سر الكوخ 1
دي الترجمة الكاملة للقصة بالعامية المصرية وبنفس السياق والأحداث التفصيلية:
رين سيلور كانت فاكرة إن أبوها طالع بيها الجبل عشان يسلمها كوخ ملكها. لكن أول ما وصلوا وهو ومراته (مرات أبوها) مشوا، كانوا أخدوا منها تليفونها، وظرف التبس (البقشيش) اللي محوشاه من شغل سنتين في المطاعم، والعلبة الكرتون اللي فيها كل حاجة باقية لها من أمها الله يرحمها.
الكوخ ما كانش فيه لا كهربا ولا تليفون، وأقرب بلد كانت على بعد 11 ميل تحت في أول طريق التلج.
بعد ليلتين، وسط البرد القارس وكلب عجوز خاسس من الجوع، هواء بارد دل رين على حلقة حديد مستخبية تحت السجادة.
اللي لقته تحت الأرض خلّاها تشك في كل كلمة سمعتها من عيلتها.
طريق الجبل أخد معظم وقت الضهرية.
رين كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، ركبتها خابطة في شنطتين هدوم، ومتابعة الطريق وهو بيتحول من طريق سريع لإسفلت فرعي، وبعدين طريق حصى، لحد ما بقى طريق تلج ضيق بين شجر الصنوبر الأسود.
ساندرا كانت قاعد في الكرسي القدامي، مشغلة الدفاية على الآخر ومسكة مج في إيدها:
– “دي فرصة بجد.”
رين بصت لقفى مرات أبوها:
– “فرصة إيه؟”
– “مكانك الخاص.”
– “مكان مين ده أصلاً؟”
– “أرض تبع العيلة.”
– “عيلة مين؟”
ساندرا اتنهدت:
– “جاية من ناحية أباكي. كانت مهجورة، وقالوا حد يستفيد بيها.”
جاريث (أبوها) كان عينيه على الطريق ومابيتكلمش.
رين استنته يشرح، بس ما نطقش. ده كان النظام في بيتهم: ساندرا تتكلم، جاريث يسكت، ورين اتعلمت إن سكوته معناه إن ساندرا كسبت النقاش خلاص.
الكوخ كان واقف لوحده في حتة واسعة قرب آخر الطريق. خشب غامق، سقف صاج، ومدخنة حجر. وبلكونة خشب مايلة تحت كومات التلج.
مافيش دخان طالع من المدخنة، ولا فيه أي أثر لخطوات رجليك في التلج. مافيش أي حاجة تقول إن فيه بني آدم وطوط المكان ده قريب.
أبوها طفى العربية.
لثواني، الثلاثة قعدوا في سكون تام.
بعدين ساندرا لفت وبصت لها وابتسمت:
– “يلا، أدينا وصلنا.”
من جوه، الكوخ كان ريحته أرز، رماد بارد، وتراب.
ترابيزة، كرسيين، سرير ضيق، صوبة خشب حديد، شوية رفوف، وسجادة مجدولة مغطية وسط الأرضية الخشب. كل حاجة كان عليها طبقة تراب ناعمة.
جاريث مشى ناحية الصوبة:
– “فيه خشب في السقيفة بره.”
رين رمت شنطتها جنب الترابيزة:
– “هقعد هنا قد إيه؟”
ساندرا ضحكت ضحكة خفيفة:
– “ده ملكك يا رين.”
– “ملكيتي لحد امتى؟”
– “لحد ما انتي عايزة.”
رين بصت حواليها:
– “انتي قلتي دي هدية.”
– “وهمي هدية فعلاً.”
– “طب هاتي تليفوني.”
ملامح ساندرا ما اتغيرتش:
– “انتي محتاجة وقت من غير حاجة تشغلك.”
– “وفلوسي؟”
– “شايلينها معانا.”
– “أنا اللي تعبت فيها وشقيت بيها!”
– “وهتاخديها أول ما تظبطي أمورك وتستقري.”
رين بصت لها بذهول. ساندرا في حياتها من وهي عندها 13 سنة. عمرها ما كانت بتزعق، وده اللي كان بيخلي الكلام معاها يهد الحيل. كانت بتاخد منك كل حاجة وهي بتتكلم بصوت هادي وراسي، زي دكتورة بتشرح لك ليه لازم تخلع درسك.. تقولك “أنا بعمل كده عشان أحميكي”، وتحط حاجتك في مكان ما تطوليهوش، ولو اعترضتي، اعتراضك ده يبقى هو الدليل إنك فعلاً محتاجة حماية!
رين لفت لأبوها:
– “بابا؟”
لثانية واحدة، عينيه جأت في عينها. حاجة أتحركت في وشه.. ذنب، يمكن. وبعدين بَصّ بعيد. دي كانت طريقته المفضلة في “التربية”.
ساندرا شالت العلبة الكرتون اللي فيها حاجات سيلفيا (أم رين).
رين قربت خطوة:
– “لا.”
ساندرا وقفت:
– “أفندم؟”
– “العلبة دي تفضل هنا.”
– “المكان هنا رطب.”
– “هسيبها جنب الصوبة.”
– “فيه صور في العلبة دي.”
– “عارفة.”
– “وأشرطة كاسيت.”
– “عارفة فيها إيه كويس.”
– “يبقى عارفة أنا باخدها ليه.”
رين بصت لأبوها:
– “قول لها حاجة!”
جاريث حك دقنه بإيده:
– “يمكن الأفضل تفضل في البيت عندنا.”
الإجابة كانت توجع لدرجة إن رين كانت هتضحك من الصدمة.
ساندرا أخدت العلبة وخرجت بره. رين مشيت وراها للبلكونة، والهوا الثلج كان بيخترق جاكتتها الخفيفة. الصور دي بتاعتها، الأشرطة، والعصفورة الإزاز الصغيرة اللي كانت على شباك المطبخ، والإسكارف اللي لسه فيه ريحة أمها.
– “عشان خاطري يا بابا..”
جاريث كان واقف جنب شنطة العربية.
– “دي كل حاجة فاضلالي من ماما!”
وقف وإيده على العربية. لثانية، رين افتكرت إنه هيطلع العلبة تاني. بس ساندرا نادت على اسمه.. جاريث قفل الشنطة.
بعد عشر دقائق، كانوا مشوا.
رين وقفت تتابع نور العربية الأحمر وهو بيختفي بين شجر الصنوبر. ولا واحد فيهم بص وراه.
فضلت واقفة بره لحد ما البرد أجبرها تدخل.
ما بكتش.. العياط مش هيولع الصوبة.
السقيفة كان فيها حوالي نص متر خشب pine ناشف، قرمة تقطيع، بلطة، وعلبة قهوة قديمة فيها كبريت مطبخ.
أخدت ثلاث محاولات عشان تعرف تولع النار. لما أول شرارة مسكت، قعدت على ركبتها وبصت للنار وكأنها حققت إنجاز مهول.. ويمكن كان إنجاز فعلاً.
لقيت لمبة كيروسين وجركن فيه شويه جاز. وكان فيه برميل مية جنب الباب عليه طبقة تلج من فوق.
الدواليب كان فيها دقيق قديم، قهوة، فاصوليا، بصل، طماطم، وشوية برطمانات أكل متخزن ما كانتش جريئة كفاية عشان تأكل منها.
أكلت بسكوتين جرانولا من شنطتها.
أول ليلة دي، نمت بالعافية.
في الصباح، كانت العاصفة هديت.
رين خرجت للبلكونة ومسكة كوباية قهوة مرة. التلج مغطي المكان كله، والشجر واقف ثابت تحت سماء زرقاء صافية.
المكان كان جميل.. جميل لدرجة توجع.
بس المنظر ده مش هينفع تأكله، ولا هينفع تتصل بحد منه، ولا هتعرف تسوق بيه 11 ميل في التلج. بس بالنسبة لساندرا، ده “ملكها”.
في اللحظة دي، رين سمعت صوت ورا السقيفة.
زقزقة.. وبعدين صوت خربشة.
أخدت البلطة في إيدها وراحت تشوف.
الكلب كان محشور بين كومة الخشب والحيطة عشان يداري من الهوا. كان كلب كبير بس الخسسان باين عليه، نوع من الكلاب الراعية. ضلوعه باينة، والتلج ماسك في فرو رجله، ورجله الورانية كانت ناشفة ومشدودة.
لما رين وطت على بعد كام قدم، رفع راسه. ما زمجرش.. بص لها وبس.
– “يا هلا..” رين هپست.
ديله أتحرك حركة واحدة.
رين رجعت الكوخ وجابت حتة عيش من سندوتش وأخر بسكوتة جرانولا معها. الكلب أكل الاتنين. وبعدين، بقلب حنين من حيوان تعبان ومش قادر يتصنع، سند بكل تقله على ركبتها.
حطت إيدها على جنبه.. كان بيرتعش.
– “ماشي يا سيدي.. تعالى.”
الكلب مشي وراها لجوه، ونام جنب الصوبة وكأنه متعود ينَام هنا.
أول ما دفى وسابها تمسك طوقه، رين مسحت التراب من على علامة نحاس صغيرة:
DUTCH (داتش)
– “شكلنا هنقعد سوا يا داتش.”
على الليل، داتش كان بدأ يرفع راسه أول ما تنادي اسمه.
قضوا اليوم بيكتشفوا الكوخ سوا. رين كنست، جابت خشب، وسيحت تلج. لقيت فاصوليا ناشفة وطماطم وبصل وشوية ملح عملت بيهم شوربة مشيت الحال، وداتش أكل نصها.
بعد ما الليل جه، رين قعدت جنب الصوبة تتكلم معاه عشان السكوت كان مرعب.
حكت له عن المطعم اللي قضت فيه سنتين بتشتغل.
حكت له عن ظرف التبس اللي كانت مجمّعاه وشايلاه ورا حتة خشب سايبة في أوضتها لأن ساندرا كانت دايماً تقول على فلوس العيلة “فلوس مشتركة”.
حكت له عن كورس الرسم اللي كانت عايزة تاخده في الكلية، وإن ساندرا كانت شايفه إن الرسم ده حاجة بيعملها الناس اللي معاهم فلوس زيادة ومش عارفين يودوها فين.
وأخيراً، حكت له عن حاجة واحدة كانت مرعوبة منها أكتر من قعدتها لوحدها في الجبل: صوت أمها بدأ يبعد من ذاكرتها وصعب تفتكره.
داتش كان بيسمع وهو حاطت دقنه على إيديه. ماحدش قاطعها، ماحدش صحح لها كلامها، ولا حد قال لها إنها بتهول.. وده خلاه أحسن ونس ممكن تقعد معاه.
الفرقعة والبرد زادوا جداً بالليل.
رين قربت السرير من المدخنة، وداتش نام ورا ضهرها. بس رجليها ما كانتش بتدفى خالص. كان فيه تيار هوا ثلج ماشي على الأرضية.
على نص الليل، داتش رفع راسه ودانه وقفت. بص ناحية السجادة المجدولة اللي في نص الكوخ.
– “فيه إيه؟”
داتش قام وبدأ يشمشم عند حرف السجادة.
رين نزلت من تحت البطاطين. البرد كان طالع من نص الأرضية بالظبط.
شدت السجادة.. تحتها كان فيه مربع مقطوع بدقة جوه ألواح الخشب القديمة، وفي طرفه حلقة حديد سودة.
رين بصت لها، وبعدين حطت صباعين جوه الحلقة وشدت.
الباب السري اتفتح بصوت خشب حزين، وهوا ثلج طلع في وشها.
جابت لمبة الجاز ونزلتها جوه.
تحتها كان فيه أوضة حجر صغيرة، حوالي 2 متر في 2.5 متر، حيطان متقشطة وأرضية تراب ناعمة.
رفوف مغطية الجنبين.. عليها برطمانات بالكوم!
فاصوليا، طماطم، مخللات، رز، ذرة ناشفة.
شمع، جاز للمبات، بطاطين ملفوفة جوه شكاير، حبال، بلطة، حجر سن، وصندوق إسعافات أولية.
حد كان مجهز البدروم ده بعناية شديدة.
رين بصت حواليها بذهول.. ده مش كوخ مهجور! ده فيه حد جهزه عشان اليوم اللي الشخص اللي عايش فوق يحتاج فيه مساعدة.
