ابست هدومي 1

“في سن السبعة والسبعين، لبست هدومي عشان أروح عشاء جوّازة ابني في تاون هاوس الساعة 7 بالليل، بعد ما دفعت من جيبي 93,600 دولار من مصاريفه السنة دي لوحدها، ومفيش دقايق ولقيت رسالة تانية جاية لي منه بيقول فيها: «أنتِ مش معزومة.. مراتي مش عاوزه تشوفك هناك». وقبل ما شمس الصبح تطلع، كان فيه 174 تحويل مالي طاروا في الهوا.
​في سن السبعة والسبعين، لبست هدومي عشان أروح عشاء ابني الرسمي بعد ما دفعت 93,600 دولار في مصاريفه السنة دي. وبعدين ظهرت رسالة تانية منه: إني مش معزومة عشان مراتي مش عايزاني هناك.
​قبل ما شمس الصبح تطلع، كان فيه 174 تفويض مالي اختفوا من حساباتهم.
​«يا ماما، الترتيبات اتغيرت الليلة»، ده اللي بنجامين كتبه الساعة 6:18.
​الرسالة التانية وصلت قبل ما الحق أقوم من كرسي المطبخ.
​«أنتِ مش معزومة في التاون هاوس الليلة دي عشان مراتي مش عايزة وجودك ع الترابيزة».
​فستاني الكحلي لسه كان عليه آثار كفوفي وأنا بظبط قماشه قبلها بلحظات. المطر كان بيخبط برفق على شباك المطبخ. والكاتل على البوتاجاز طقطق، فاضي وبيبرد، والريحة في الأوضة كانت بولترش ليمون، وخشب قديم، وشاي مر.
​صورة توماس البروازية كانت مراقباني من على الرف. البرواز الفضي حسّيته ساقع تحت صوابعي. كنت مطلعة حلقان اللؤلؤ اللي جبهالي في عيد جوازنا الخمسين. وجنبها كان بروشور التاون هاوس اللي بنجامين بعتهولي في مارس، مليان حوائط بيضاء، وأباجورات مترتبة، وأزواج مبسوطين، ووعود غالية.
​«ده عشانك إنتِ كمان يا ماما»، بنجامين أكد لي لما بعته.
​صدقته عشان الأمهات ممكن تلخبط بين المصلحة والحب لما بتجيلهم من عيالهم.
​بوقي كان طعمه معدن. الساعة بقت 6:20. قريت الرسالة لحد ما مابقتش شبه الغلطة خالص.
​أنتِ مش معزومة.
​چينيفيف عمرها ما علت صوتها عليّ. مكنتش محتاجة. قسوتها كانت بتيجي عبر الأبواب اللامعة، والكتان المطوي، والجمل اللي بتتقال بهدوء عشان تقدر تنكرها بعدين.
​«أمك متعودة تخلي المواقف الاجتماعية تحسس الناس بالحرج شوية»، قالتها مرة وهي بتبتسم وبتشرب قهوة بأربعة دولار أنا اللي دافعاها. «طبعا قصدها خير، بس برضو بيبقى محرج شوية».
​ضحكت الضحكة الصغيرة والمتدربة اللي الستات بيستخدموها عشان يحاولوا ميبقوش مزعجين.
​مسكت كرسي المطبخ، قعدت، وفتحت درج في مكتب أمي العتيق.
​جوه كان فيه ملف مكتوب عليه بنجامين.
​كان فيه 15 سنة من الإنقاذ الهادي: شيكات مصاريف، أقساط تأمين، قسط الشقة، اشتراكات النادي، وتحويلات طوارئ بقت بطريقة ما ضرورية كل شهر. كان فيه 2,800 دولار مصاريف حضانة لحفيدتي، و6,400 دولار إصلاحات چينيفيف قللت من شأنها وقالت عليها كبوة مؤقتة.
​الورق كان ريحته تراب، وحبر باهت، وسنين من الحزن.
​الساعة 6:47، حفيدتي بعتت لي رسالة.
​«يا تيتا، أنتِ هتوصلّي امتى؟»
​فضلت باصة لحد ما عيني حرقتني. الأطفال نادراً ما يفهموا الكبار اللي قاعدين يبنوا حيطان حواليهم بهدوء.
​رديت.
​«ما أقدرش أجي النهاردة يا حبيبتي، بس بحبك أوي».
​بعدين رفعت التليفون الأرضي.
​متصلتش ببنجامين ولا چينيفيف. مش هترجى مكان على ترابيزة أنا ساعدت في تمويلها.
​صوتي فضل ثابت لما موظفة البنك ردت.
​اتأكدت من هويتي. ادتها تاريخ ميلادي، اسم توماس الأوسط، آخر أربع أرقام من رقم قومي، وكلمة السر.
​وبعدين سألتني عايزة ألغي أنهي تفويضات.
​«حابّة ألغي كل واحد فيهم مرتبط ببنجامين كلي»، قلت بصرامة.
​سكتت شوية.
​بعدين المفاتيح خبطت.
​كان صوت أم بتفتكر إنها لسه شخص ليه حقوق.
​الساعة 7:03، بعتت لابني جملة واحدة.
​«بما إني مقتش معزومة، أنت ومراتك تقدروا تبدأوا تدفعوا مصاريف حياتكم من اللحظة دي».
​بعتها، قفلت تليفوني، وشلت اللؤلؤ.
​الساعة 8:11 الصبح التاني، كنت قاعدة قدام رباب في بنك «فيرست ناشيونال» والملف بينا. كانت عارفة عيلتنا من 22 سنة، ووافقت على أول حساب معاش لتوماس، وبعتت ورد لما مات.
​معرضتنيش بأي شفقة.
​بالضبط اللي كنت محتاجاه.
​«متأكدة أوي من ده يا مدام كلي؟» سألتني.
​حطيت إيدي الاتنين على المكتب الماهوجني. العروق الزرقاء باينة تحت جلد العجوزة، ودبلتي كانت واسعة.
​«أنا متأكدة جداً»، رديت.
​ثامن صفحات مطبوعة بتعرض أقساط الشقة، وأقساط التأمين، والمرافق، واشتراكات النادي، ومصاريف المدرسة الخاصة، والاشتراكات، وخط بيزنس بنجامين ماباش جاب سيرته خالص.
​174 دفعة بتتكرر.
​رباب لفت الشاشة ناحيتي. الأرقام كانت منورة في صفوف منظمة.
​الحرارة طلعت في رقبتي، بس مش من الخزي.
​من الوضوح.
​«الاعتماد المالي بيحصلش كله مرة واحدة»، رباب قالت بهدوء.
​«لا»، وافقت. «طبعاً بيحصلش».
​الأمثال ماليهاش معنى لحد ما تكلفك حاجة. وساعتها بتبقى فواتير.
​قلمي خربش على آخر تفويض.
​الصوت ده قفل باب سيبته مفتوح 15 سنة.
​لما رجعت البيت، عملت شاي في فنجان الصيني الحلو بدل المشرخ اللي كنت متعودة أستعمله وأعين الحاجات الحلوة للضيوف.
​الساعة 11:26، أول معاملة اترفضت.
​بعدها تانية.
​وبعدها تالتة.
​بعد شوية عجل العربية خربش فوق الزلط المبلول.
​من خلال الستارة، شفت چينيفيف بتنزل الأول، بالطوها الأبيض الغالي نضيف وبؤها مشدود. بنجامين وراها، باهت وباصص في تليفونه.
​الراكب التالت خلاني أنزل فنجاني.
​حفيدتي كلارا نزلت من العربية.
​كانت عندها سبع سنوات، صغيرة بالنسبة لسنها، بشعر بنجامين الغامق وعيون أمي المهيبة. كانت لابسة مطر أصفر بكتف متلوي وماسكة الأرنب المحشي اللي خيطته بعد ما توماس مات. ودانة كانت متصلحة مرتين، وزرار عيونه مكنوش شبه بعض.
​چينيفيف مابصتش وراها أبدا تشوف كلارا ماشية وراها ولا لأ.
​عدت الممر زي ضيف في فندق أوضته فشلت في التفتيش.
​بنجامين وقف عند البوابة، بيقلب في تليفونه بجنون كأن فيه حد هيرد ويلغي قراري. كان دايما مؤمن إن المشاكل مؤقتة لو فيه حد معاه فلوس يكفي يحلها.
​چينيفيف خبطت تلات خبطات جامدين، رنت الجرس، ورجعت خبطت تاني.
​سبتها تستنى.
​مش عشان أكون قاسية.
​لمدة 15 سنة، كنت بفتح بيبانهم وطلباتي بسرعة زيادة.
​لما فتحت في الآخر، ابتسامة چينيفيف المصطنعة وصلت الاول—رفيعة، منورة، وتعبانة.
​«ماريان»، قالت، مستخدمة اسمي الأول بدل ماما أو مدام كلي.
​بنجامين وقف وراها بنفس التعبير اللي كان عنده وهو طفل لما كسر حاجة غالية وكان ساكت عسى السكوت يصلحه.
​كلارا اتسللت حواليهم وجريت في حضني.
​«يا تيتا!» صرخت.
​شعرة كان ريحته مطر وعنب. جسمها الصغير ضغط على ركبتي، ولثانية واحدة خطيرة، لانت بالطريقة القديمة المألوفة.
​بست راسها.
​«أهلاً يا حبيبتي»، همست.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *