أنا وجوزي

​السكوت ده قال لي كل حاجة محتاجة أعرفها.

​ما اتخانقتش، ولا عليت صوتي، ولا عيطت. وقفت بالراحة، وعدلت بنتي على صدري، ومديت إيدي في شنطتي طلعت تيلفوني.

​طارق كشّر وقال باستغراب:

​”بتعملي إيه؟”

​بصيت له في عينيه عدل.

​”بدبر نفسي.”

​وبعدين عملت مكالمة واحدة…

المكالمة مكنتش لأمي، ولا لصاحبة ليا، ولا لأي حد فيهم كان متوقعه. وش سامية اتغير أول ما عرفت أنا بكلم مين، وطارق قرب مني بسرعة.

​”استني.. بتعملي إيه؟”

​قفلت المكالمة وبصيت لهم الاتنين.

​”إنتوا كنتوا عايزينني أتصرف لوحدي.”

​سامية فتحت بقها عشان تتكلم، بس ما اديتهاش فرصة تقاطعني.

​”يبقا هو ده بالظبط اللي هعمله.”

​بعد وقت قصير، الشخص اللي كلمته دخل من أبواب الطوارئ. وفي اللحظة اللي طارق شافه وعرفه فيها، كل آثار الضيق اختفت من على وشّه تماماً.

​وشه اصفر وبقى أبيض زي الورقة.

​عشان سبيته لمراته وبنته اللي عندها اربع شهور وحالتها خطيرة لوحدهم الساعة اتنين بالليل ما بقاش مجرد خناقة عائلية بايخة.

​الموضوع كان خلاص هايكلفه أكتر بكتير من مجرد ليلة نوم واحدة…

كانت المكالمة لأخويا الكبير، خالد، المحامي الدولي ورئيس الشؤون القانونية لأكبر شركات البلد، واللي صدفة كان بينه وبين شركة طارق شراكة وتعاملات حساسة جداً.

​في خلال دقايق، دخل خالد من أبواب المستشفى، وبخطوات واسعة وثابتة. وفي اللحظة اللي طارق شافه فيها، كل آثار التعالي والغرور طارت من على وشّه، ووشه اصفر وبقى أبيض زي الورقة لدرجة إنه وقف مكانه زي التمثال.

​سامية بصت لخالد بقلق، وقالت بصوت مهزوز: “هو.. هو أنت؟!”

​خالد ما عبرهاش خالص، وعداها ووقف قدامي أنا وبنتي، وبص لطارق نظرة واحدة جمدت الدم في عروقه.

​”يعني سايب مراتك وبنتك الرضيعة اللي بتموت من السخونية الساعة اتنين بالليل، ورايح تنام عشان بريزنتيشن؟!”

​طارق بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت مترعش: “يا خالد.. افهم.. أنا كنت…”

​قاطعه خالد بنبرة صارمة خلت كل اللي في الاستقبال ينتبهوا: “مش عايز أسمع صوتك خالص. وبالنسبة للبريزنتيشن اللي خايف عليه، والصفقة اللي ميت عليها مع شركتنا.. انسى كل ده بكرة الصبح. لأن أول حاجة هعملها وأنا قاعد مكاني ده، إني هبلغ مجلس الإدارة بمدى انعدام أمانتك ومسؤوليتك، وانهي التعاقد ده فوراً، عشان تعرف يعني إيه قلة اصل.”

​سامية حاولت تتدخل وتنقذ ابنها: “أنت بتلوي دراعه عشان خناقة عادية؟!”

​بص لها خالد بحدة: “دي مش خناقة عادية، دي قلة أصل من ابنك ومنك، ومراتي وأختي مش هتعيش مع واحد ما يعرفش يعني ايه أمانة ولا مسؤولية.”

​في اللحظة دي، الدكتور طلع من أوضة الكشف ونادى بصوت عالي: “حالة الطفلة؟ فين أباها أو أمها؟”

​بصيت لطارق، لقيته واقف باصص في الأرض، ماسك جاكته في إيده زي العيل الصغير، لا عارف يروح مع أمه ولا عارف يتحرك خطوة نحونا.

​ساعتها بصيت لخالد وقلت بصوت ثابت: “يلا يا خالد، ندخل نطمن على بنتنا.. وسيبنا من اللي مش قد المسؤولية.”

​دخلنا سوا وسيبنا طارق وأمه واقفين في نص الاستقبال، مكشوفين قدام الكل، والنهاية الحقيقية لكل استهتارهم ظهرت قدام عينيهم بوضوح.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *