لو خلفنا
—لو في يوم خلفنا، هيبقى عشان ربنا عمل معجزة معايا أنا، مش معاكي أنتِ.
جوزي “سامح” قال لي الجملة دي كتير أوي لدرجة إنها انطبعت في مخي وصدقتها وعشت بيها.
عشان كده، لما شفته طالع من مركز تخصيب وطب أجنة في المهندسين، وإيده محطوطة على بطن واحدة ست حامل، حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي.
أنا كنت رايحة هناك لوحدي عشان عندي معاد مع الدكتورة “ماجدة عبد السلام”. كان عمري 42 سنة، وبقالي يجي عشر سنين متجوزة من غير خلفة. زمان، سامح أخدني في الدوكش وأكد لي إن التحاليل والفحوصات أثبتت إن عنده عقم شديد وحالته ميئوس منها. عمره ما وراني الورق كامل. كان بيقول لي إن الموضوع بيجرح رجولته وبيموته من الخجل، وأنا من حبي ليه قدرت مشاعره وسكت وما ضغطتش عليه.
من 3 شهور بس، بدأ يغير كلامه وطريقته.
—يمكن المشكلة مش عندي لوحدي يا نيفين.. أنتِ كمان ما بقيتيش صغيرة ووصلتي للاربعينات.
الجملة دي قطعت في قلبي ووجعتني أوي، وعشان كده قررت أروح أطمن على نفسي من وراه ومن غير ما أقول له.
وأنا قاعدة مستنية دوري، خرجت أتمشى في الممر وشفت المشهد.
سامح ما شافنيش لأني لحقت أستخبى ورا عمود رخام. الست الحامل كان اسمها “ولاء الجمال”؛ عرفت اسمها لما الممرضة نادت عليها بصوت عالي عشان تديها شوية فحوصات وورق نسيته. سامح شال عنها الشنطة، وشال خصلة شعر نازلة على وشها، وقبل ما باب الأسانسير يقفل، باسها من راسها.
وبعدها، لما نزلت وراهم وراقبتم في الجراج، شفتهم بيبوسوا بعض من بؤهم.
تليفوني رن بمسج في نفس اللحظة.
”الاجتماع مع الموردين طول قوي وشكلها سهرة. هتأخر.. اتعشي أنتِ وما تستنينيش.”
ما بكيتش.. ما نزلتيش دمعة واحدة وقتها.
دخلت للدكتورة وأنا بحلم بكابوس. الدكتورة كشفت عليا ورجعت للتاريخ الطبي بتاعي، وبعد الفحص المبدئي قالت لي بمنتهى البساطة إن مفيش أي سبب طبي يمنعني من الحمل أو يخليني مأخلفة كل السنين دي. قالت لي أكيد محتاجين نعمل تحاليل زيادة، بس الجملة الأولى دي لوحدها نزلت عليا زي المية الساقعة وشلتني.
قبل ما أخرج من العيادة، اندفعت وسألتها.
—دكتورة.. معلش، الزوجين اللي كانوا عندك قبلي.. الست الحامل.. هي متابعة مع حضرتك من زمان؟
الدكتورة ماجدة اترددت.
—يا مدام ما ينفعش أتكلم عن خصوصية المرضى.
—أنا فاهمة والله.. بس أرجوكي.
يمكن شكل وشي اللي كان رايح في داهية هو اللي خلاها تصعب عليها، فقالت بسرعة:
—اللي أقدر أقولهولك بس إن ده مش أول حمل ليها معانا.
الحمل الثاني.
سامح، الراجل اللي مفهمtot إنه “شبه عقيم”، مستني طفله التاني من ست تانية.
طلعت تجري على أبويا، “حاج رفعت”، صاحب شركة كبيرة لتوزيع المواد الغذائية، والشركة دي سامح شغال فيها بقاله 8 سنين ومسك فيها منصة نائب مدير.
لما حكيت له كل حاجة، ضرب بإيده على المكتب بغل.
—الندل ده بكرة الصبح مش هيدخل الشركة تاني وهرميه بره!
—لا يا بابا.. بلاش دلوقتي.
—يعني ايه لا؟!
—لو طردته النهاردة حايعرف إن كل حاجة اتكشفت. أنا عايزة أفهم حاجة الأول: الفلوس دي كلها جت منين عشان يصرف على بيت تاني وعيلة كاملة من ورايا طوال السنين دي؟
أبويا سكت وما ردش.
سامح كان بياخد مرتب كبير، بس في نفس الوقت كان بيسحب مبالغ ضخمة جداً من حسابنا المشترك في البنك، وكان حجته دايماً إنه بيبعتها لدكاترة كبار ومراكز طبية ومصاريف علاجات غالية.
في نفس اليوم بالليل، المدير المالي في الشركة راجع كل العقود والتوريدات اللي سامح كان بيمضي عليها ويوافق عليها.
الساعة تمانية الصبح تاني يوم، أبويا حط ورقة قدامي على الترابيزة.
شركة صغيرة وهمية كانت بتاخد ملايين الجنيهات تحت بند “استشارات تسويق وتوزيع” بقالها 3 سنين.
صاحب الشركة دي كان اسمه “إسلام الجمال”.
حسيت إن نفسي اتكتم وروحي بتتسحب.
—ولاء الحامل اللي شفتها.. كان أسرjها “الجمال”.
أبويا رفع عينه وبص لي بصة رعب.
ولما اكتشفنا إن إسلام ده يطلع أخو الست الحامل اللي جوزي مقعدها في بيته، فهمت إن الخيانة دي كانت مجرد قشرة من بره.. والياقي أوسخ بكتير.
ما كنتش متخيلة أبدًا البلاوي اللي كنا على وشك نكتشفها.
عايز تعرف إيه اللي حصل بعد كده؟
:
الجزء 2
التفتيش والمراجعة في الشركة بدأوا في السر والكتامان. “نهى عادل”، مراجعة حسابات من بره الشركة، طلبت كل العقود، الفواتير، الإيميلات، والتقارير والموافقات بتاعة آخر تلات سنين. ما كانتش عايزة اتهامات ولا كلام عائلات؛ كانت عايزة ورق ومستندات. والورق بدأ يتكلم ويشهد.
شركة “إسلام الجمال” كانت بتاخد فلوس وعمولات عشان تجيب للشركة عملاء هم أصلاً شغالين معانا وبيتعاملوا معانا من قبل ما هو يظهر في الصورة أساساً! وفي حالات تانية، التقارير كانت بتوصف الفواتير بأنها “خدمات واستشارات استراتيجية” من غير ما تشرح إيه الشغل اللي اتعمل بالظبط. فيه اتنين موظفين في الحسابات شكوا في المبالغ دي وحاولوا يوقفوا الصرف، بس سامح بنفسه تدخل وأمرهم فوراً بفك الحجز وصرف الفلوس.
في الليلة دي رجعت البيت وأنا بمثل إن مفيش أي حاجة حاصلة. سامح دخل عليا وبوكيه ورد في إيده.
—الاجتماع كان يقطع الخلف ونشف ريقي —قالها وهو بيصب لنفسه كوباية مية—. بكرة هنكمل كلام ومفاوضات معاهم.
قعدت أسمعه وهو بيكدب وبيألف أسماء وأرقام وخناقات عمرها ما حصلت. وبعدها زود وقال:
—على فكرة، أنا بفكر أرجع أتابع تاني مع دكتور التخصيب اللي كنت بروح له.. يمكن يكون فيه أدوية ولا تقنيات جديدة طلعت.
ضغطت على كوباية المية في إيدي بقوة عشان ما أرميهاش في وشه.
—أكيد.. روح.
وهو بياخد دش، دخلت وفتحت حسابنا المشترك في البنك وراجعت السحوبات. من أربع سنين كان فيه مسحوبات كاش بـ 120 ألف، و180 ألف، ووصلت لـ 300 ألف جنيه! أنا فاكرة الشهور دي بالمللي: سامح كان بيمثل إنه راجع البيت مكسور ومهموم، ويقول لي إن محاولة العلاج والفرصة الأخيرة فشلت. وكنت بأخده في حضني وأفضل أطبطب عليه بالساعات. وقتها بس شكيت إن “العلاجات” دي هي اللي دفعت مقدم شقة، أو سرير بيبي، أو مصاريف ولادة عيله التاني.
تاني يوم حصلت حاجة أوحش. أمن تقنية المعلومات في الشركة اكتشف إن سامح دخل بالليل على الأرشيف الرقمي وفتح بالظبط الفولدرات والملفات بتاعة شركة إسلام الجمال. عرف إن فيه حد ينبش وراه.
أبويا استدعاه لمكتبه عشان مواجهة ورسميات. سامح أنكر إن فيه أي مخالفات، وقعد يتكلم عن “نتائج غير ملموسة للشركة”، واتهم الكل إنهم متآمرين عليه وعايزين يطفشوه لأسباب شخصية.
وهو طالع من مكتب أبويا، بص لي بثبات وقسوة:
—بالليل لينا كلام مع بعض.. أنتِ بتخباي عني حاجة يا نيفين.
بس قبل ما أواجهه، طلعت على بيت أمه، “الحاجة سحر”.
—أنا جاية أسألك عن “مالك” —قلت لها مباشرة.
كوباية الشاي ثبتت في إيدها والمية اتدلقت منها.
—مالك مين؟
تعبير وشها كان هو الإجابة. مالك كان عنده أربع سنين. الحاجة سحر كانت عارفاه وتعرفه كويس. كانت بتقعد مع ولاء وتزوره. كانت عارفة بالعلاقة دي من ست سنين، وعارفة كمان بالحمل التاني.
—سامح وعدني إنه هيطلقك أول ما الوقت المناسب يجي —تمتمت بصوت واطي.
—وحضرتك كنتِ بتيجي بيتي في العيد، وتقعدي على سفرتي، وتشوفيني بعيني وأنا ببتكلّم وببكي عشان مش عارفة أكون أم؟!
—ده ابني يا نيفين.. كنتِ عايزاني أعمل إيه يعني؟
—ما تساعديهوش إنه يدمرني.. دي كانت أقل حاجة تعمليها!
لما عرفت إن أبويا بيفحص العقود والحسابات، قلقها ما كانش عليا ولا على خرابان بيتي.
—ده كده هيخسر منصبه، والعربية بتاعة الشركة، والرمصرف الشديد اللي بياخده! مين هيصرف عليه وعلى بيته بعد كده؟!
ساعتها بس فهمت إنها طول السنين دي ما كانتش بتحمي ابنها ولا عيلته.. دي كانت بتحمي سبوبة ومميزات.
في الليلة دي واجهت سامح.
في الأول أنكر إن عنده عيال. وبعدها لما حاصرته اعترف إن مالك ابنه، وإن البيبي اللي ولاء حامل فيه ابنه هو كمان.
—أنا كان نفسي أكون أب —قالها بمنتهى البجاحة.
—طاب ولما أنت كان نفسك تكون أب، ليه فهمتني وطول عمرك بتقولي إنك عقيم؟!
—في الأول خالص كان فيه تقارير بتقول كده.
—وريهاني.. وريني تقرير واحد!
ما كانش معاه أي حاجة يوريها لي.
سألته سؤال ما كانش في بالي أساساً، بس طلع من حرق دم:
—طالما بقالك ست سنين معاها.. عمرك ما خفت إن أنا أحمل بالغلط وأكتشف كدبتك دي كلها؟
سامح بطل يبص في عيني وسكت.
السكوت ده جمد الدم في عروقي أكتر من الخيانة نفسها.
—أنت عملت إيه يا سامح؟!
—ما تفتحيش في موضوعات ملهاش لازمة..
—أنت عملت إيه عشان تتأكد وتضمن إن أنا ما أحملش أبداً؟!
أخد كام ثانية عقبال ما ينطق. ولما فتح بؤه وتكلم، فهمت إن العيلة التانية والخيانة ما كانوش أسوأ سر في جوازنا.. السر الحقيقي كان أبشع بكتير.
حبايبي، يهمني جداً أسمع رأيكم في التعليقات قبل ما أنزل الجزء الثالث والأخير! ❤️الجزء 3 والأخير
أخد نفس طويل وبص في الأرض، وقال بنبرة باردة كأنها سكين بتدبحني:
—كنت بحطلك مانع حمل في العصير والمية كل يوم.. من سنين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. عقلي ما كانش قادر يستوعب الفجر والغل ده. الراجل اللي كنت بأمنه على حياتي وبنام جنبه في سرير واحد، كان بيبخ في جسمي سموم ومواد هرمونية بانتظام عشان يضمن إن دعواتي وأحلامي في إني أكون أم تموت قبل ما تتولد!
كان بيشوفني ببكي بين إيديه وأنا بدعي ربنا يرزقنا بطفل، ويطبطب عليا وهو عارف إنه هو السبب.. هو اللي بيجهض حلمي بأيده كل يوم.
ما صرختش.. وما عاتبتش. السكوت اللي نزل عليا كان أشبه بسكون الموت.
قمت من قدامه بمنتهى الهدوء، فتحت الدولاب وأخدت شنطة هدومي وورقي الش any شخصي، وخرجت من البيت وهو ينادي عليا ويحاول يمسك إيدي، بس بصلتله بصة واحدة خلت إيده تتجمد في مكانها.
تاني يوم الصبح، كانت الحرب بدأت بشكل رسمي وعلى كل الجبهات:
في الشركة: التقرير النهائي بتاع المراجعة المالية اتسلم للنيابة العامة. سامح اتحول للتحقيق بتهمة اختلاس أموال الشركة، والتزوير في محررات رسمية، والاستيلاء على الملايين عن طريق شركة وهمية باسم نسيبه “إسلام الجمال”. وبأمر من النيابة، اتعمل حظر سفر عليه وتم التحفظ على أمواله وممتلكاته.
في الطب الشرعي والقضاء: رفعت قضية طلاق للضرر، ومعاها بلاغ للنيابة باتهامه بالتسبب في أذى بدني ونفسي متعمد وإطعامي مواد طبية بدون علمي. الدكتورة ماجدة قدمت شهادتها بالتحاليل اللي عملتهالي، وتقرير الطب الشرعي أثبت وجود ترسبات وهرمونات بتركيزات معينة في جسمي.
في حياته الشخصية: العمارة والرفاهية اللي كان بيبنيها على حسابي ودم قلبي انهارت في لحظة. الشقة اللي كان شاريها لـ “ولاء” اتعرف إنها مدفوعة من فلوس الشركة الاختلاس، وحجزت عليها النيابة.
لما أدرك إن محبوس محبوس، وإن منصبه وفلوسه وسمعته راحوا في داهية، بدأ يترجاني ويتصل بأبويا عشان يتنازل. أمه “الحاجة سحر” جازت لغايد باب بيتنا وهي بتبكي وبتبوس إيد أبويا عشان نسحب البلاغات وما يدخلش السجن.
أبويا بص لها وقال كلمة واحدة:
—ابنك ما رحمش بنتي لما حرمها من الأمومة ودمر صحتها 10 سنين.. القانون مش هيرحمه.
بعد 8 شهور من الجلسات والقضايا:
صدر حكم بالسجن المشدد على سامح وإسلام الجمال بتهمة الاختلاس والنصب.
اتطلقت منه رسمياً وأخدت كل حقوقي والمؤخر والتعويض المالي اللي أقرته المحكمة عن الأضرار اللي لحقت بيا.
ولاء لما لقت الملايين طارت والسبوبة خلصت وسامح رايح السجن، أخدت ابنها والبيبي الجديد ورفعت عليه قضية نفقة وخلع وسبته لمصيره.
بعد سنة..
أنا النهاردة عندي 43 سنة. العلاج أخد وقت عشان جسمي يتعافى من الآثار الجانبية للأدوية اللي كان بيحطهالي، بس الدكاترة أكدوا لي إن رحمي سليم تماماً وإن الأمومة لسة ممكنة.
سافرت، ورجعت مسكت إدارة التسويق في شركة أبويا، وبدأت أتنفس من جديد.
أتلمت جروحي، ومش بس كده.. أنا عرفت إن أعظم انتقام مش إنك تؤذي اللي أذاك، أعظم انتقام إنك تخليه يشوفك بتزهر وتنجح وتعيش مبسوط من غيره، وهو بياكل في نفسه ورا القضبان.