علي 7-8
كانت عيون وعد معلّقة بعينه، صوتها مهزوز:
“بتكلّمني كده ليه؟… أنا ما كنتش أقصد.” سكت علي لحظة، قالت وعد بصوت أوطى:
“أنا ما غلطتش عشان تكلّمني بالشكل ده.” اقترب منها فجأة، صوته منخفض بس قاطع:
“غلطتى يا وعد… غلطتى.” ارتبكت، قبل ما تستوعب لقت إيده ماسكة كتفها يسحبها ناحيته، وبإيده التانية مسك وشها، ونزل يمرّر أص,,ابعه على رقبتها الناعمة ببطء متعمد. قال بنبرة مسيطرة:
“حريتك… معايا أنا.
البسي… واعملي كل اللي يريحك معايا.
أنا قولتلك إن البيت ده بيتك.
لكن أول ما يكون في حد تاني… يبقى مش بيت، يبقى شارع.
وساعتها… مفيش غلطة بتعدي.”
سكت لحظة، عينه ما زالت مغروسة في عينيها المرتبكة. بعدها أفلتها فجأة، خطا خطوة لورا وقال :
“كده فهمتي؟” ما قدرتش ترد، قال على”دلوقتي… أنا همشي.”
تح الباب وخرج، وسابها واقفة مكانها، عيونها بتطارد طيفه اللي مازال عالق في الأوضة… وفي قلبها. —- كان مالك خارج من فيلا الضخمة، وفجأة لقى رضوان واقف قدامه. رضوان بابتسامة هادية: اتأخرت عليك يا مالك. مالك باحترام: لا يا رضوان بيه، الرجالة قالولي إنك مش موجود، فرنيت عليك. رضوان: آه، مسمعتش… أصلي كنت مع علي. مالك باستغراب: مع علي؟! في حاجة جديدة؟ رضوان وهو بيهز راسه: آه… بس الأهم حاجة شفتها في بيته. مالك بدهشة:
بيته! إنت رُحتله الفيلا؟ رضوان بابتسامة غامضة: أيوه… واضح إنك كمان متفاجئ. مالك: أكيد! خصوصًا إن علاقتكم فيها حرص شديد ومحدش يعرف تفاصيلها. رضوان: اللي عرفته أهم من كل ده. مالك بسرعة: بخصوص قضـ ـية علي؟ رضوان أومأ بإيجاب: بالظبط… بس قولي، إنت كنت تعرف إن بنت بدران قاعدة معاه؟ سكت مالك شوية، وبعدين رد: الأنسة وعد؟ آه… بقالها يومين بالظبط هناك، بسبب خلاف بسيط حصل. رضوان بحدة: مقولتليش ليه؟ مالك بهدوء: الموضوع مكانش يستاهل إنّي أبلّغ حضرتك.
رضوان بعينين ضيقة: لا… مهم. اشمعنا علي بالذات اللي راحتله؟ مالك: عشان عمها… ووعد متعلقة بيه جدًا. رضوان وهو بينظر لمالك بنبرة غامضة: وشكلك يا مالك… هو كمان متعلق بيها. مالك بتوتر خفيف: حضرتك عايز تقول إيه؟ رضوان لَف ووقف قصاده: قوللي يا مالك… مفيش حاجة بينهم؟ مالك باستفسار: بين وعد وعلي؟ رضوان بحزم: أيوه، بين وعد وعلي. مالك هز كتفه: معرفش… علاقتهم مش متطورة أوي، مجرد عـ ـلاقة عم ببنت أخوه. رضوان فضَل باصص له لحظة، وكأنه بيحاول يقرأ وشه أو يكشف كدبة مستخبية. بعدين قال بهدوء:
طب… راقبهملي. مالك بحذر: علي ولا وعد؟ رضوان بصرامة: علاقتهم. راقبلي علاقتهم. قال كده ومشي، وساب مالك واقف ساكت، ملامحه هادية ومافيش أي كدبة بانِت عليه. — في الفيلا في المطبخ، كانت رنا بتغسل الأطباق وعينيها كل شوية تروح على فاطمة. سألتها بفضول: “مالك يا طنط فاطمة؟” فاطمة ردت بسرعة وببرود: “مفيش حاجة.” رنا ما اقتنعتش وقالت: “إنتي ساكتة من امبارح… لما نزلتي من عند رانيا هانم تديها القهوة. هي قالتلك حاجة زعلتك؟” فاطمة هزت راسها: “لا يا رنا.”
رنا فضلت تلحّ: “أمال في إيه؟ ولا زعلانة عشان وعد مش هنا؟ أنا سمعت البيه الكبير وهو بيكلمها امبارح، وبيقولها ترجع.” فاطمة التفتت لها بعصبية: “قولتلك متتصنتيش على حد هنا، عشان متحطيش نفسك في مشاكل أكبر منك.” سكتت رنا فورًا وهزت راسها بخوف: “حاضر… خلاص.” تنهدت فاطمة، كانت بتفتكر الكلام الى سمعته ع الباب ورانيا بتقول لبدران نص الى حصل وبتغلط وعد دخلت رئيسة الخد.م بسرعة وقالت: “على بيه داخل!” الكل اتوتر وبصوا لبعض باستغراب. وبالفعل دخل علي، هيبته مالية المكان. وقف في نص المطبخ وقال بنبرة حادة: “فين فاطمة؟”
بصّت رنا لفاطمة بقلق… فاطمة رفعت عينيها وقالت بسرعة: “أنا يا بيه.” علي أشار لها: “تعالي.” مشت ورا بخطوات مترددة، ورئيسة الخد.م بصتلها بحدة وهمست: “عملتي إيه؟” خرجت فاطمة مع علي للطرقة. وقفت قدامه وقالت بخوف: “نعم يا بيه؟” علي وقف بإيديه في جيوبه وسألها مباشرة: “إنتي كنتي بتكلمي وعد لما رانيا كلمتها؟” فاطمة اتلخبطت: “كانت بتكلمها قدامنا كلنا… مش أنا بس.” علي ضيق عينيه وقال: “بس وعد كانت بتتكلم معاها على انفراد.” ترددت فاطمة لحظة وقالت: “آه.”
سأله تاني ببرود واضح: “سمعتي حاجة من الكلام اللي بينهم؟” فاطمة سكتت… وسكوتها فضحها. ابتسم علي ابتسامة صغيرة بس مرعبة وقال: “يبقى سمعتي الكلام اللي اتقال لوعد.” كانت ملامح فاطمة حزينة ومتوترة، حاولت تتهرب لكنها قالت بصوت واطي: “آه.” في اللحظة دي اتفاجئت لما سمعت صوت بدران من وراها: “قالتلها إيه؟” التفتت بدهشة إنها لقت بدران واقف، هيبته ووقاره ماليين المكان. قال علي بنبرة جدية: “لو خايفة من رانيا… بدران بيه بنفسه بيقولك اتكلمي.”
اتنهدت فاطمة وقالت بصوت متردد: “رانيا هانم… كانت بتقولها إنها مرتبّة معاد تقابل فيه حازم بيه، عشان يتعرفوا على بعض. بس وعد اتضايقت وزعقت لها… وقالت إنها مش عايزة الموضوع ده، وإنها قالت لأبوها إنها رافضة ومحدش يدخل في حياتها… وإنها مش عايزة تكون زيّها.” كملت فاطمة بتنهيدة تقيلة: “رانيا هانم اتضايقت… وقالتلها إنها عمرها ما تكون زيها، وإنها هتبقى زي أمها اللي خطفت جوزها منها.” اترددت لحظة، وبعدين نطقت بالكلمة اللي كانت مترددة تقولها: “قالتلها… إن مفيش حد هيحبها، وإنها ملهاش تتكبر… تبص في الأرض وبس.”
بدران ضاق ص,,دره وبص لفاطمة بحدة، كأن الكلام ده ضــ,,ـــــربه في م.. كملت فاطمة بصوت مرتعش: “وقت الكلام ده… يوسف بيه ظهر، ووعد خرجت من الفيلا زي ما حصل.” قال بدران بنبرة غاضبة مكتومة: “مقولتليش ليه؟” خفضت فاطمة عينيها: “خوفت يحصل مشاكل… أنا غلطت لما سمعت كلامهم، بس كنت قلقانة على وعد هانم.” علي رفع إيده وقال بحزم: “خلاص يا فاطمة… روحي شغلك.” هزت راسها باحترام ومشيت. التفت علي لبدران وقال بهدوء فيه نبرة مرارة: “دلوقتي عرفت رد رانيا الكامل كان إيه.”
بدران اتنفس بعصبية وقال: “إزاي تقولها حاجة زي دي؟!” قال علي وهو بيولع سيجارته: “يا بدران… مهما حاولت، رانيا عمرها ما هتتقبل وعد زي يوسف. هي طول الوقت شايفاها نسخة من أمها… والفرق الوحيد إن يوسف ابنك، لكن وعد بنتها. كلام وعد لمس حاجة جواها… خلاها تفتكر سلوى وترد رد ماكانش لازم يتقال ليها في يوم من الأيام.” قال بدران وهو بيتمشى بعصبية: “أنا مأكد عليها من زمان… إزاي مش قادرة تفهم لحد دلوقتي؟” قال علي بهدوء: “ممكن غيره… وهي مش شايفة وعد بنتك، شايفاها سلوى.”
ضيق بدران عينيه: “دي حاجة تضايقني أكتر… كويس إن يوسف منعني امبارح من تصرف غبي.” التفت له علي باهتمام: “تصرف إيه؟” قال بدران بنبرة تقيلة: “كنت هخلي الرجالة يجيبوا وعد من عند صحبتها اللي قاعدة عندها… ياسمين.” رفع علي حاجبه: “يوسف هو اللي منعك؟” أومأ بدران. ابتسم علي ابتسامة صغيرة… دلوقتي فهم ليه بدران ما قلبش الدنيا على وعد: يوسف خاف كذبته تنكشف. في اللحظة دي… دخل يوسف من برا. بص له بدران بحدة: “كنت فين كل ده؟”
يوسف اتوتر، وقال بسرعة: “كان عندي شغل.” قال بدران بصرامة: “فين وعد؟ مش المفروض كنت هترجعها؟” يوسف ارتبك وابتلع ريقه: “في… في الجــ ـامعة دلوقتي.” أومأ بدران بتفهم ساكت. لكن علي اللي كان قاعد مسترخي، رفع عينه على ساعته بابتسامة خفيفة… كأنه عارف إن الوقت جه بالظبط.
فتح الخاد.م الباب وقال:
“بدران بيه… آنسة وعد برا.” اتصد.م بدران، وحتى يوسف اتفاجئ، أما علي فابتسم وهو يراقب اللحظة. دخلت وعد… أول ما عينها وقعت على علي قلبها دق جامد، لكن عين بدران شدت انتباهها أول. قال بدران بصوت تقيل:
“وعد… كنتي فين؟” قالت وعد بهدوء:
– كنت عند صحبتي… إنت مكنتش عارف إني برا البيت كل ده؟ رد بدران وهو بينظر لها بحدة:
– عارف… بس بسألك برضه. سكتت وعد، قلبها متقلّب، لأنها أدركت إن محدش أصلاً مهتم يدور عليها، ولا حتى يعرفو إنها كانت مع علي.