
— يعني إنت جايبني من السفر ومجمعنا كلنا هنا، ومفهمني إن دي شقتك اللي اشتريتها بعرق جبينك، وطالب مني أساعدك في مشروعك الجديد، وإنت طلعت بتنصب على مراتك وناوي تسرقها؟
كريم اتلجلج والعرَق نازل منه مغرق وشّه:
— يا بابا افهمني بس… مريم مكبرة الموضوع، أنا كنت… أنا كنت بعمل كده عشان مصلحتنا كلنا! عشان نكبر ونجيب شقة أكبر!
— مصلحتنا؟ — مريم ضحكت بصوت علي — مصلحة مين؟ الورقة دي فيها تقسيمتك القذرة: نصيب لمامتك اللي كانت بتدخل وتفتش في درفي وتغير العفش كأنها صاحبة المكان، ورأس مال لمشروعك، ومقدم شقة جديدة باسمك أنت! ده مش مصلحة.. ده سرقة ونصب وتدبير على مدار سنين!
مريم قربت من الباب، وفتحته على آخره.
— دلوقتي بقى… الحفلة خلصت. العزومة اتفضت. قدامكم نص ساعة بالضبط، كريم وياخد شنطة هدومه، ونادية هانم تاخد ابنها والمدام أخته والأستاذ أبوه، وتخرجوا كلكم بره شقتي. ولو حد فكر يماطل أو يعلي صوته، البلاغ جاهز في القسم بجرائم النصب ومحاولة الاستيلاء على ممتلكات شخصية، وغير كده أوراق الخيانة الزوجية هتوصل للمحكمة بكره الصبح.
كريم حاول يقرب منها ويمسك إيدها:
— مريم… أرجوكي اهدى، كل حاجة تتصلح، عشان خاطر فريدة بنتنا…
مريم زقت إيده بصرامة وقالت بثبات:
— فريدة بنتي هتربى بعيد عن النصب والكذب والتلون. إنت مش أب ينفع يكون قدوة لشيء. قدامك 20 دقيقة.
مصطفى بص لابنه بقرف، وساب السفرة ومشي وهو بيقول:
— أنا جيت أفتكر إن عندي راجل يشيل اسمي… طلعت جايبلي العار.
نادية قعدت تعيط وتلطم، ورانيا أخته كانت مرعوبة من الفضيحة وأخدت شنطتها وخرجت تجري. كريم وقف في نص الصالة، مش مسبق إن كل اللي خطط له مع أمه على مدار خمس سنين اتهد في خمس دقائق.
مريم خرجت وقفت في البلكونة، ولأول مرة من سنين حسيت إنها بتتنفس هواء نظيف. الشقة شقتها، وحقها رجعلها، والسبوبة اللي كانت بتتطبخ في الضلمة اتكشفت قدام الشمس.
وبعد شهرين… مريم كانت بتستلم ورقة طلاقها رسمي، وكريم ونادية اضطروا يأجروا شقة صغيرة في مكان بعيد بعد ما الفضيحة طاردت كريم في شركته واضطر يقدم استقالته.
النهاية.