بعد سجنه
قصة حقيقية وواقعية حدثت في مصر💔 بعد ثماني سنوات في السجن، خرج عادل ورجع لبيت جدته في قرية صغيرة بالصعيد، يحمل شنطة قديمة وكل ما يملكه فوق كتفه، لكنه عندما وصل للبيت الذي كان يتخيله كما تركه، وجده مهدومًا ومهجورًا… وداخله طفلة صغيرة تعيش وحدها ولا يعرف أحد سر وجودها.
كان المطر قد توقف قبل وصوله بقليل، والطريق الترابي المؤدي إلى آخر القرية تحول إلى طين يلتصق بالحذاء، وعادل يمشي ببطء، لا بسبب تعب الطريق فقط، بل لأن قلبه كان يرتجف من لحظة اللقاء التي انتظرها ثماني سنوات.
خرج من السجن قبل ساعات، والناس في محطة الأتوبيس كانت تنظر إلى ملابسه الباهتة ووجهه المتعب وكأنهم يقرأون ماضيه على جلده، لكنه لم يكن يهتم، كان كل ما في رأسه صورة واحدة: جدته أمينة وهي تفتح الباب وتقول له: “رجعت يا ضنايا”.
جدته كانت الوحيدة التي لم تتخل عنه يوم دخل السجن، الوحيدة التي زارته في أول سنة رغم تعبها، والوحيدة التي بعتت له جوابًا كل شهر تقول فيه إن البيت مستنيه وإن ربنا أكبر من ظلم الناس.
لكن عندما ظهر البيت في نهاية الطريق، شعر أن شيئًا داخل صدره انقبض.
الشبابيك مكسورة، الباب الخشبي مائل، السور واقع في أكثر من مكان، والحوش الذي كانت جدته تزرع فيه الريحان والنعناع صار مليئًا بالحشائش الطويلة والقمامة.
همس عادل وهو يقترب: “لا… بيت جدتي ما كانش كده”.
وقف أمام الباب لحظة، ويده ترتعش قبل أن يلمس الخشب، كأنه يخاف أن يفتح فلا يجد الماضي ولا يجد نفسه، ثم دفع الباب فصدر منه صرير طويل جعل الصمت حوله أكثر قسوة.
في الداخل، كانت الرائحة خليطًا من تراب قديم ورطوبة وذكريات، طاولة المطبخ ما زالت في مكانها، والكرسي الهزاز قرب النافذة ما زال هناك، لكنه مغطى بالغبار كأنه لم يجلس عليه أحد منذ زمن بعيد.
قال بصوت خافت: “يا تيتة…”.
لم يرد أحد.
فجأة سمع حركة خفيفة من ناحية الغرفة الخلفية، خطوة صغيرة ثم صمت، فالتفت بسرعة، وغرائز السجن القديمة اشتعلت داخله، هل هناك لصوص؟ هل أحد استولى على البيت؟ هل جدته ماتت ولم يخبره أحد؟
اختبأ وراء الحائط المتهالك، ثم رأى من بين الظلال طفلة صغيرة تخرج ببطء، عمرها لا يتجاوز عشر سنوات، شعرها متشابك، فستانها ممزق، وفي يدها دمية قديمة ملوثة بالتراب.
عندما رأته، تجمدت مكانها، وضمت الدمية إلى صدرها وقالت بصوت مرتجف: “إنت مين؟”.