جدي وجدتي حصري روايات رولا

​«جدودك كبروا خلاص على سفرية زي دي؛ الأحسن نروح أنا وأختك».
​الكلمات دي نزلت على صدر ماريسول زي جردل مية بتلج. مش عشان سمعتها من حد غريب، لأ، دي طلعت من بؤ أمها “غراسييلا”، وقبل يومين بس من أهم رحلة في حياتها.
​طول 4 سنين، ماريسول كانت بتطحن في الشغل وكأن جسمها مبيوجعهاش. بتدي دروس خصوصية الصبح، وبتشتغل ويتر في مطعم بالليل، وفي الإجازات بتعمل حلويات بالطلب وتبيعها. كل ده عشان تحوش حوالي 360 ألف بيزو.
​الفلوس دي مكنتش عشان تجيب عربية، ولا تعمل عملية تجميل في مناخيرها، ولا تروح تتفسح في كانكون مع أصحابها.
الفلوس دي كانت لجدها “إرنيستو” وجدتها “خوسيفينا”.
​كانوا لسه مكملين 40 سنة جواز وعمرهم ما خرجوا بره المكسيك. طول عمرهم ونفسهم يشوفوا البحر من ناحية تانية، ويركبوا سفينة سياحية (كروز)، ويصحوا الصبح يشوفوا المية من الشباك.
​— «هيجي اليوم يا خوسيفينا»، كان الجد بيقولها وهو بيصلح نفس الخلاط للمرة التالتة. «هيجي اليوم ونروح حتى لو بس عشان نتفرج على السفن».
​بس “اليوم ده” مكنش بييجي أبداً. دايماً كان فيه ديون، عيا، قسط جامعة، مصيبة تطلع لغراسييلا، أو طلب ومزاج لـ “بريندا” أخت ماريسول الصغيرة.
لأن في العيلة دي، الجدود كانوا هما اللي بيشيلوا كل الليلة دايماً.
​لما غراسييلا سابت شغلها، هما اللي دفعوا الإيجار. ولما بريندا كانت عايزة تعمل حفلة “الـ 15 سنة” بفستان فخم، الجدة باعت حلقان أثرية عندها. لما أي حد يحتاج ضامن، لقمة، رعاية، أو حد يستحمله ويسامحه، كانوا هما أول ناس واقفين.
​ماريسول كانت الوحيدة اللي واخدة بالها من حاجة: محدش بيرد ليهم الجميل ده أبداً.
​عشان كده حجزت ليهم رحلة كروز في البحر المتوسط: برشلونة، نابولي، وسانتوريني. كابينة ببلكونة، تأمين طبي، خدمة خاصة، وعشاء لذكرى جوازهم. كل حاجة باسم الجدين.
وكانت مجهزة المفاجأة يوم الأحد، مع شوية قراص وقهوة في بيتهم.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​لكن قبل السفر بيومين، ماريسول راحت بيت أمها عشان تاخد صور جوازات السفر اللي نسيتها هناك بالغط. أول ما دخلت، شافت شنطتين سفر مفتوحين على الكنبة، وبريندا واقفة قدام المراية بتقيس نظارات شمس كبيرة.
​— «أنتم رايحين فين؟» ماريسول سألت.
أمها حتى مكسفتش وهي بترد:
— «رايحين الكروز، خلاص اتكلمنا في الموضوع. جدودك مش هيستمتعوا بالرحلة دي، دول بيتعبوا وهم رايحين السوق. إنما أنا وبريندا أولى وهنعرف نستغلها صح».
​بريندا ضحكت وقالت:
— «وبعدين تخيلي شكلي في الصور في سانتوريني، هبقى قمر! نبقى نوري الجدود الفيديوهات لما نرجع».
​ماريسول بصت لأمها وكأنها أول مرة تشوفها على حقيقتها، بعد ما قضت سنين بتبرر ليها تصرفاتها.
— «الرحلة دي مش بتاعتكم».
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أمها حطت الكوباية على الترابيزة وقالت:
— «بلاش دراما، أنا بنتها، ولو حد يستحق يتبسط فهو أنا. هما خلاص عاشوا حياتهم».
​الجملة دي كسرت حاجة جوه ماريسول.
مصوتتش، مبكيتش، كل اللي عملته إنها طلعت تليفونها ودخلت الحمام وقفلته بالمفتاح، وكلمت “دييغو” صاحبها من أيام الجامعة واللي شغال في شركة الملاحة.
​— «عايزة أقفل الحجز تماماً ومحدش يقدر يغير أسامي المسافرين»، قالت بصوت بيترعش.
دييغو سكت ثواني وسألها:
— «أمك؟»
— «آه».
— «خلاص، اعتبري الحجز مأمن ومقفول تماماً».
​لما ماريسول طلعت، أمها كانت مبتسمة ومفتكرة إنها كسبت خلاص.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— «كويس إنك فهمتِ»، الأم قالت.
ماريسول ابتسمت هي كمان، بس ابتسامة مفيهاش أي طيبة:
— «آه يا ماما، فهمت كويس أوي».
​بالليل، أخدت جدودها يتعشوا وسلمتهم الظرف الدهبي. الجدة بكت لما قرأت كلمة “بلكونة”، والجد قلع نظارته 3 مرات عشان مش مصدق عينيه.
​اللي مكنش حد يعرفه، إن غراسييلا وبريندا هيسافروا برشلونة وهم مقتنعين إنهم هيعرفوا يخدوا الرحلة منهم على باب السفينة.
​كنتم هتعملوا إيه لو أمكم حاولت تسرق هدية زي دي من جدودكم؟ لأن اللي حصل بعد كده قسم العيلة نصين.
​الجزء الثاني
​رحلة الطيران لإسبانيا كانت كوكتيل من التوتر، الحنية، والخوف. الجد مسبش إيد الجدة طول ما الطيارة بتطير، رغم إنه كان بيحلف إنه مش خايف.
​— «أنا بس متأكد إن الطيارة دي ماشية دغري ومش هتحود»، قالها وهو بيضحك بصوت واطي.
الجدة كانت لازقة وشها في الشباك زي الطفلة:
— «بص يا إرنيستو… السحاب شبه غزل البنات».
​ماريسول كانت بتبص عليهم من الكرسي اللي جنبهم وحست إن تعب الـ 4 سنين، والشغل بالليل، والجزام المقطوعة، والحفلات اللي فاتتها، وحتى الأيام اللي اشتغلت فيها وهي سخنة… كل ده هان قدام اللمعة اللي في عيون جدودها.
​أول ما وصلوا برشلونة، الجد لبس قميصه اللبني اللي مبيطلعش غير في الأفراح والمناسبات الكبيرة. والجدة كانت لابسة فستان مشجر ماريسول اشترتهولها من وراها.
​لما السفينة الكروز ظهرت قدامهم—حاجة ضخمة، بيضا، ببلكونات شبه العلب المرصوصة فوق المية—الجدة وقفت مش قادرة تمشي.
— «مش معقول نكون احنا اللي هنركب البتاع ده!».
— «لأ معقول يا جدتي»، ماريسول قالتلها. «جوه مستنيينكم».
​كانوا واقفين في طابور التشييك لما ماريسول شافتهم.
غراسييلا وبريندا دخلوا الميناء بشنط جديدة، وقبعات مبالغ فيها، والضحكة من الودن للودن. وبريندا كانت بتصور فيديو بموبايلها.
​— «يا جماعة، وصلنا برشلونة! أحياناً الدنيا بتكافئك لما تعرف تجلب الطاقة الإيجابية والوفرة لحياتك».
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
ماريسول جزت على سنانها. من بعيد، دييغو شافها وعملها إشارة بإيده: كله تحت السيطرة.
​غراسييلا قربت وكأن ماريسول موظفة متأخرة في شغلها:
— «كويس إنك هنا، هاتي الأوراق عشان نغير الأسامي».
الجدة وطت راسها في الأرض، والجد وقف ساكت.
— «مفيش تغيير أسامي»، ماريسول ردت بكل برود.
​بريندا ضحكت بصوت عالي:
— «أوه، بلاش حركاتك دي، مش هتعملي لينا فضيحة دولية هنا».
الأم راحت علطول على موظفة الحجز، وطلعت الباسبور بثقة تسيح الدم.
​الموظفة عملت سكان للباسبور:
— «يا فندم، مفيش أي حجز بالاسم ده».
غراسييلا برقت:
— «شوفي تاني كده».
الموظفة شافت تاني، وأخدت باسبور بريندا:
— «ولا الاسم ده كمان موجود».
​بريندا نزلت الموبايل وبطلت تصوير:
— «يعني إيه مش موجود؟ الرحلة مدفوعة!».
— «أيوة»، الموظفة قالت. «بس الركاب المسجلين هما إرنيستو أغيلار وخوسيفينا أغيلار».
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​الجد أخد خطوة لقدام، وقال بصوت واطي بس كله هيبة وحسم:
— «احنا هما».
​التفتت غراسييلا لماريسول وعينيها بتطق شرار:
— «أنتِ عملتِ كده عشان تكسري عيني وتصغريني قدام الناس!».
​ماريسول كان جوه نفسها كلام كتير عايزة تقوله؛ إنها مصغرتهاش، وإن اللي يحاول يسرق حلم عواجيز هو اللي يصغر نفسه. بس سكتت.
اللي اتكلمت كانت الجدة:
— «غراسييلا، أنتِ بجد شايفة إنك تستحقي السفرية دي أكتر مننا؟».
​السؤال فضل رامي تقله في المكان.
غراسييلا جزت على سنانها وقالت:
— «يا أمي أنتِ مش فاهمة، أنا عشت حياة صعبة أوي».
الجد ضحك ضحكة حزينة:
— «وعشان كده افتكرتِ إننا لازم نفضل ندفع تمن حياتك الصعبة دي طول العمر؟».
​بريندا حاولت تتدخل:
— «يا جدو كبر مخك، أنتم كنتوا هتتعبوا من المشي أصلاً».
الجدة رفعت راسها وبصت لها:
— «احنا تعبنا طول حياتنا واحنا بنشيلكم ونربيكم. دلوقتي بقى عايزين نتعب واحنا بنبص على البحر».
​الموظفة سلمتهم تذاكر الصعود بكل أدب:
— «دون إرنيستو، دونيا خوسيفينا، منورين السفينة».
​غراسييلا مدت إيدها وكأنها لسه قادرة توقفهم:
— «لو ركبتوا السفينة دي، مفيش حد فيكم يرجع يطلب مني حاجة تاني».
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ماريسول كانت هترد، بس الجد وقفها، وطلع من جيب جاكتته ظرف متطبق:
— «سبحان الله يا بنتي، احنا كمان كنا بنفكر في نفس الحاجة بالظبط».
​غراسييلا بصت للظرف، ولأول مرة ملامحها اتغيرت؛ مبقاش غضب، بقى رعب.
لأن جوه الظرف ده مكنش فيه تذاكر ولا فلوس ولا اعتذار. كان فيه حاجة كفيلة تهد أقدم كذبة في العيلة دي.
​تفتكروا كان فيه إيه جوه الظرف؟ شاركونا رأيكم، لأن الجزء الأخير هيفهمنا غراسييلا كانت خايفة من إيه بالظبط.
​الجزء الثالث
​غراسييلا مكنتش عايزة تاخد الظرف في الأول.
— «بلاش فضايح يا بابا»، قالت وهي بتتلفت حواليها.
الجد رد بصوت هادي:
— «الفضيحة أنتِ اللي عملتيها لما جيتي لغاية برشلونة عشان تسرقي حلم أمك».
​بريندا كانت بتبص يمين وشمال، خايفة حد يكون بيصور. يا للمفارقة: هي اللي كانت بتعمل محتوى وفيديوهات من وجع الناس، دلوقتي بقت عايزة الأرض تنشق وتبلعها.
​الجدة أخدت الظرف وحطته في إيد غراسييلا بالعافية:
— «افتحيه».
​جوه الظرف كان فيه صور لكشوف حسابات بنكية، وصولات قروض، ورسالة الجد كان مضى عليها من 12 سنة. ماريسول مكنتش تعرف أي حاجة عن الموضوع ده.
غراسييلا قرأت أول ورقة ووشها جاب ألوان وصفّر تماماً.
​من سنين، لما ادعت إن بيتها هيضيع، جدود ماريسول سلفوها فلوس من مكافأة نهاية الخدمة وتحويشة العمر. بعد كده طلبت تاني، وبعدين قرض تاني، وخليتهم يمضوا على ورق بحجة “حماية أملاك العيلة”.
بس الحقيقة كانت صدمة: غراسييلا استغلت اسم أبوها وأمها عشان تسدد ديون مشاريعها الفاشلة، وفيزا المشتريات، ومصاريف بريندا ودلعها. الجد عرف الموضوع متأخر، بس سكت ومبلغش عنها عشان ميفضحش بنته وعشان بيحبها.
​— «سكتنا عشان العيلة متبوظش»، الجدة قالت. «بس العيلة كانت دبلانة وبايظة أصلاً، احنا بس اللي كنا بنمثل».