عينها جأت على برطمان منهم. الورقة اللي عليه مكتوبة بخط إيد طفل:
“برقوق” – PLUM
وتحتها كلمة:
سيلفيا – SYLVIA
رين وطت.. دي أمها! التاريخ كان وأمها عندها حوالي 9 سنين.
رين لمست الإزاز. المخلل كان قديم جداً وما ينفعش يتاكل، بس فيه حد احتفظ بيه كل السنين دي.
في آخر البدروم، كان فيه صندوق معدن وصندوق حديد أتقل مقفول بقفل.
الصندوق الأولاني ما كانش مقفول.
رين شالته وطلعت بيه فوق، وداتش وراها خطوة بخطوة.
قربت الترابيزة من الصوبة وفتحت الصندوق.
ورقة مسطرة متطبقة كانت على الوش، مكتوب عليها برصاص تقيل ومايل:
“إلى رين”
تنفسها وقف لثانية.
جوه كان فيه جواب من راجل قالوا لها زمان إنه مش عايز يعرفها.. جدها: إميت فوس (Emmett Voss).
”لو بتقري الجواب ده، يبقى أخيراً جابوكي هنا.. وأنا آسف إن الموضوع أخد الوقت ده كله.”
رين قعدت وقرت ببطء.
إميت كتب إنه بنى الكوخ ده بنفسه لما سيلفيا كان عندها 4 سنين. قطع الخشب من أرضه، حفر البدروم، عمل العفش، والترابيزة اللي هي قاعد عليها دي.
كتب إنهم أكيد قالوا لها إنه مش عايزها.. ما اتهِمش حد بالاسم، بس كتب ببساطة إن الكلام ده مش صح.
“انتي كان مرحب بيكي دايماً.. أنا وأمك كنا عايزينك دايماً.”
زورها اتخنق.
الجواب كان بيشرح إن الكوخ والأرض مكتوبين باسم رين.. مش لجاريث، ولا لساندرا.. لـ رين. الورق الرسمي كان مع محامي في البلد.
”هيقُولوا لك إن المكان ده عبء، ويمكن يقولوا لك إنه ما يسواش حاجة. ما تصدقيش كلام حد، ولا حتى كلامي.. روحي شوفي الورق بنفسك.”
وبعدين جأت جملة خلت رين تحط الجواب على الترابيزة:
“فيه أسباب تخلي ناس معينة مش عايزاكي تعرفي انتي بتملكي إيه.. الأسباب دي جوه الصندوق المقفول. المفتاح هنا في مكان ما، هتلقيه.”
رين بصت ناحية الباب السري المفتوح. داتش حط دقنه على جزمتها.
الصفحة التانية كان فيها تعليمات عملية:
مقبض الصوبة بيمسك، خبطي على الناحية الشمال مرتين.
النيع اللي ورا السقيفة ميتها أحسن من البرميل، امشي ورا العلامات الزرقا على الشجر.
بلاش تأكلي من البرطمانات اللي غطاها أخضر.
ولعي الخشب الناشف الواقف الأول.
النصائح العادية دي كانت بتوجع تقريباً زي الجواب نفسه. إميت كان بيخطط لليوم اللي رين هتوصل فيه بردانة وجعانة ومحتارة.. كان متوقع إنه مش هيكون موجود لما هي توصل، وحاول يعتني بيها على قد ما يقدر.
تحت الجواب كان فيه صور. رين فردتهم على الترابيزة:
أمها وهي طفلة صغيرة قاعد على عربية نقل.
سيلفيا بتضحك بفستان أصفر.
سيلفيا واقفة جنب نفس الكوخ ده.
وبعدين.. صورة خلت إيد رين ترتجف:
راجل كبير بشنب أبيض شايل بيبي مولود على صدره. وفي ظهر الصورة مكتوب 3 كلمات:
“إميت ورين.. 3 أسابيع.”
– “هو شالني..” رين همست.
ودان داتش اتحركت.
– “هو كان يعرفني!”
رين قضت معظم طفولتها فاكرة إن أب أمها رفضها هي وأمها. ساندرا شرحت لها الموضوع ده وهي عندها 13 سنة: “جدك كان راجل قاسي يا حبيبتي، قطع علاقته بأمك، ولما مات حاولنا نتصل بيه ما كانش مهتم.”
رين تفتكر إنها سألتها وقتها: “هو سأل عليا؟”
وساندرا ردت في ساعتها: “لا.” وأبوها جاريث كان باصص في طبق الأكل!
دلوقتي رين بصة لصورة نفسها وهي نايمة في حضن إميت. فيه حد مسح اللحظة دي من حياتها.. فيه حد قرر إنها من الأفضل تصدق إن اللحظة دي ما حصلتيرة أصلاً.
في قعر الصندوق المعدن كان فيه مفتاح نحاس صغير. ما كانش بيركب في الصندوق الحديد.. رين جربت، وما ينفعش.
الصبح، بدأت تدور في الكوخ بتركيز أكبر.
ورا ستارة خيش قديمة في الحيطة الورانية، لقيت باب. وراه كان فيه ورشة.. الملحق ده كان واخد طول الكوخ تقريباً. بنك شغل تقيل تحت شبابيك عليها تراب، أدوات إيد متنعلقة على لوحة خشب، ومريلة جلد متنعلقة على شوية معالق خشب.
نشارة الخشب لسه ملفوفة تحت البنك.
في النص، كان فيه كرسي هزاز مش كامل.
رين قربت ببطء.. كان جميل. القعدة والظهر كانوا كاملين، والإيدين متقشطة بس ما اتفنشتش.
ورقة تعليق كانت متدلية من الجنب:
“لـ رين.. لما تيجي. فنشي الإيدين.”
رين فضلت واقفة مكانها فترة طويلة. الراجل اللي قالوا لها إنه مش عايزها، كان بيعمل لها كرسي! مش هدية غالية، ولا حاجة منظرة.. كرسي. حاجة معمولة بالإيد لزيارة في المستقبل كان لسه مصدق إنها ممكن تحصل.
تحت بنك الشغل، رين لقيت كرسي صغير بتاع أطفال. قلَبته.. محفور تحت منه بحروف مش مظبوطة اسم أمها: SYLVIA.
أمها اشتغلت هنا.. اتعلمت هنا.. وقعدت هنا.
رين مسكت أزميل من بتوع إميت. اليد كانت ناعمة من كثر الاستعمال.. لفّت إيدها عليه.
ولأول مرة من ساعة ما عربية جاريث اختفت في الطريق، الكوخ ما كانش باين إنه فاضي.
رجعت للترابيزة، وفتحت حزمة الجوابات اللي جابتها من البدروم.
كانوا عشرات الجوابات! كل ظرف مكتوب عليه اسم:
الآنسة رين سيلور
عنوان بيت طفولتها.. البيت اللي عاشت فيه من يوم ما اتولدت لحد اليوم اللي ساندرا وجاريث جابوها فيه الجبل.
التواريخ ترجع لسنين ورا.. أعياد ميلاد، كريسماس، وشهور عادية في النص.
وكل ظرف راجع عليه ختم:
RETURN TO SENDER – NO LONGER AT THIS ADDRESS
(يرد للراسل – لم يعد يقيم في هذا العنوان)
رين بصت للكلمات دي.. دي كدبة! هي عمرها ما عزلت!
وعلى أظرف أحدث، الكلمات كانت مكتوبة بخط الإيد: “مش عايزين دول، يرد للراسل.”
رين عرفت خط ساندرا في ساعتها.. نفس الحروف المدورة اللي بتشوفها في طلبات البقالة ورسائل الثلاجة.
فتحت ظرف.. وبعدين الثاني.. والثالث.
إميت كان بيكتب عن الجبل، التلج، الكلب، شغل الخشب، وعيد ميلادها. جواب فيه ورقة بـ 2 دولار ووردة مجففة: “اشتري لنفسك حاجة هبلة، كل بنت لازم تعمل كده كل فترة.”
جواب ثاني فيه صورة للكرسي الهزاز وهو لسه بيتعمل: “شغال فيه.. الشغل البطئ دايماً بيبقى شغل نظيف.”
كل جواب كان بيرجع.. وإميت كان بيحتفظ بيهم كلهم.
رين قرت لحد ما اللمبة قربت تطفي. اللي كسرها ما كانش بس قسوة اللي عملته ساندرا.. كان صبر إميت. سنة ورا سنة، بيكتب لحفيدته اللي عمرها ما ردت، وسنة ورا سنة، حد بيرجع له جواباته.. وهو مستمر بيكتب!
الصبح، رين قررت تنزل البلد. مافيش تليفون شغال، ولا عربية. والمحامي اللي إميت قال عليه على بعد 11 ميل.
ملت برطمان مية، حطت الجواب الأولاني وصورتين جوه جاكتتها، هدت النار، وبدأت تمشي.
داتش جه معاها.
– “المفروض تفضل هنا.” رين قالت له.. وهو طنشها ومشى.
الطريق كان اختفى تقريباً تحت التلج. رين فضلت ماشية وسط الشجر. ساعتين وهي بتعافر في التلج وداتش بيمشي جنبها وهو بيزج. مرتين وقفت عشان هو محتاج يرتاح.
المرة الثالثة، سمعت صوت موتور.
عربية كسّاحة تلج قديمة كانت طالعة ناحيتهم. السواق بطّأ.. راجل بدقن بيضا ومقلمة صوف نزل الشباك. بص لـ رين، وبعدين لـ داتش:
– “انتي البنت اللي قاعد في مكان إميت فوس؟”
رين هزت راسها:
– “أنا ماشية للبلد.”
الراجل بص للتلج اللي مغطي جزمتها:
– “في الجو ده؟!”
– “معيش عربية.”
– “اركيبي.”
رين اترددت، فالراجل شاور على داتش:
– “والكلب كمان.. قبل ما انتو الاتنين تتجمدوا.”
العربية كان ريحتها ديزل، قهوة، وجوانتيات شغل. أول ميل، الراجل ما اتكلمش كتير. بعدين بص لـ داتش اللي كان محشور جنب رجل رين.. ملامحه اتغيرت:
– “يا حلاوة!”
– “فيه إيه؟”
– “ده كلب إميت!”
رين بصت تحت:
– “أنت تعرف داتش؟”
– “أعرفه من يوم ما إميت جابه.. أنا ويندل (Wendell).”
وطى وطبطب على داتش ورا ودنه:
– “أنا بحاول أأكل الفصيل ده وأخليه عايش من ساعة ما إميت اتوفى الشتا اللي فات. أأكله وأدخله جوه، ألف وشي يختفي!”
– “يروح فين؟”
– “يطلع الجبل تاني.. 11 ميل طلوع عشان يقعد على البلكونة دي.” بص للكلب: “كنت عارف إنه مستني حد.”
رين بصت من الشباك.. الشجر بيعدي زي خيال رمادي. ويندل كمل كلامه، يمكن عشان حس إنها مش قادرة تتكلم:
– “إميت عمل السرير الهزاز اللي حفيدتي نامت فيه وهي بيبي.. وما رضي يقبل مني مليم. أنا كنت بكسح له الطريق في الشتا ونقول زاي بعضها، بس عمرها ما كانت زاي بعضها.. انتي شبه سيلفيا.”
صدر رين اتخنق:
– “انت كنت تعرف أمي؟”
– “أعرفها من يوم ما كانت بتطلع الكرسي ده لوحدها.. كانت بتنزل مع إميت.”
رين بصت لإيديها:
– “أنا لقيت الورشة بتاعته.”
ويندل ابتسم ابتسامة خفيفة:
– “لسه الكرسي موجود؟”
– “الكرسي الهزاز؟”
– “فضل يتكلم عن الكرسي ده سنين.”
رين بلعت ريقها:
– “هو كان بيعمله عشاني.”
– “هو قال كده برضه.”
البلد كانت عبارة عن شوية محلات متجمعة على الطريق السريع. ويندل وقف قدام محل بقالة وعلف صغير:
– “ادخلي جوه، فاي (Fay) هتكون عايزه تشوفك.”
– “مين فاي؟”
– “هتعرفي جوه.”
الجرس رن لما رين دخلت. ست شعرها أبيض ورا الكاونتر رفعت راسها.. وذُهلت.
طلعت من ورا الكاونتر وقالت بصوت واطي:
– “يا الله.. انتي بنت سيلفيا.”
– “أنا رين.”
– “عارفة..”
فاي مسكت إيدين رين المثلجين:
– “أنا عارفة انتي مين من اليوم اللي اتولدتي فيه.”
قعدت رين جنب صوبة الخشب. الأكل نزل من غير ما رين تطلب: شربة، عيش ذرة، وقهوة. وفاي وطت أكلت داتش حتت لحمة وهي بتتكلم:
– “جدك كان بينزل من الجبل ده مرة كل شهر لـ 30 سنة.. يشتري قهوة، جاز، دقيق، وكل حاجة محتاجها. وكل مرة يدخل، كان بيشوف البوسطة..”
– “عشان يشوف لو فيه جواب مني؟”
فاي هزت راسها:
– “كان عنده أمل.”
رين بصت في القهوة:
– “هو كتب لي.”
– “عارفة.”
– “هما رجعوا الجوابات.”
فاي وقفت:
– “كلهم؟”
– “لقيتهم تحت الأرضية.”
فاي فضلت ساكتة:
– “كنت بستغرب.. يا رب، كنت بتمنى تكوني أخدتي جواب واحد على الأقل.”
– “مرات أبايا كانت بتكتب عليهم بنفسها.”
فاي غمضت عينها لحظة.
رين سألت السؤال اللي كان كابس على نفسها:
– “ليه أمي سابته؟”
فاي سكتت شوية قبل ما ترد:
– “أمك كان عندها 17 سنة وتحب أباكي. وإميت كان كبريائه عالي، وأمك ورثت كل كبرياء فيه. اتخانقوا خناقة شديدة، وقال كلام ندم عليه، وهي مشيت.”
– “يعني هو طردها؟”
– “مش بالطريقة اللي حكوهالك.. هو كان متوقع إنها تهدى وترجع، وهي كانت متوقعة إنه يروح يتدور عليها. ولا واحد فيهم أتحرك الأول. ولما إميت حاول، كان الوقت فات.”
– “بس هو شالني وأنا بيبي.. لقيت صورة.”
– “سيلفيا جابتك مرة واحدة بس بعد ما اتولدتي على طول. افتكر إنها بداية جديدة، بس ما عرفوش يظبطوها.. بس هو شال اللحظة دي في قلبه.”
– “وأبويا قال إن إميت كان بيكرهه.”
– “عمرهم ما حبوا بعض، دي حقيقة.”
– “وأمي؟”
– “إميت كان بيحب أمك لحد اليوم اللي مات فيه.. وبعد ما سيلفيا ماتت، انتي كنتي الحتة الفاضلة له منها.”
رين بصت ناحية داتش:
– “طب ليه ما جاش ياخدني؟”
– “حاول يتصل بأباكي، حاول يبعت جوابات، وحاول عن طريق ناس في البلد. في الآخريه فيه حد أقنعه إنك اتربيتي على كرهه وإنك مش عايزه تعرفيه.”
– “بس فضل يكتب..”
– “كل سنة..” فاي ابتسمت ابتسامة حزينة: “الراجل ده كان ناشف الراس لدرجة تخلي الحيطة أطرى منه! ساعات الناشفية بتبوظ الحاجات، وساعات بتخلي الواحد يخبط على الباب بعد ما كل الناس تكون مشيت.”
مكتب المحامي كان فوق محل حديد وبويات. المحامي ورا المكتب اتفاجئ لما رين قالت اسمها.. وبعدين ارتاح.
فتح درج وطلع ملف:
– “أنا بحاول أوصل لك من فترة.”
– “جوابات؟”
– “كانت بترجع برضه.”
جوه الملف كان فيه وصية إميت. الكلام كان بسيط:
الكوخ، الورشة، المحتويات، و160 فدان.. كل حاجة لـ رين سيلور.
وكان فيه أوراق ضرائب بتقول إن الأرض خالصتها تمام، وحساب صغير متشال عشان مصاريف الترِكة.
وكان فيه كمان جوابات من شركة خشب كانت عايزة تأخد حتة الأرض الشمالية من سنين.. المحامي ورّا رين العرض المعروض.
رين قرت الرقم مرتين.. عمرها ما شافت رقم بالضخامة دي!
– “الأرض تسوى كل ده؟”
– “شركة الخشب شايفه كده.”
– “أبويا كان يعرف؟”
المحامي اتردد:
– “أباكي ومراته زاروا المكتب هنا في شهر مارس اللي فات.”
رين رجعت ظهرها لورا ببطء:
– “كانوا عايزين إيه؟”
– “كانوا فاكرين إن أباكي ممكن يكون ورث عن طريق أمك.”
– “بس ده ما حصلش.”
– “لا.”
– “أنت قلت لهم كده؟”
– “قلت لهم إن وصية إميت كانت واضحة وصريحة.”
المكعبات بدأت تتركب في دماغ رين.. شغل أبوها كان بيقع من سنة تقريباً. شافت عربيات السحب بتاخد عربيتين بتوع الشركة في الخريف. ساندرا بدأت تبيع عفش على النت. الخناقات على الفواتير كانت شغال ورا الأبواب المقفولة..
وبعدين فجأة، يعرضوا على رين الكوخ! “بداية جديدة”.. مكان ورثته من “عيلة بعيدة”.
كانوا عارفين! عارفين من مارس!
رين بصت للمحامي:
– “ما يقدروش يبيعوا من غيري.”
– “لا.”
– “ما يقدروش يقبلوا عرض شركة الخشب.”
– “لا.”
– “وما يقدروش يمضوا أي حاجة بدالي.”
– “انتي عندك 19 سنة.. لا.”
رين افتكرت تليفونها وهو بيدخل في جيب ساندرا.. فلوسها.. علبة أمها.. الكوخ الثلج.. بنت معزولة على بعد 11 ميل من البلد.
– “كانوا فاكرين إن هترعب.”
المحامي ما ردش.
– “فاكرين إنهم هيسيبوني هناك لحد ما أخاف وأوافق أمضي على أي حاجة.”
المحامي شبّك إيديه:
– “ما أقدرش أقولك نيتهم كانت إيه.”
– “مش محتاج تقول.”
جواب إميت كان محذرها: “هيقُولوا لك إن المكان ده ما يسواش حاجة.. ما تصدقيش كلام حد.”
المحامي جاب ورقة ثانية من الملف:
– “جدك ساب الملاحظة دي مع تعليمات الوصية.. تخص عرض شركة الخشب.”
رين رفعت راسها:
– “قال إيه؟”
– “قال إن لو حد ضغط عليكِ عشان تبيعي، أفكّرك إنه رفض الشركة دي لسنين.”
– “ليه؟”
– “ما كانش عايز الخشب اللي في الجبل يتقطع.”
رين افتكرت الشجر العتيق اللي فوق الكوخ.. التلج النازل على فروعه.. داتش النايم جنب الصوبة.. الورشة.. كرسي أمها.. والكرسي الهزاز اللي مستني يكمل.
لأول مرة اليوم ده، رين عرفت حاجة واحدة ببيان كامل:
– “أنا كمان مش عايزة أبيع.”
المحامي هز راسه:
– “يبقى ما تبيعيش.”
ويندل رجّع رين قبل ما الليل يليل. ساب شكارة أكل على البلكونة وخد منها وعد ما تمشيش في الطريق ده لوحدها تاني.
قبل ما تدخل، رين اتفرجت على كسّاحة التلج وهي بتختفي بين الشجر. الكوخ كان شكله اتغير دلوقتي.. مش لأنه اتغير في الحقيقة، بس لأنها عرفت قيمته. ده مش مجرد المكان اللي أبوها رماها فيه.. ده المكان اللي جدها كان بيتمنى إنها تلاقيه في يوم من الأيام.
بالليل، رين اكتشفت المفتاح النحاس بيفتح إيه.. درج غويط تحت بنك الورشة. جوه كان فيه أقلام رصاص قديمة، صندفرة، شوية بنط شنيور، ومفتاح حديد فلات طويل.
المفتاح ده فتح الصندوق الحديد!