حماتي خبطت عليا الفجر

الساعة خمسة وتلات دقايق الصبح، حماتي خبطت على باب أوضة نومنا بعنف وزعقت: “الفطار.. حالاً.”
​بعدها بتلات دقايق، جوزي رماني من على السرير بقوة لدرجة إن كتفي خبط في الكومودينو.. ومحدش فيهم حتى كلف خاطره يبص عليا.
​كنت نايمة على السجادة مذهولة، وإيدي ضاغطة على الكدمة اللي بدأت تسود تحت كم هدومي.
​شريف كان واقف فوقي ولابس تريننج رمادي، وفكه مشدود من العصبية والضيق، مش من إحساس بالذنب خالص.
​”أمي طلبت منك حاجة واحدة بس.”
​همست بصوت مخنوق: “حاجة واحدة بس؟ دي مصحياني الساعة خمسة الفجر عشان أطبخ لست أقارب جم من غير عزومة ولا ميعاد.”
​ومن الصالة، طلعت ضحكة سميرة.
​”دخلت عيلتنا وبرضه لسه مش فاهمة مقامها فين.”
​وبعدها قالت الجملة اللي هفضل فكراها طول عمري:
​”علميها مقامها فين.”
​شريف مسك دراعي وشدني فوق بعنف.
​”البسي وانزلي تحت اعملي الفطار، وبطلي تحرجيني.”
​لمدة تمن شهور، كنت ببلع الإهانات والتعليقات على شغلي، لبسي، شخصيتي “الباردة”، ورفضي إني أخدم سميرة زي الخدامة بالأجرة. شريف كان دايماً بيسمي ده أصول واحترام وتقاليد العيلة.
​بس الفترة الأخيرة، الموضوع بقى أبشع بكتير.
​بقى هو اللي يتحكم في قائمة الضيوف في بيتي. سميرة نقلت في الجناح اللي فوق “لمدة أسبوعين” وقعدت تلت شهور. دهبي اختفى من الدرج وظهر في رقبتها. وشريف سحب فلوس من حسابنا المشترك من غير أي تفسير.
​ودلوقتي.. وصل بينا الحال لكده.
​بصيت من وراه ناحية الكاميرا السوداء الصغيرة المتثبتة فوق ترموستات الصالة.
​شريف كان ناسي أساساً إنها موجودة.
​وأنا لأ.
​قبلها بأسبوعين، بعد ما لاحظت سحوبات ماليش تفسير ليها من شركة المطاعم بتاعة شريف، شغلت أرشفة كاميرات المراقبة في البيت بهدوء، وأجرت محاسب جنائي عن طريق مكتبي للمحاماة. أنا محامية متخصصة في الجرائم المالية. شريف كان بيحب يقول للناس إني “بخلص ورق وشوية كروت”.
​ماكانش عنده أي فكرة إيه نوع الورق ده.
​ولا كان يعرف إني قضيت الليلة اللي فاتت بنسخ كشف حساب البنك بعد ما شفت تحويل لشركة اسمها “جي سي إم هوسبيتالتي” (GCM). والحروف دي كانت اختصار لاسم سميرة. كنت ناوي أواجهه بعد ما أجمع حقائق، مش مجرد شكوك.
​لكن بدل ده، اداني حاجة أسوأ بكتير قبل طلوع الفجر.
​”تمام،” قلت.
​سميرة ابتسمت بانتصار أول ما دخلت المطبخ.
​”البيض نص استواء. البكون مقرمش. القهوة فريش. واعملي بان كيك لجوزك.”
​فتحت التلاجة، ومطلعتش أي حاجة، وحطيت تليفوني على جزيرة المطبخ الرخام.
​وبعدين بصيت لشريف.
​”لأ.”
​وشه اتغير.
​سميرة رمشت بعينيها: “نعم؟”
​”قلت لأ.”
​شريف خطى خطوة نحيتي.
​شاشة تليفوني نورت.
​رسالة مجدولة وصلت حالاً من المحقق بتاعي.
​عنوان الرسالة كان فيه أربع كلمات بس:
​لقينا التحويل.
​مفتحتش الرسالة فوراً.
​ده خوّف شريف أكتر بكتير لو كنت صرخت.
​سميرة عكفت إيدها وقالت: “واقفة في مطبخ ابني بتعملي فيها مهمة!”
​”مطبخي أنا،” صلحت لها.
​ضحكت بصوت عالي لدرجة إن شريف ضحك معاها.
​ده كان مفيد.
​الناس بتكشف عن حقيقتها أكتر لما بيفتكروا إنك أجبن من إنك تاخد أي خطوة. أنا تعلمت ده من عشر سنين قضايا وتحقيقات في قضايا نصب، ومديرين تنفيذيين كانوا بيفتكروا إن الست الهادية صيد سهل.
​”شريف اللي اشترى البيت ده،” قالت.
​”لأ. شريف قالك إنه اشتراه.”
​الصمت طبع على وشّه لحظة.
​فتحت تقرير المحقق أخيرًا.
​قبل تلات شهور، شريف حوّل 84 ألف دولار من حسابنا المشترك لشركة المطاعم اللي بتخسر بتاعتي.. قصدي بتاعته. وبعدين نقل 61 ألف تانيين لحساب بتسيطر عليه سميرة. وكان سبب التحويل في الخانة مكتوب “استشارات موردين”.
​سميرة عمرها ما استشارت في أي حاجة في حياتها أساساً.
​والتقرير كمان كان فيه فواتير.
​فواتير مضروبة.
​شريف شاف تعبيرات وشي ومد إيده عايز ياخد التليفون.
​رجعت خطوة لورا.
​”إياك.”
​”بتعملي إيه؟” زعق.
​”بأكد حاجة.”
​ثقته رجعت لما سميرة صرخت: “دي بتألف.”
​وعشان كده بقوا متهورين.
​شريف قال لي إن الفلوس دي بتاعتي.. قصدي بتاعتها، عشان الأزواج هم اللي بيتحكموا في ماليات العيلة. وسميرة أعلنت إنه أول ما “أتعلم الطاعة”، هي هتعيد تصميم البيت وتخلي مكتبي هو صالون الاستقبال بتاعها. واحد من الأقارب دخل المطبخ وبدأ يعمل قهوة كأن الموضوع ده مسرحية ممتعة.
​وبعدين شريف قال: “المفروض تبقي ممتنة إن أنا اتجوزتك أصلاً.”
​كنت هبتسم.
​نسي إن عقد البيت مسجل باسمي، واشتريته قبل جوازنا بأربع سنين.
​ونسي إن اتفاق ما قبل الزواج بيخلي ممتلكات ما قبل الجواز مفصولة تماماً.
​وماكانش يعرف أبداً إن الـ 250 ألف دولار اللي استثمرتهم في شركة المطاعم بتوعه ماكانوش هدية. الشركة بتاعتي كانت مسجلة بضمان على معدات المطبخ والملكية الفكرية. وأي إخفاء لمعلومات مالية ممكن يخليه في حالة تعثر قانوني.
​كنت شاكة في نصب قبل الفجر.
​دلوقتي بقى معايا أدلة ضرب واعتداء كمان.
​ضغطت على تطبيق الكاميرات وحفظت فيديو الصالة على السيرفر المشفر لمحاميّ.
​شريف خد باله.
​”بعتي إيه دلوقتي؟”
​”تأمين.”
​هجم عليا تاني، بس علّيت صوتي:
​”المسني مرة كمان.”
​وقف مكانه.
​لأول مرة الصبحية دي، عدم اليقين حل مكان الغرور.
​وبعدين جرس الباب رن.
​الساعة 5:41 الصبح، كان فيه شخصين واقفين تحت نور الباب: ميرفت، شريكتي في المكتب، ورمزي، المحاسب الجنائي اللي قضى الليلة بيتعقب تحويلات شريف بعد ما اكتشف تضارب عاجل.
​شريف باصص من الازاز.
​”إيه اللي جابهم هنا؟”
​فتحت الباب.
​رمزي كان ماسك ملف مختوم.
​ميرفت بصت على الكدمة اللي في دراعي، وبعدين بصت لشريف.
​ملامح وشها نشفت وجمدت.
​قالت: “جينا عشان الفلوس.. بس إحنا شكلنا قدام حاجة أكبر بكتير دلوقتي.”
​سميرة استهزأت: “دي مسألة عائلية.”
​ميرفت بصت في عينها مباشرة:
​”لأ. بطلت تكون مسألة عائلية أول ما ابنك مد إيده على موكلتي.”
​وفجأة.. مفيش حد كان عايز فطار خالص.
​على الساعة 6:10، البوليس كان قاعد في صالتي.
​مبالغتش في أي كلمة. ورتهم الكدمة، وفيديو الكاميرات، والجملة اللي سميرة قالتها: “علميها مقامها فين”، قبل ما شريف يجرني من السرير بثواني.
​شريف كان بيقاطعهم طول الوقت:
​”دي مراتي!”
​ظابط منهم بص له ببرود: “وده مش بيديك الحق إنك تضربها.”
​سميرة حاولت طريقة تانية:
​”البيت ده ملك ابني!”
​رجعت من الأوضة ومعايا نسخة من العقد وحطيتها على الترابيزة:
​”اسمي.. اسمي وبس.”
​بؤها اتفتح.
​ومطلعش ولا حرف.
​ميرفت حطت تقرير رمزي جنبه.
​الفواتير المضروبة ماكنتش مجرد شريف بيخبي فلوس الجواز. شركته استخدمت نفس المورد الوهمي عشان تضلل مصاريف لشركات استثمار تانية والبنك اللي بيدعم خط الائتمان بتاعه. رمزي كان حافظ السجلات. والمحامين بتوعي هيبلغوا الأطراف المتضررة الصبح ده.
​وشريف وشه بقى أصفر.
​”هتدمروني!”
​قلت بهدوء: “لأ.. أنا بس هبطل أحميك من عواقب اللي عملته.”
​الظباط فصلونا عن بعض. عملت محضر رسمي ومشيت مع ميرفت عشان آخد حماية قانونية عاجلة. مغيرتش الكالون بشكل غير قانوني ولا رميت هدوم شريف بره. عملت كل حاجة بالقانون وبشكل رسمي.
​الهدوء ده وجعه أكتر بكتير ما الفوضى كانت هتوجعه.
​في خلال أيام، المحكمة أصدرت أمر حماية مؤقت. شريف اضطر يسيب البيت لحد ما القضية تمشي في مجراها. وسميرة مشيت معاه بعد ما عرفت إن “أوضتها” ماكنتش بتاعتها أصلاً.
​وقبل ما تطلع بره، التفتت وقالت بصوت فحيح: “العيلة عمرها ما هتسامحك!”
​رديت عليها: “العيلة مش محتاجة كدمات عشان تثبت ولائها.”
​وبعدين العواقب المالية وصلت.
​شركتي أعلنت إن قرض مطعم شريف في حالة تعثر بعد ما بياناته طلعت مضروبة. البنك جمد أي سحوبات أو تمويلات لحد المراجعة. المستثمرين بتوعه رفعوا قضايا بسبب الفواتير المزورة. والسجلات أثبتت إن سميرة قبضت فلوس مقابل خدمات عمرها ما قدمتها أصلاً.
​هي دفعت معظم الفلوس دي تحت التسوية.
​مطعم شريف قفل بعد تلات شهور.
​وهو في الآخر اعترف بجنحة اعتداء ودخل برنامج إصلاحي شمل جلسات علاج نفسي وشرط عدم التعرض. وطلقنا بعدها. قدرت استرجع نصيبي من الفلوس المسحوبة من حسابنا المشترك، واحتفظت ببيتي اللي قبل الجواز، ورفضت أي طلب أنقذ بيه مشروعه.
​في الجلسة النهائية، شريف كان شكله أصغر بكتير من ما اتذكرته.
​غمغم بصوت واطي: “إنتِ عملتي كل ده عشان شوية فطار؟”
​”لأ.. الفطار كان اللحظة اللي بينت لي بجد إن مفيش أي حاجة تستاهل إننا ننقذها.”
​بعد ست شهور، صحيت الساعة 5:03 الصبح تاني.
​لثانية واحدة، جسمي افتكر خطى الخبط على الباب.
​وبعدين سمعت صوت المطر بينزل على الشبابيك وبس.
​عملت قهوة وقت ما أنا عايزة. ومكتبي رقاني وبقيت شريك أساسي بعد ما قدرت أسترد أكبر مبلغ نصب مالي للسنة دي، وحسيت إن بيتي رجع بتاعي بجد.
​على جزيرة المطبخ، كان محطوط براواز جديد: صورتي لوحدي على شاطئ هواه عليل، ببتسم للشمس.
​السلام النفسي.. اتعلمت إنه مش بيجي لما هما يعتذروا.
​بيجي لما أنا أبطل أصلاً أكون محتاجة اعتذارهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *