يوم راس السنة 1
الفصل الأول:
الساعة ستة ونص بالظبط ليلة رأس السنة، جوزي اتصل بيا سبعتاشر مرة في خلال اتناشر دقيقة.
ما عملتش الموبايل صامت. قعدت بس على الكرسي الخشب جنب رخامة المطبخ، ماسكة مج الفخار اللي مكسور منه حتة صغيرة بين إيديا، وببص على الشاشة السودة وهي بتهتز فوق الرخام. “طارق”.. الاسم ينور، يختفي ويروح للبريد الصوتي، ويرجع ينور تاني في ساعتها. مع كل هزة، الموبايل كان بيتحرك ملي بعيد، زي حشرة محبوسة بتخبط في الإزاز.
ما رديتش. لأول مرة من سبعة وعشرين سنة، ما كنتش واقفة في مطبخ سميرة الكبير واسع المدى في المعادي، مستحملة ريحة الصواني المحروقة وريحة المنظفات القوية. ما كنتش برتب الفوط على السفرة ولا بهدي طفل بيعيط، في الوقت اللي مصطفى—أخو طارق الكبير—كان بيتكرع كاسه التالت قبل ما الأكل حتى يطلع من الفرن.
كنت في بيتي. لابسة سويت شيرت رمادي واسع ودبلان عند الكوعين، وشراب صوف، وقاعدين في هدوء مالي المكان.
بره، كانت المطرة الخفيفة ابتدت تنزل في زايد، في الحي الهادي اللي ساكنين فيه.. بيوت شبه بعضها، جنيناتها متظبطة. على مدار تقريباً تلات عقود، حياتنا هنا كانت ماشية برتم ملل زي الساعة. طارق شغال في نقل البضائع والمعدات، يقضي أسبوعه يتفاوض على خطوط الشحن ويسلم على فلان وعلان في المناطق الصناعية. وأنا شغال تلات أيام في الأسبوع بمسك الحسابات والدفاتر لعيادة أسنان أطفال صغيرة في الشيخ زايد. بندفع الفواتير في ميعادها، وبنشتكي من غلاء الزبدة في السوبر ماركت، وربينا بنتنا “إنجي” لحد ما بقت عروسة وشغالة وقاعدة في شقتها في التجمع.
أي حد يبص علينا من الشباك، يشوفنا الصورة النموذجية للعيلة المستقرة مرتاحة المادية.
بس اللي الجيران عمرهم ما شافوه، كان الضريبة الخفية اللي بتتدفع في كل عزومة وكل عيد.
الموضوع بدأ من سبعة وعشرين سنة بشغف وحماس. لما تكون عندك خمسة وعشرين سنة ولسة متجوزة جديد، بتتلخبطي بين الانصياع والمودة. بتبقي فاكرة إنك لو جيتي بدري ومقشرة البطاطس، ولو افتكرتي إن ندى بتحب العصاير الفريش ومصطفى بيحب المشروبات الغازية، ولو بلعتي كلام سميرة اللي زي السم بابتسامة وهدوء، هتعرفي تشتري مكانتك في قلوبهم.
”رانيا شاطرة وبتسد،” سميرة كانت بتقولها لما العيلة تتجمع حوالين سفرتها الأروك القيمة. ما كانتش بتقولها مدح، كان تكليف. هو حد بيشكر الشغال إنه بيمسح الأرض؟ هو المتوقع منه إنه ينفذ ومن غير ما يشتكي.
لما وصلت لخمسة وأربعين سنة، حتى الكلمتين دول اختفوا، وبقى بدالهم نكد وقرف. لو رومي العزومة اتأخر ربع ساعة، يبقى أنا حاسبة وقت الفرن غلط. لو السفرة زحمة، كان المفروض أأجر كراسي أكتر من أول الأسبوع. لو ركب سميرة وجعتها، يبقى أكيد عشان الملح زيادة في الشوربة اللي عملتها بنفسي من الألف للياء.
”رانيا بتتوتر بسرعة،” طارق كان بيهمهم لإخواته وهو بيضحك ببرود وهو ساند على الباب وماسك كباية الشاي، وسايبني لوحدي على الحوض مع جبل صواني العزومة اللي عايزة تدعك. “أنتم عارفينها.. بتشيل نفسها فوق طاقتها، وبعدين تقلب الجو نكد وقلق.”
ليلة العيد اللي فاتت كشفت العفن اللي كان بياكل في جوازنا بالبطيء.
قضيت تلات أيام بطبخ، وأشتري، وأشيل كراسي وتربيزات من المخزن عشان سميرة نسيت تحجزهم. دفعت يجي خمسة آلاف جنيه في لحمة وعيش وحلويات من محل شيك في الزمالك، وغلفت اتنين وتلاتين هدية للولاد والبنات وإخواته، وظبطت السفرة على سنكة عشرة على الساعة خمسة.
ولما العزومة خلصت، سميرة حطت شوكتها على الطبق بصوت يرن.
”الرقاق بارد يا رانيا.”
وقفت جنب السفرة، وماسكة الفوطة في إيدي المجهدة. “كان على السخان بقاله ثلث ساعة يا طنط.. أنتم اللي تأخرتم في الصالة.”
ندى، أخت طارق الصغيره، ضحكت وهي بتشرب العصير. “يا ماما خلاص، كبري دماغك.”
سميرة ما بصتش لندى. عينها كانت عليا، باردة وقاسية. “أنا مش بكبر ولا بصغر. أنا بقول اللي شايفاه. العيد زمان كان ليه فرحة وبجة.. دلوقتي بقى شبه تقضية واجب وإدارة عمليات.”
بصيت لطارق، مستنياه يتكلم. ده جوزي. ده اللي شايفني ونايمة على ترابيزة المطبخ الإمبارح بالليل والقلم في إيدي، بظبط مصاريف البيت مع فواتير العزومة.
طارق خد بق شاي وبص الناحية التانية. “رانيا هي اللي بتوتر نفسها،” قالها قدام الكل. “عشان كده الجو بيبقى مشحون.”
دمي هرب من وشي. “الجو مشحون؟”
”أنتِ فاهمة قصدي يا حبيبتي،” قالها بابتسامته السلسة اللي بيتحايل بيها على الزباين الصعبين في الشغل. “بلاش نعمل مشكلة.”
بالليل، في ضلمة الأوضة، لما سألته ليه عمره ما دافع عني، طارق قلع جزمته بأففة طالعة من قعر زوره. “عشان دي أمي يا رانيا! عندها أربعة وسبعين سنة. أنتِ ليه لازم تقلبي كل حاجة لمعركة؟”
”أنا مرتك!” همست بصوت مخنوق.
”ممكن نعدي الليلة دي؟” دندن وهو بيسحب اللحاف عليه. “أرجوكي.. بلاش نكد دلوقتي.”
الجملة دي بقت المعزوفة الرسمية لجوازنا. ممكن متتكلميش عن أمي؟ ممكن متتكلميش عن المصاريف؟ ممكن متسأليش ليه أنا اللي بشيل وأحط وأنتِ وعيلتك قاعدين على الكنبة؟
لحظة الانفجار ما جتش بصريخ. جت في يوم تلات مغيم في نص نوفمبر.
طارق دخل المطبخ، بيفك لياقة القميص، ويدور في التلاجة على أكل بايت. ومن غير ما يبصلي، قال: “ماما كلمتني النهاردة.. العزومة عندها السنة دي تاني.”
كنت قاعد على الترابيزة والقلم في إيدي بظبط ميزانية رأس السنة. “تمام،” قلت بهدوء.
”هي شايفه إنك المفروض متعمليش مجهود السنة دي،” كمل وهو بيطلع طبق الأكل.
بصيتله، وفيه شرارة أمل دفت صدري. “جدع! والله ياريت، نعملها بوش كافية وكل حد يجيب أكلة معاه.”
طارق قفل باب التلاجة وما جتش عينه في عيني. سند على الرخامة وهو بيمسح رقابته حركة التوتر المشهورة عنده. “يعني.. مش بالظبط. ماما شايفه إن الكل يشارك اه، بس بصراحة يا رانيا.. هي شايفه إنك تكبري دماغك وتقعدي المرة دي.”
القلم في إيدي وقف. السن علم على الورقة ونقط نقطة سودة تقيلة. “أكبر دماغي؟”
”أنتِ عارفة أنتِ بتوتري نفسك إزاي،” قالها بنبرة هادية ومدروسة، زي ما بيكلم طفل مش فاهم. “بتتقمصي، وتهري نفسك، وبعدين بتجيبي معاكي الطاقة التقيلة دي للبيت. الكل بيبقى قاعد خايف يغلط. ماما بس قالت… يمكن نعرف نعمل عيد هادي السنة دي. عيد بسيط.”
بصيتله. صوت الموتور بتاع التلاجة كان الطالع الوحيد في السكوت اللي بيننا. “أنت قصدك إنكم عايزيني أقعد في البيت وما أجيش.”
”أنا بقول إن الاستراحة هتبقى كويسة للكل،” رد بلباقة. “وليكي أنتِ بالذات. أنتِ دايماً بتشتكي إنك تعبانة ومجهدة، أهو جالك من ربنا.”
بعدها بأسبوع، في عزومة فطار عملتها سميرة، الست الكبيرة أكدت الكلام بنفسها وهي بتشرب القهوة. طبطبت على إيدي بأصابع ناشفة. “إحنا بس عايزين راحتك يا حبيبتي. ندى والعيال هيسدوا. أنتِ انتخي في البيت وارتاحي.”
محدش فيهم بص في وشي. ندى كانت بتبص على ضوافرها، مصطفى بيدهن المربى، وطارق بيبص في فنجانه باهتمام.
هما ما كانوش عايزين يرثوا لتعبي. هما كانوا عايزين العزومة من غير وجود الست اللي بتفكرهم باللي بيتدفع وبالمجهود.
ماشية، فكرت مع نفسي، وبرود غريب مسك في ضلوعي. عايزين العيد من غيري؟ تعالوا نشوف هيطلع إزاي.
دلوقتي، الساعة 6:42 بالظبط ليلة العيد، المكالمة السبعة عشر خلصت، والشاشة طفيت. وبعد ثانية، رنة البريد الصوتي طلعت.
مسكت المج، شربت بق قهوة دافي، ودست على السبيكر.
صوت طارق طلع في المطبخ الهادي، عريان من كل مظاهر السيطرة الشيك بتاعته. كان مشدود، مقطوع النفس، ومخنوك من الفزع.
”رانيا؟ أنتِ فين يا هانم؟ ردي زفت! إحنا في البيت ومفيش حاجة خالص هنا! الحلواني في زايد بيقول مفيش أوردر باسمنا! والمطعم مش بيرد! رانيا ردي—عندنا مصيبة!”
ما مدتش إيدي لمفاتيح العربية. ما مدتش إيدي للبالطو.
بدال كده، حطيت المج، ومديت إيدي تحت الرخامة، وطلعت فايل أكورديون مليان فواتير وإيصالات لسبعة وعشرين سنة فاتت.
وفي اللحظة دي، التليفون رن تاني. اسم المتصل المرة دي كان: سميرة.