بما إن شغلي بيجيب فلوس أكثر منك
— “بما إن شغلي بيجيب فلوس أكثر منك، فمن النهاردة البيت كله ومسؤوليته عليكِ لوحدك. ولو مش عاجبك، في أي وقت أقدر ألاقي ست غيرك تعرف إزاي تخدم جوزها وست بيتها.”
نورهان وقفت مكانها مش بتتحرك في وسط المطبخ، وشنطتها لسه على كتفها.
كانت لسه راجعة من الشغل بعد ما قضت يجي 10 ساعات في شركة شحن وتفريغ في التجمع. رجلها كانت بتوجعها، وجعانة ومفيش في دماغها غير إنها تاخد دش، تاكل أي لقمة وتنام.
بس حسام، جوزها بقاله 4 سنين، كان قاعد على ترابيزة المطبخ وبإيده كوباية الشاي، ووشه بيتكلم بكل جدية وكأنه بيعلن قرار مجلس إدارة.
— “أفندم؟” — سألته وهي مش مصدقة.
— “زي ما سمعتي. أنا ببدض تقريباً ضعف مرتبك، فملهاش أي معنى إن أرجع أكنس ولا أغسل أطباق ولا أطبق غسيل. أنتِ ست البيت.”
نورهان ضحكت ضحكة خفيفة وهي فاكراه بيهزر.
بس هو مكنش بيهزر خالص.
لحد الأسبوع ده، كانوا مقسمين شغل البيت بالعدل تقريباً. هي تطبخ أكثر، وهو يغسل الأطباق. يوم الجمعة ينضفوا سوا. ولو حد رجع متأخر، التاني بيتصرف في العشا.
— “إحنا الاتنين بنشتغل” — نورهان ردت — “وكون إنك بتقبض أكثر ده مش معناه إني برجع من شغلي مرتاحة ومستجمية.”
حسام ربع إيده وقال:
— “مصطفى صاحبي بيقول إن مراته سمر فاهمة الأصول كويس جداً. يرجع يلقى الأكل سخن، الهدوم متوضبة، والبيت بيبرق… سمر عارفة مقامها وقدرها صح.”
مصطفى ده كان زميل حسام في الشغل، من نوعية الرجالة اللي بيحولوا أي قعدة قهوة أو خروجة بين الأصحاب لمقارنة ومنافسة مين بياخد مرتب أكبر، ومين عربيته أحدث، ومين كلمته ماشية في بيته.
— “سمر مابتقلّبش عيشها ولا بتشتغل بره البيت” — نورهان ردت عليه.
— “مش فارقة. المهم الفكر والمبدأ. مصطفى بيقول إن الست اللي تحترم جوزها بجد مش بتقعد تعدله غسل كام طبق وكوباية.”
نورهان حسّت بحاجة مريرة وبتوجع وقفلت في صدرها.
— “يبقى روح اتجوز مصطفى أسهل، عشان واضح إنك بقيت بتسمع كلامه أكثر ما بتسمعني.”
حسام خبط خفيف على الترابيزة بصباعه:
— “بلاش دراما وعياط. أنا بفهّمك بس الأمور المفروض تمشي إزاي.”
وبعدين شاور على البوتاجاز:
— “على فكرة أنا ما تعشيتش. سخنيلي بقية أكل إمبارح، واعمليلي كوباية شاي ثانية.”
نورهان فضلت بصاله لعدة ثواني وهي ساكتة.
بعدها حطت شنطتها، مشيت لحد التلاجة، طلعت إزازة مياه ليها ودخلت على أوضة النوم.
— “نورهان!” — حسام زعق — “وعشايا فين؟”
قفلت الباب من غير ما ترد بكلمة.
تاني يوم الصبح، ما عملتش فطار برضه.
حسام طلع المطبخ وهو باصص للترابيزة الفاضية باستغراب:
— “هو مفيش بيض ولا أي حاجة اتعملت؟”
— “نازلة بدري عشان عندي شغل.”
— “وأنا هاكل إيه يعني؟”
نورهان رفعت عينها من الموبايل:
— “أنت راجل البيت والممول الأساسي، متأكدة إنك هتعرف تتصرف في فطار لنفسك.”
وش حسام احمرّ من الغيظ:
— “افضلي أسلوبك ده، وما تتفاجئيش لما أروح ألاقي اللي تبدّلك وتعرف قيمتي.”
الجملة دي بالذات كانت هي القشة اللي خلتها تأخد قرارها.
في بريك الشغل كلمت سمر.
— “عايزة أسألك سؤال غريب معلش” — نورهان قالت — “هو بجد أنتِ اللي بتعملي كل حاجة في البيت عشان مصطفى هو اللي شايل ومشي البيت كله؟”
على الناحية الثانية كان فيه صمت لثواني.
وبعدين سمر انفجرت في الضحك:
— “هو مصطفى قالك كده؟”
— “حسام حاطك المثل الأعلى للزوجة المطيعة اللي المفروض أمشي على خطاطيها.”
سمر كركرت من الضحك تاني:
— “يا نورهان، ده فيه واحدة بتجيلي 3 أيام في الأسبوع تنضف البيت كله. والهدوم ببعتها الدراي كclean، وبطبخ مرة كل أسبوعين بالعافية، وبقية أيام الأسبوع بنطلب أكل دليفري من الأبلكيشن!”
نورهان مسكت الموبايل جامد:
— “يعني كل كلامه عن إنك مطيعة وبتسمعي الكلام…؟”
— “شو ومنظرة قدام أصحابه مش أكثر! بيموت في دور السي السيد والراجل الشديد لما يكونوا قاعدين مع بعض.”
في الليلة دي، نورهان استنت حسام لما خلص إسطوانته المعتادة عن إنهم عايشين “بفضل مرتبه وفلوسه بالأساس”.
ساعتها ابتسمت ووردت عليه:
— “تمام جداً. تعال نعمل تجربة. لمدة شهر كامل، كل واحد فينا يعيش ويصرف من مرتبه هو بس.”
حسام رفع حواجبه:
— “أنتِ قد الكلام ده؟”
— “أه. كل واحد يدفع مصاريفه الشخصية، والمصاريف المشتركة تتقسم بالورقة والقلم. وساعتها نشوف مين اللي محتاج التاني ومتربي في خيره فعلاً.”
حسام ضحك بتكبر وشوفينية:
— “موافق. بس ده أنتِ كلها أسبوعين وهتيجي تترجيني عشان أديكي فلوس.”
— “ولو طلع العكس وأنت اللي مش عارف تكمل الشهر؟”
ابتسم بفرعونة وثقة:
— “ده مستحيل يحصل.”
— “يبقى نتراهن.”
حسام وافق: لو نورهان خسرت، هتعمله كل عزومات ومشويات اللحمة اللي يطلبها مرتين في الأسبوع. ولو حسام هو اللي خسر، يرجع يشارك في شغل البيت عادي، ووقفة الحمام وتنضيفه بالكامل تبقى مسؤوليته هو لوحده لمدة كم شهر.
سلموا على بعض باليد.
حسام كان باصصلها بثقة وكأنه حاسم النتيجة من قبل ما تبدأ.
اللي مكنش يعرفه، إن نورهان كانت عارفة بالقرش والجنيه كل مليم بيدخل ويخرج من البيت ده.
ولما قعدت تحسب الحسبة بالليل بالورقة والقلم، اكتشفت حاجة حتى هي نفسها مكنتش تتوقعها خالص.
مكنتش مصدقة اللي على وشك إنه يحصل…
الجزء 2
في أول كام يوم، حسام كان بيمشي في البيت بابتسامة مستفزة ومش طايق نفسه من الثقة. كان شايل مبلغ على جنب للبنزين والأكل والمصاريف الشخصية، وهو متأكد ومتطمن إن الفلوس كمان هتقفص وهتفيض منه.
— “بصي واتعلمي” — قال لنورهان بثقة — “الموضوع كل اللي محتاجه شوية إدارة وشطارة مش أكثر.”
نورهان ما دخلتش معاه في نقاش. كل يوم الصبح كانت بتعمل فطار بسيط من الجزء المتفق عليه لميزانية الأكل: بيض، فول، عيش، وخضار الموسم. مفيش بقية القهوة الغالية اللي حسام كان متعود يشتريها، ولا بسطرمة، ولا لحوم مخصوصة، ولا عصائر ومشروبات مستوردة.
أول يوم جمعة، حسام فتح الخزينة بتاعة المطبخ:
— “هي القهوة بتاعتي فين؟”
— “خلصت.”
— “طب اشتري غيرها.”
— “الفلوس اللي أنت محددها للأكل مش هتكفي الماركة دي خلاص.”
حسام بص لها وكأنها بتتكلم لغة ثانية غريبة:
— “يعني أشرب إيه دلوقتي؟”
— “فيه قهوة سريعة الذوبان (نسكافيه) عادية.”
بعدها بيومين، رجع من الشغل وقصّة شعره جديدة ومظبوطة:
— “دفعت يجي 800 جنيه” — اشتكى بضيق — “كل حاجة بقت نار والأسعار ولعت!”
نورهان ابتسمت:
— “صاحبتي اللي بتقصلي شعري بتاخد مني أقل من كده بكثير عشان أنا بساعدها في تصميمات لشغلها. عمرك ما سألتني أنا بوفّر وبدير المصاريف إزاي.”
وكان فيه قطعة تورتة محطوطة على الترابيزة، حسام شاور عليها:
— “وإيه دي بقى؟”
— “اشتريتها لنفسي.”
— “منين وبفلوس مين؟”
— “بفلوس مرتبيي أنا.”
— “أه! يعني عشان دلعك ونفسك الفلوس موجودة وبتطلع!”
نورهان فتحت الدرج وطلعت الفواتير والإيصالات:
— “دي كل مليم صرفته من المصاريف المشتركة. راجعهم ورقة ورقة.”
حسام مسكهم وراجعهم، وما لقاش غلطة واحدة ولا جنيه مش في موضعه.
بعد أسبوع حصلت حاجة كشفت المستور أكثر. نورهان كانت بتمشي حساب السوبرماركت، ولما جيت تدفع بكارت البنك المخصص للمصاريف المشتركة، الكارت اترفض! اضطرت تدفع الشروة كلها من كارتها الشخصي.
أول ما وصلت البيت واجهت حسام:
— “أنت استعملت الكارت المشترك؟”
حسام تهرب من عيونها:
— “يمكن دفعت بيه حاجة بالغلط.”
— “حاجة إيه؟”
— “مش عارف… بنزين… أكل… أنتِ عارفة الكروت كلها شبه بعض.”
نورهان ما ردتش، بس كانت فاهمة وبصامة كويس على اللي حصل: حسام فلوسه خلصت وإفلاس.
الأيام اللي بعدها، بقى يرجع البيت بدري. وفجأة مابقاش يتأمر ولا يترفع على أطباق السلطة. مابقاش يطلب ناكل بره أو نطلب دليفري، وحتى بقية الأكل كان بيشيلها بنفسه عشان ياخدها معاه الشغل تاني يوم.
ولما أخد سلفة من القبض، غروره ورجعله معنوياته تاني:
— “أنا كده اتعلمت الدرس صح. الشهر ده هظبط الميزانية بالمسطرة.”
بعدها بيومين اثنين بس، دفع بنزين، وشيك على العربية وعمل صيانة، ودفع نفقة بنته من جوازته القديمة، وشارك في هدية عيد ميلاد البنت. الفلوس تبخرت وطارت تاني في الهواء!
في ليلة من الليالي، نورهان سمعت صوته جاي من الطرقة:
— “يا إسلام… ينفع تسلفني 3 آلاف جنيه؟ هردّهملك أول ما أنزل القبض…”
نورهان وقفت مكانها. كانت قاعدة من شروط التجربة إن محدش يستلف من بره.
حسام وطي صوته أكتر:
— “أصل فيه حوار كده مع نورهان… هبقى أحكيلك بعدين.”
رجعت نورهان للصالون من غير ما تعمل أي صوت.
بعد 20 دقيقة، ظهر حسام قدامها:
— “نورهان… محتاج منك سلفة صغيرة كدة.”
نورهان قفلت الكتاب اللي كانت بتقراه بشويش:
— “يعني معترف إنك خسرت الرهان؟”
— “لا طبعاً! أنا بس جاتلي مصاريف طارئة مش في الحسبان.”
— “والسلفة اللي لسه طالبها من إسلام دلوقتي؟”
وش حسام جاب ألوان واصفرّ:
— “أنتِ سمعتي؟”
— “سمعت اللي يكفيني.”
سكت وما عرفش يرد. نورهان افتكرت إنه أخيراً هيستسلم ويعترف بالحقيقة. بس حسام جزّ على سنانه وقال بغل:
— “ده مش بيثبت أي حاجة! أنتِ أكيد مخبية فلوس على جنب.”
الكلمة دي خلت ابتسامة نورهان تختفي تماماً:
— “أنت شايف كده؟”
— “ما أصل مش منطقي إنك وأنتِ بتقبضي أقل مني، يكون معاكي تجيب فستان وتعملي باديكير ومانيكير وتخرجي، وأنا مش لاقي!”
نورهان وقفت على حيلها:
— “يبقى بكرة الصبح هنراجع كل حاجة بالورقة والقلم.”
— “نراجع إيه؟”
— “مصاريفك، ومصاريفي، ومصاريف السنة اللي فاتت كلها.”
حسام ضحك ضحكة متوترة:
— “عشان إيه يعني؟”
نورهان فتحت دوسيه كانت بتجهز فيه بقالها أسابيع وحطته على الترابيزة:
— “عشان لقيت بلاوي وأنا بحسب الحسبة.”
حسام بص للدوسيه، وملامح وشه اتغيرت تماماً. ولما لمح أول إيصال ملفوف فوق، نفسه اتقطع لثواني.
اللي كانت نورهان على وشك إنها توريهوله مكنش بس هيحدد مين اللي خسر الرهان… ده كان هيثبت مين اللي كان شايل ومشي البيت ده بجد طول السنين اللي فاتت.
الجزء 3
حسام قرب من الترابيزة وإيده بتترعش وهو بيفتح الدوسيه.
أول ورقة سحبتها نورهان كانت كشف حساب بنكي مفصل لآخر سنتين.
— “بص كويس يا حسام” — نورهان قالت بنبرة هادية بس ثقيلة — “عارف دي إيه؟ دي كشوفات الحساب المشترك اللي كنا بنحط فيه مصاريف البيت. أنت طول الوقت فاهم إنك بتدفع ضعف اللي أنا بدفعه عشان مرتبك أعلى.. صح؟”
حسام بلع ريقه وما ردش.
نورهان شاورت بالقلم على الأرقام:
— “الحقيقة إنك كملت السنتين دول بتحوّل المبلغ كامل أول الشهر، وبعدها بأسبوع بالكتير بتبدأ تسحب منه كاش لـ ‘مصاريفك الشخصية’! بنزين عربيتك، قعدات القهوة مع مصطفى وأصحابك، نفقة بنتك، وأي حاجة تخصك أنت لوحدك.. كل ده كان بيطلع من حسابتنا المشتركة!”
فتحت صفحة ثانية في الدوسيه وحطتها قدام وشه:
— “دي بقى إيصالات الفيزا بتاعتي أنا. طول السنين اللي فاتت، لما فلوس الحساب المشترك تخلص بسببت سحوباتك الشخصية، مين اللي كان بيدفع فواتير الكهربا، والغاز، والنت، وشروة السوبرماركت الثقيلة بتاعة الشهر؟ أنا! من مرتبي ‘القليل’ اللي كنت بتقلل منه قدام أصحابك!”
حسام وشه بقى شاحب تماماً، وبدأ يتلعثم:
— “أنا.. أنا مكنتش باخد بالي.. الكروت كانت بتتلخبط معايا، وبعدين أنا راجل ورايا التزامات بـ…”
قاطعته نورهان وهي بترفع إيدها:
— “التزاماتك تخصك أنت يا حسام. المشكلة مش إنك بتصرف على بنتك أو عربيتك، المشكلة إنك كنت بتاخد من قوت البيت ومصاريفي عشان تصرف على نفسك، وفي الآخر تيجي تقف في المطبخ وتعايرني وتقولي ‘أنا ببدض ضعف مرتبك وأنتِ مجرد ست بيت تخدميني’!”
سكت حسام تماماً، وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه فيها. كل كبريائه وغروره الشكلي قدام أصحابه اتبخر في لحظة.
— “الرهان خلاص اتعرف مين اللي خسره” — نورهان كملت بصوت حاسم — “من بكرة الصبح، شغل البيت هيتقسم بالنص زي ما كنا زمان، وتنضيف الحمام هيبقى مسؤوليتك أنت لوحدك زي ما اتفقنا. ده غير إن الحسابات هترجع بالورقة والقلم والمليم.. يا إما كل واحد فينا يروح لحاله وتشوف ‘الست’ اللي هتقبل تتخدع الشوية دول.”
حسام قفل الدوسيه بشويش، وقام من غير ما ينطق حرف واحد، ودخل المطبخ بدأ يلم الأطباق ويغسلها بنفسه وهو ساكت.
ومن اليوم ده، عمر حسام ما فتح بؤه كلمة “أنا الممول” أو جاب سيرة مصطفى ومراته في البيت تاني.