​غراسييلا بدأت تعيط، بس عياط قهر وخوف مش ندم؛ عياط حد حس إن السيطرة راحت من إيده.
— «أنا كنت مزنوقة ومستنية فرصة».
— «واحنا كمان كنا مزنوقين»، الجد رد عليها. «بس عمرنا ما سرقنا أحلامك».
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ماريسول حست بنغزة في قلبها. طول السنين دي كانت فاكرة إن جدودها فقراء بسبب حظهم الوحش، ومكنتش تعرف إن أمها هي اللي كانت بتسرقهم وبتفضّي جيوبهم أول بأول.
​دييغو قرب منهم بذوق وقال:
— «وقت الصعود جه يا جماعة».
الجد لم الورق وقفل الظرف:
— «لما نرجع المكسيك، هنقعد مع محامي. مش هنمضي على ورقة تانية، مش هنشيل ديون حد، ومش هنعيش في مكان بنتعامل فيه كأننا حمل تقيل أو كراكيب».
​غراسييلا بصتله وقالت:
— «هترفع عليا قض..ية؟».
الجدة ردت بهدوء يوجع أكتر من الزعيق:
— «هنحط لك حدود. لو أنتِ شايفة الحدود دي قض..ية، يبقى ده صوت ضميرك هو اللي بيتكلم».
​وبعدها، سابوهم ومشوا على ممر السفينة.
ماريسول كانت ماشية وراهم، شايلة شنطة الأدوية والباسبورات. وقبل ما تدخل، بصت وراها بةة أخيرة؛ غراسييلا كانت قاعدة على دكة في الميناء، والظرف في حجرها، وبريندا مكنتش بتصور ولا بتعمل أي حركات للموبايل، لأول مرة مكنش معاها فلتر ولا كابشن تكتبه.
​السفينة طلعت مع وقت الغروب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وطول الـ 10 أيام، الجد والجدة عاشوا أيام كأن العمر رجع بيهم لورا. فطروا قدام البحر، ورقصوا على أغنية قديمة في صالة المحاضرات، وفي سانتوريني الجدة اشترت برنيطة بيضا وقالت:
— «طول عمري كنت فاكرة إن الراحة دي قلة أدب وكسل».
الجد مسك إيدها وقالها:
— «فهمونا غلط يا خوسيفينا».
​لما رجعوا المكسيك، نفذوا كلامهم بالظبط؛ وبمساعدة محامي، ألغوا كل التوكيلات، وأمنوا بيتهم وحساباتهم. غراسييلا اضطرت تقسط ديونها وتستوعب إنها مش هتعرف تستغلهم تاني كبنك. وبريندا باعت العربية اللي كانت بتتباهى بيها على السوشيال ميديا عشان تسدد جزء من الفلوس.
​الموضوع مكنش انتقام وصراخ زي المسلسلات، كان حاجة أقوى بكتير: عواقب حقيقية وأفعال.
​بعد كام شهر، الجدة علقت في الصالة صورة من الكروز، وهي والجد واقفين قدام البحر بيضحكوا زي المراهقين.
ماريسول بصت للصورة وعيونها دمعت:
— «أنا آسفة إني اتأخرت عليكم كل ده عشان أعملكم الرحلة دي».
الجدة خدتها في حضنها وقالتلها:
— «أنتِ مديتناش رحلة يا بنتي، أنتِ فكرتينا إننا لسه بني آدمين لينا قيمة، ومش مجرد حصالة فلوس متحركة على الأرض».
​من ساعتها، غراسييلا مبقتش تتصل كتير، وبقت تستأذن قبل ما تيجي. وبريندا مسحت فيديوهات كتير من عندها ونزلت تشتغل شغلانة حقيقية. محدش بقى مثالي، بس فيه حاجة مهمة اتغيرت: الجدود مبقوش صندوق الطوارئ بتاع العيلة.
​وماريسول فهمت إن حبك لعيلتك مش معناه إنك تسيبهم يسرقوا عمرك وحياتك. ساعات، أكتر تصرف فيه حب هو إنك تشتري تذكرتين، وتقفل الباب في الوقت الصح، وتسيب الناس اللي عايزين يركبوا ببلاش واقفين على الرصيف في الميناء.
​أنتم إيه رأيكم؟ موافقين على اللي ماريسول عملته، ولا كان لازم تسامح أمها وأختها من الأول؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *